كنت مخلفه ولد وبنت زهرة الربيع

لمحة نيوز

هيحدد حياتي.
دخلت خطوة واحدة.
وبصت للجدران.
ثم قالت
هنا كنت فاكرة إن حياتي انتهت.
وسكتت.
لكن من هنا بدأت أعرف قيمتي.
خرجنا من المخزن.
وقبل ما نطلع السلم، وفاء وقفت وقالت
ماما.
قلت
نعم؟
قالت
أنا مش هنسى اللي حصل.
قلبي وجعني.
لكنها أكملت
بس ممكن أتعلم أعيش من غير ما أكون أسيرة له.
في اللحظة دي، فهمت إن بنتي ما كانتش محتاجة حد ينتقم لها.
كانت محتاجة حد يصدق إنها تستحق الاحترام.
وبعد أيام، حصل شيء ما حدش كان متوقعه.
وفاء دخلت علينا وهي ماسكة ورقة.
وقالت
أنا قررت أبدأ مشروع صغير.
عصام ابتسم وقال
محتاجه مساعدة؟
بصت له وقالت
لو احتجت هطلب.
ضحك وقال
تمام.
وهنا عرفت إن العلاقة بينهم مش هترجع زي زمان.
وده كان شيء كويس.
لأن اللي كان بينهم زمان ما كانش أخوة سليمة.
كان سيطرة وخوف.
أما دلوقتي، فكل واحد بدأ يعرف حدوده.
وبقي شعر وفاء الأبيض شاهدًا على أسوأ أيامها
لكن حياتها الجديدة بقت الدليل إنها قدرت تبدأ من جديد.
أما أنا، ففضلت أردد لنفسي كل يوم
العدل بين الأولاد مش إنك تحبهم بنفس الطريقة بس
العدل إنك ما تسمحش لواحد فيهم يظلم التاني.
لكن القصة ما كانتش انتهت لسه
لأن بعد شهور، وصل لوفاء جواب غريب جدًا، واللي كان مكتوب فيه كشف سرًا قديمًا عن أبوها قبل وفاتهوصل الجواب لوفاء في صباح يوم هادي.
كان ظرف بني صغير، من غير اسم مرسل.
فتحته، ولقت جواه ورقة مكتوب فيها
لو عايزة تعرفي الحقيقة عن أبوكي، دوري في صندوقه القديم.
وفاء فضلت تبص للورقة وهي مش فاهمة.
أبوها كان متوفي من سنين، وكل حاجته تقريبًا كانت اتخلصنا منها.
لكن كان فيه فعلًا صندوق خشب قديم، موجود فوق دولاب في المخزن.
وفاء رجعت البيت وقالت لي
ماما، فاكرة صندوق بابا؟
اتوترت.
قلت
أيوه ليه؟
قالت
حد بعتلي جواب عنه.
وأول ما قالت كده، حسيت بحاجة غريبة.
نزلنا المخزن سوا.
طلعت الصندوق من فوق الدولاب.
كان عليه تراب كتير.
فتحته.
كان جواه شوية أوراق قديمة، وصورة لأبوها، ومفتاح صغير.
وفاء مسكت المفتاح وقالت
ده مفتاح إيه؟
قلت
مش عارفة.
لكن وهي بتقلب الأوراق، لقت ورقة مكتوب عليها اسم محل قديم كان أبوها بيشتغل فيه.
وتحت الاسم رقم خزنة.
وفاء بصت لي وقالت
إحنا لازم نعرف الخزنة دي فين.
في اليوم التالي، سألنا أحد معارف والدها القدامى.
ولما سمع رقم الخزنة، اتفاجئ.
وقال
والدكم كان سايب أمانة من سنين.
وفاء سألت
أمانة إيه؟
قال
أنا معرفش، بس كان دايمًا يقول إن الحاجة دي لازم توصل لابنته الكبيرة لو حصل له حاجة.
اتجمدت مكاني.
وفاء قالت
لبنته الكبيرة؟
هز رأسه.
أيوه.
رجعنا البيت وإحنا مش فاهمين.
لكن في نفس الليلة، اكتشفنا إن والدها كان سايب مبلغًا من المال وبعض الأوراق الرسمية باسم وفاء.
والأغرب من كده
إن كان فيه عقد ملكية قديم لقطعة أرض صغيرة.
وفاء بصت لي وقالت
بابا كان مخبي ده كله ليه؟
قلت
يمكن كان عايز يأمن مستقبلك.
سكتت.
ثم قالت
ولو كان عايز يأمن مستقبلي ليه محدش قال لي؟
ما عرفت أرد.
وفجأة، دخل عصام.
سمع آخر جملة.
وقال
محدش كان يعرف.
وفاء بصت له.
قال
أنا لقيت ورقة تانية في الصندوق.
طلع ورقة مطوية.
فتحها.
