كنت مخلفه ولد وبنت زهرة الربيع

لمحة نيوز

دي من زمان.
وفاء ردت
بس وصلتك في الوقت اللي تقدر تفهمها فيه.
بعدها اتفق الاثنان على تأسيس المشروع معًا.
لكن وفاء وضعت شرطًا واضحًا
كل حاجة هتكون بعقد، وكل واحد له حساب مستقل.
عصام قال
موافق.
وفعلًا بدأوا.
وبعد أشهر، المشروع بدأ ينجح.
وفاء كانت تدير الحسابات، وعصام كان مسؤولًا عن العمل الخارجي.
ولأول مرة، بقوا بيتعاملوا كأخ وأخت، مش كواحد يأمر والتاني ينفذ.
أما أنا، فبدأت أشارك في عمل خيري صغير في منطقتنا.
كنت أساعد الأسر المحتاجة، وكل مرة أشوف أم بتعامل أولادها بشكل مختلف، كنت أحاول أنصحها.
كنت أقول
ما تزرعيش في ابنك إنه أعلى من أخته.
وفي يوم، كنت قاعدة مع وفاء.
بصيت لشعرها الأبيض وقلت
لسه نفسك ترجعي شعرك أسود؟
ضحكت وقالت
لو رجع، مش هغير حاجة.
استغربت.
قالت
الشعر الأبيض فكرني بحاجة مهمة.
إيه؟
قالت
إن أصعب أيام حياتي عدت.
سكتت قليلًا.
واللي جاي أنا اللي هختاره.
في اللحظة دي، فهمت إن وفاء ما قدرتش تمحو الماضي.
لكنها قدرت تمنع الماضي من التحكم في مستقبلها.
وبعد سنوات، بقى المشروع كبير، وبدأ يوفر شغل لناس كتير.
وعصام كان كل ما حد يسأله عن المشروع يقول
ده مشروع أختي وأنا شريكها.
أما أنا، فكنت كل ليلة أدعي ربنا يغفر لي على سكوتي.
وفي يوم، رجعت وفاء من شغلها وقالت لي
ماما، عندي خبر.
قلت
خير؟
قالت
لقيت مكان جديد للمشروع.
سألتها
أكبر؟
ابتسمت
أكبر بكتير.
ضحكت.
لكنها بعد لحظة قالت
وفي حاجة أهم.
إيه؟
قالت
أنا عايزة أكتب جزء من أرباحي باسم أمي.
اتصدمت.
قلت
ليه؟
قالت
مش علشان أنسى اللي حصل.
ثم أضافت
علشان أفتكر إن الإنسان ممكن يغلط، ولو اعترف بغلطه وحاول يصلحه، يقدر يبدأ من جديد.
دموعي نزلت.
وقلت لها
سامحيني.
ردت
أنا سامحتك من زمان.
ثم نظرت إلى شعرها الأبيض وقالت
بس عمري ما هنسى الدرس.
ومن يومها، بقى شعر وفاء الأبيض مش علامة على نهاية حياتها
بقى علامة على بداية حياة جديدة.
والباب الحديد اللي كان يومًا رمزًا للخوف
اتشال من المخزن نهائيًا.
وفاء قالت
مش عايزة أشوفه تاني.
واتقفل المخزن للأبد.
لكن المرة دي
ما كانش فيه بنت جوه.
كان فيه ماضٍ كامل اتدفن، وحياة جديدة بدأت عدت سنتين، والحياة اتغيرت تمامًا.
وفاء بقت صاحبة مشروع ناجح، وعصام بقى مسؤول عن جزء كبير من الشغل، والأهم إن العلاقة بينهم بقت مبنية على الاحترام.
لكن في يوم، حصل موقف رجّع الماضي قدام عينيهم من جديد.
كان فيه عامل جديد في المشروع، شاب عصبي، وكل ما يختلف مع حد كان يعلي صوته.
وفي مرة اختلف مع واحدة من العاملات، وبدأ يتكلم معاها بطريقة قاسية.
وفاء وقفت بينهم وقالت
كفاية.
الرجل رد
دي شغالة عندنا، وأنا أقدر أتعامل معاها زي ما أنا عايز.
وفاء بصت له بثبات
لا. طول ما هي هنا، ليها حق الاحترام.
عصام كان واقف بعيد، وسمع الكلام.
ولما العامل حاول يبرر تصرفه، عصام قال
إحنا مش هنسمح إن حد يتعامل مع حد بالطريقة دي هنا.
العامل اعتذر، لكن وفاء طلبت منه يلتزم بقواعد المكان.
في المساء، قال لها عصام
فاكرة زمان لما كنت فاكر إن اللي أقوى هو اللي صوته أعلى؟
وفاء ابتسمت وقالت
فاكرة.