كانت رسالة بخط والدهم.
بدأ يقرأ
يا وفاء، لو الرسالة دي وصلت لك، يبقى أنا مش موجود. أنا عارف إنك الكبيرة، وعارف إن أمك أحيانًا بتقلق عليك زيادة، لكن أهم حاجة عندي إنك ما تسمحيش لأي حد ياخد حقك أو يقرر مستقبلك.
وفاء بدأت دموعها تنزل.
لكنها كملت القراءة.
والأرض دي كتبتها باسمك لأنني عايزك دايمًا يكون عندك مكان تقفي عليه مهما حصل.
سكت عصام.
وفاء أخدت الورقة منه.
وبصت له.
وقالت
دلوقتي فهمت ليه بابا كان دايمًا يقول لي إني لازم أكون قوية.
عصام رد
وأنا فهمت حاجة تانية.
سألته
إيه؟
قال
إني كنت طول الوقت فاكر إن القوة معناها إن الناس تخاف مني.
وبص لأخته.
لكن إنتِ أثبتِ لي إن القوة ممكن تكون إنك تسكتي عن الانتقام وتاخدي حقك بالطريقة الصح.
وفاء لأول مرة ابتسمت له ابتسامة بسيطة.
وقالت
اتعلمت.
رد
وأنا كمان.
وفي اليوم التالي، بدأت وفاء إجراءات نقل الملكية بشكل رسمي.
لكنها رفضت تستخدم الأرض لمصلحتها وحدها.
قالت
هعمل فيها مشروع صغير.
سألتها
لوحدك؟
قالت
لا.
وبصت لعصام.
لو هو عايز يبدأ من جديد، ممكن يشتغل معايا بشرط.
عصام قال
إيه؟
قالت
الشغل شراكة، وكل حاجة مكتوبة. مفيش أخ يأمر أخته، ومفيش أخت تخاف من أخوها.
عصام مد إيده بالأوراق وقال
موافق.
وهكذا، المكان اللي كان المفروض يبقى بداية نهاية وفاء
بقى بداية حياتها الجديدة.
أما أنا، فتعلمت أن أعظم خطأ ممكن تعمله أم هو إنها تخلط بين حبها لابنها وبين السماح له بظلم أخته.
وفاء خسرت أيامًا من عمرها لن ترجع
لكنها كسبت شيئًا أهم
نفسها.
ومن يومها، كل ما كانت تبص لشعرها الأبيض في المرآة، ما كانتش تشوف البنت اللي اتحبست في المخزن
كانت تشوف الست اللي خرجت منه، وقررت إنها عمرها ما هتسمح لحد يقفل عليها باب حياتها تاني بعد ما بدأ مشروع وفاء وعصام، الحياة في البيت اتغيرت تمامًا.
وفاء بقت صاحبة قرارها، وعصام بقى بيتعامل معاها باحترام، وكل اتفاق بينهم مكتوب وواضح.
لكن بعد شهر تقريبًا، حصل شيء غريب.
وفاء كانت بتراجع أوراق الأرض، ولاحظت إن فيه رقم قديم مكتوب على ظهر عقد الملكية.
اتصلت بالشخص اللي كان يعرف والدها، وسألته عن الرقم.
الرجل سكت لحظة، ثم قال
الرقم ده مش رقم أرض.
وفاء قالت
أمال رقم إيه؟
قال
رقم دفتر حسابات والدك.
رجعت وفاء البيت وهي مستغربة.
ولما سألتني، قلت لها
أنا معرفش حاجة عن حسابات أبوكي.
قالت
يبقى لازم ندور.
بدأنا نفتش في الصندوق القديم مرة تانية.
بعد وقت طويل، لقينا كراسة صغيرة ملفوفة في قطعة قماش.
كانت مكتوبة بخط والدها.
فتحت وفاء أول صفحة.
وكان مكتوب
دي مش فلوس دي حقوق ناس.
اتجمدنا.
كملت القراءة.
والدها كان قبل وفاته شغال مع مجموعة من العمال في مشروع صغير، وكان مسؤولًا عن حسابات المكان.
وقبل ما يموت، اكتشف إن فيه مستحقات مالية لعدد من العمال لم يحصلوا عليها.
فكتب أسماءهم والمبالغ المستحقة لكل واحد.
وفاء قالت
يعني بابا كان محتفظ بالفلوس؟
هزيت رأسي.
مش مكتوب كده.
وبالفعل، في آخر الصفحات كان مكتوب
أنا لم آخذ جنيهًا واحدًا من هذه الأموال. لكني لم أستطع تسليمها لأصحابها قبل وفاتي.
وفاء سكتت.
ثم قالت
يبقى لازم نوصلها لأصحابها.
عصام قال
حتى لو الموضوع قديم؟
ردت
الحق مش بيبطل لأنه اتأخر.
بدأوا يبحثوا عن أصحاب الأسماء.
بعضهم انتقل من المنطقة.
بعضهم توفي.
وفي كل مرة كانوا يجدون صاحب حق أو أحد أفراد أسرته، كانت وفاء تسلمه مستحقاته بعد التأكد من الأوراق.
ومع كل شخص، كانت تحس إن جزءًا من أمانة والدها رجع لمكانه.
وفي آخر اسم في الدفتر، لقينا اسم رجل كبير في السن اسمه عم جابر.
سألنا عنه.
اكتشفنا إنه يعيش وحده في قرية قريبة.
ذهبنا إليه.
ولما سمع اسم والد وفاء، وقف مذهولًا.
قال
أبوكي؟
وفاء قالت
أيوه.
أخرجت الورق.
بابا كان كاتب إن ليك مبلغ عنده.
الرجل رفض في البداية.
وقال
أبوكي مات من سنين، وأنا اعتبرت الموضوع انتهى.
وفاء ردت
هو ما اعتبرهوش انتهى.
أعطته حقه.
الرجل مسك الأوراق وبدأ يبكي.
وقال
أبوك كان راجل أمين.
بصيت لوفاء، وشعرت بوجع شديد.
لأنني تذكرت قد إيه أنا ظلمت بنت كانت تستحق كل الثقة.
في طريق العودة، عصام كان ساكت.
ثم قال
وفاء.
قالت
نعم؟
قال
أنا طول عمري كنت فاكر إنك أضعف مني.
سكت قليلًا.
بس الحقيقة إنك كنت أقوى مني من زمان.
وفاء بصت له وقالت
القوة مش إنك تقدر تخوف اللي قدامك.
ثم أكملت
القوة إنك تقدر تعمل الصح حتى وإنت قادر تعمل الغلط.
وصلنا البيت.
وفي المساء، جلست وحدي.
دخلت وفاء عليا.
قلت لها
يا بنتي.
وقفت.
نعم؟
قلت
أنا عارفة إن في حاجات مش هقدر أصلحها مهما حاولت.
سكتت.
لكن لو الزمن رجع بيا، كنت هقف جنبك.
قالت بهدوء
الزمن مش بيرجع يا أمي.
دموعي نزلت.
لكنها أكملت
بس بكرة لسه موجود.
رفعت عيني لها.
قالت
خلي بكرة أحسن من امبارح.
كانت دي أكتر جملة احتجت أسمعها في حياتي.
وفي اليوم التالي، حصلت مفاجأة جديدة.
وصل ظرف رسمي باسم وفاء.
فتحته.
قرأته مرة.
ثم مرة ثانية.
وبعدها قالت
ماما بابا كان سايب لنا حاجة تانية.
سألتها
إيه؟
رفعت الورقة وقالت
وصية جديدة ومكتوب فيها اسم عصام.
نظرنا أنا وعصام لبعض.
ولأول مرة، حسيت إن سر والدهم لسه ما خلصشفتحنا الظرف وإحنا مش فاهمين.
وفاء كانت ماسكة الورقة بإيد مرتعشة، وعصام واقف جنبها.
بدأت تقرأ
إلى ابني عصام
وسكتت.
بصت له.
قال
كملي.
رجعت تقرأ
يا ابني، لو وصلت لك الرسالة دي، فمعناها إنك كبرت وبقيت قادر تتحمل مسؤولية أفعالك. عايزك تعرف إن الرجولة عمرها ما كانت في السيطرة على أختك، ولا في رفع الصوت عليها، ولا في إجبارها على حاجة.
عصام فضل ساكت.
كملت
أختك وفاء أكبر منك، لكنها مش ملكك، وحياتها مش من حق أي إنسان يقررها بدلها.
نزل عصام عينه للأرض.
أنا بدأت أبكي.
ثم ظهرت جملة جعلتنا كلنا نسكت
أما الشيء الذي تركته لك يا عصام، فهو جزء من الأرض التي باسم أختك، لكن ليس لتملكه.
عصام رفع رأسه بسرعة.
وفاء قالت
يعني إيه؟
كملت القراءة
أريدك أن تعمل معها فيها، بشرط أن تكون الشراكة بعقد واضح، وأن يكون نصيب كل واحد محفوظًا.
عصام سكت لحظات.
ثم قال
بابا كان عارف؟
وفاء قالت
عارف إيه؟
قال
كان عارف إني ممكن أبقى كده؟
ما حدش رد.
كمل قراءة الرسالة بنفسه
يا عصام، لو أخطأت في حق أختك يومًا، لا تنتظر منها أن تنسى. أصلح خطأك بالأفعال، واترك لها حقها في أن تختار علاقتها بك.
طوى الورقة.
جلس على الكرسي.
وظل ساكتًا وقتًا طويلًا.
ثم قال
أنا كنت محتاج الرسالة
تم نسخ الرابط