قال
أنا اتعلمت إن القوة الحقيقية إنك تقدر توقف الظلم حتى لو الشخص اللي قدامك أضعف منك.
ردت
المهم إنك اتعلمت.
وفي نفس الليلة، رجعنا البيت.
لقيت وفاء واقفة قدام باب المخزن القديم.
كان الباب الحديد اتشال من مكانه، والمكان اتنضف تمامًا.
قالت
أنا قررت أعمل هنا حاجة.
سألتها
إيه؟
قالت
غرفة صغيرة لتعليم البنات اللي محتاجين شغل.
بصيت لها بدهشة.
في نفس المكان؟
قالت
أيوه.
ثم ابتسمت
المكان اللي كان سبب في خوفي، هيبقى سبب في مساعدة ناس تانية.
وفعلًا، بعد فترة، الغرفة اتجهزت، وبدأت وفاء تعلم البنات شغل الحسابات وإدارة المشروعات.
كل واحدة تدخل المكان كانت تسألها
ليه اخترتي المكان ده؟
فترد
علشان المكان نفسه مالوش ذنب في اللي حصل.
وفي يوم، دخلت بنت صغيرة كانت خايفة جدًا.
وفاء قعدت جنبها وسألتها
مالك؟
قالت
أنا بخاف أتكلم.
وفاء ابتسمت وقالت
هنا محدش هيطلب منك تسكتي.
الجملة دي جعلتني أبكي من بعيد.
لأنني عرفت إن بنتي لم تعد مجرد ناجية من الماضي.
بقت سببًا في إن غيرها ما يعيشوش نفس الألم.
أما عصام، فكان أول شخص يساعدها في تجهيز المكان.
وبعد سنوات، لما كبر المشروع، عملوا نظامًا واضحًا يحفظ حقوق كل العاملين.
وأنا كنت أزورهم كل فترة.
وفي إحدى الزيارات، وفاء قالت لي
ماما، بصي.
رفعت رأسها.
كان شعرها الأبيض كما هو.
قالت
زمان كنت بكره شعري علشان كان بيفكرني بالمخزن.
سألتها
ودلوقتي؟
قالت
دلوقتي بحبه.
استغربت.
فقالت
علشان بقى شاهد إني عدّيت من أصعب وقت في حياتي، ولسه واقفة.
سكتُّ وأنا أنظر إليها.
ثم قالت
أنا مش نفس البنت اللي دخلت المخزن.
قلت
ولا أنا نفس الأم اللي وقفت برا الباب.
ابتسمت.
وكانت دي أول مرة أشعر إن الماضي، رغم إنه عمره ما هيتغير، ما بقاش قادر يتحكم فينا.
وفاء لم تنتقم.
وعصام لم يهرب من مسؤوليته.
وأنا لم أطلب منها أن تنسى.
كل واحد فينا دفع ثمن أخطائه بطريقة مختلفة.
لكن أهم شيء تعلمناه كان واضحًا
الولد مش أعلى من البنت، والأخ مش صاحب سلطة على أخته، والأم لما تفرق بين أولادها ممكن تزرع ظلمًا يكبر لحد ما يهدم البيت كله.
أما وفاء
ففضل شعرها الأبيض أجمل شاهد على إن الإنسان ممكن يخسر جزءًا من عمره بسبب ظلم الآخرين، لكنه يقدر يسترد باقي عمره بإيده.
ومن يومها، كل ما حد سألها
إيه سر شعرك الأبيض؟
كانت تبتسم وتقول
حكاية قديمة بس نهايتها مش وجع.
ثم تكمل طريقها.
لأن الحكاية الحقيقية ما كانتش عن الشعر الأبيض
كانت عن بنت خرجت من الظلام، وقررت إن بقية حياتها تكون نورًا لنفسها ولغيرها مرت خمس سنين كاملة.
المشروع اللي بدأته وفاء من قطعة الأرض الصغيرة بقى مكان معروف في المنطقة، والقاعة اللي كانت في يوم من الأيام مخزنًا مهجورًا بقت مركزًا لتعليم البنات والسيدات مهن بسيطة تساعدهم يعتمدوا على نفسهم.
أما عصام، فكان اتغير فعلًا.
بقى كل ما يشوف حد بيحاول يفرض رأيه بالقوة يقول
أنا كنت فاكر زمان إن الصوت العالي بيخلي الناس تحترمك طلعت غلطان.
لكن في يوم، حصل موقف خلّى وفاء تفتكر كل حاجة من جديد.
دخلت عليها بنت اسمها سلمى، وكانت في العشرين من عمرها.
وشها كان مليان خوف.
وفاء سألتها
في إيه؟
قالت
أخويا عايزني أسيب الشغل.
وفاء سألتها
ليه؟
قالت
بيقول إن البنت مكانها البيت، وإنه هو اللي يقرر مستقبلي.
سكتت وفاء لحظة.
وبعدين قالت
وإنتِ عايزة إيه؟
البنت ردت
عايزة أكمل شغلي.
وفاء ابتسمت وقالت
يبقى ده اللي يهم.
سلمى سألتها
بس أخويا ممكن يعمل مشكلة.
وفاء بصت لها وقالت
لو في مشكلة، نحلها بالقانون وبالكلام، مش بالخوف.
وفي اللحظة دي، دخل عصام وسمع آخر جملة.
وقف مكانه.
وبص لسلمى وقال
وفاء عندها حق.
سلمى استغربت.
أما وفاء، فبصت لأخوها من غير كلام.
قال عصام
أنا كنت زمان الشخص اللي بيخوف أخته علشان يفرض رأيه.
ثم نظر إلى وفاء.
ومش عايز حد يعيش اللي هي عاشته.
سلمى خرجت وهي أكثر اطمئنانًا.
بعد ما خرجت، قالت وفاء
أنت اتغيرت يا عصام.
ضحك وقال
أختي هي اللي علمتني.
وفي المساء، رجعت وفاء البيت عندي.
كانت شايلة ملفًا كبيرًا.
قلت لها
إيه ده؟
قالت
دي أوراق مشروع جديد.
سألتها
مش كفاية اللي عندك؟
ضحكت وقالت
المرة دي عايزة أعمل دار تدريب أكبر.
ثم سكتت.
وقالت
وهسميها باسم بابا.
فرحت جدًا.
قلت
ليه؟
قالت
لأن آخر حاجة سابها لنا كانت درس.
سألتها
إيه هو؟
قالت
إن الحق ممكن يتأخر، لكنه ما ينفعش يضيع.
وبصت لشعرها الأبيض في المرآة.
ثم قالت
وأنا كمان اتعلمت درس تاني.
قلت
إيه؟
قالت
إن اللي حصل لي ما ينفعش يكون نهاية حكايتي.
سكتنا قليلًا.
ثم قالت
أنا خسرت أيام من عمري، لكن ربنا إداني باقي العمر أعمل فيه حاجة مفيدة.
وقتها فهمت أخيرًا إن وفاء ما خرجتش من المخزن منتقمة.
خرجت منه أقوى.
وأنا لم أستطع أن أعيد لها الأيام التي ضاعت، لكنني قدرت أعيش بقية عمري وأنا أحاول ألا أكرر نفس الخطأ.
أما عصام، فبقى كل ما حد يسأله عن أخته يقول
دي مش بس أختي دي الإنسانة اللي علمتني معنى المسؤولية.
وبعد كل السنين دي، فضل شعر وفاء أبيض.
لكنها ما كانتش تخفيه.
كانت بتسيبه كما هو.
لأن كل خصلة كانت بتفكرها بأنها نجت من أيام صعبة، وإنها اختارت تكمل حياتها بدل ما تعيش أسيرة للماضي.
وفي آخر يوم من كل سنة، كانت تقف أمام باب المركز، تبص للبنات اللي بيتعلموا جواه، وتبتسم.
ثم تقول لنفسها
لو كنت خرجت من المخزن وأنا ضعيفة، كان الماضي كسب.
وتضيف
لكن أنا خرجت منه وقررت أعيش.
وهكذا انتهت الحكاية الحقيقية.
مش بانتصار وفاء على أخوها
لكن بانتصارها على الخوف.
ومش بعقاب أمها
لكن بتعلمها.
ومش بكراهية عصام
لكن بتحمله نتيجة أفعاله وتغييره لنفسه.
أما الباب الحديد القديم، فقد اختفى من المكان منذ سنوات.
ولم يبقَ منه إلا قطعة صغيرة احتفظت بها وفاء.
كانت معلقة على حائط مكتبها.
وتحتها جملة واحدة
لا تسمح لأحد أن يحول خوفك إلى سجن لكن الحكاية ما كانتش خلصت فعلًا.
بعد ما مرّت سنين، وفي يوم كانت وفاء بترتب مكتب والدها القديم، لقت ظرف صغير مستخبي خلف درج خشب.
الظرف كان عليه اسمها.
فتحتُه معاها.
كان جواه جواب قصير بخط والدها
وفاء، لو وصل لكِ الجواب ده، يبقى غالبًا كبرتي وبقيتي قادرة تفهمي كلامي. أنا عارف إن أمك بتحبك، وعارف إن خوفها أحيانًا بيخليها تاخد قرارات غلط. وعارف إن عصام صغير وممكن يخطئ. لكن أوصيكي بحاجة واحدة لا تحملي في قلبك كراهية
تم نسخ الرابط