كنت بنضف بيت ست عجوزه

لمحة نيوز

حصلت مشكلة.
إيه المشكلة؟
طلع ورقة تانية.
كانت رسالة قديمة.
قال
وصلتنا رسالة بتقول إن البيت اتعرض لمشكلة قانونية، وإن فيه ناس بتحاول تستولي على المطبعة.
قلت
ومين كتب الرسالة؟
سعد قال
شخص مجهول.
بصيت له.
وصدقتوه؟
هز رأسه.
غلطنا.
لأول مرة، حسيت إن سعد مش بيحاول يهرب من الحقيقة.
بل كان بيحاول يقولها مهما كانت صعبة.
سألته
طب ياسر فين دلوقتي؟
قال
دار الرحمة اتقفلت من سنين.
قلبي وقع.
يعني مات؟
قال
مش عارف.
ثم أخرج ورقة أخيرة.
لكن عندي آخر معلومة عنه.
كان فيها اسم موظف قديم، وعنوان بيت صغير في أطراف المدينة.
قال سعد
الموظف ده كان مسؤول عن ملفات الدار.
قررنا نروح له.
بعد ساعتين وصلنا لبيت متواضع.
فتح لنا رجل كبير في السن.
أول ما سمع اسم ياسر، فضل ساكت.
ثم قال
كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
دخلنا.
طلع صندوق خشب قديم.
فتحه.
كان جواه دفتر نزلاء دار الرحمة.
قلب الصفحات.
لحد ما وصلنا لسنة الحادث.
وهناك ظهر الاسم.
ياسر السعدي.
لكن بجانبه ملاحظة.
قرأت
المريض غادر الدار بعد تحسن حالته.
سألت الرجل
خرج فين؟
قال
كان فيه شخص بيزوره.
مين؟
أشار إلى خانة الزائر.
الاسم كان
حسام.
بصيت لحسام.
قال
أنا كنت بزوره فعلًا.
سألته
وبعدين؟
حسام قال
في آخر زيارة، ياسر كان فاكر جزء كبير من حياته.
وقالك إيه؟
حسام أخذ نفسًا طويلًا.
وقال
قال لي لو رجعت للبيت، أول حاجة أعملها إني أطلع ابني من المكان اللي هو فيه.
سألته
هو كان عارف أنا فين؟
قال
أيوه.
طب ليه ماجاش؟
سكت حسام.
وبعدين قال
لأنه كان مصمم يرجع بعد ما يثبت حقه في المطبعة.
فتحت عيني.
يعني كان عايش؟
قال
آخر مرة شفته فيها... أيوه.
الرجل الكبير قاطعنا
أنا عندي حاجة تانية.
فتح درج مكتبه.
وأخرج صورة.
مدها لي.
الصورة كانت لرجل واقف أمام محل صغير.
رجل أكبر سنًا، شعره أبيض، لكنه يحمل نفس ملامح الصورة القديمة.
وتحت الصورة تاريخ حديث نسبيًا.
رفعت عيني.
قلت
ده ياسر؟
الرجل قال
أيوه.
حسام قرب من الصورة.
وسكت.
سألته
إنت تعرف المكان ده؟
هز رأسه.
أعرفه.
كان المكان عبارة عن ورشة صغيرة في مدينة بعيدة.
قلت
هنروح.
لكن الرجل الكبير قال
استنى.
وأخرج ورقة أخيرة.
الصورة دي اتصورت قبل شهر واحد.
اتجمدنا جميعًا.
قبل شهر فقط.
يعني طوال السنوات دي...
كان أبي ممكن يكون حيًا.
خرجنا من البيت بسرعة.
وأنا ماسك الصورة في إيدي.
طول الطريق كنت أفكر في سؤال واحد
لو ياسر كان عايش طوال الوقت...
ليه خديجة ماعرفتش؟
وليه هو ما رجعش؟
وصلنا المدينة عند الغروب.
بحثنا عن عنوان الورشة.
لكن لما وصلنا...
لقينا الباب مقفول.
وفوقه لافتة صغيرة
المحل مغلق منذ ثلاثة أيام.
قلبي وقع.
بصيت حولي.
وفجأة، شاب كان واقف في الناحية المقابلة ناداني
إنت بتدور على عم ياسر؟
جريت ناحيته.
قلت
أيوه.
قال
ساب الورشة من تلات أيام.
سألته
راح فين؟
ابتسم ابتسامة غامضة.
وقال
قال إنه رايح بغداد.
ثم أضاف
وساب لك رسالة.
مد إيده.
ناولني ظرفًا أبيض.
كان مكتوبًا عليه بخط واضح
إلى ابني آدم.
فتحت الظرف.
وكانت بداخله جملة واحدة فقط
سامحني... أنا كنت بدور عليك طول عمري وقفت في الشارع والرسالة في إيدي، ومقدرتش أتكلم.
كل السنين اللي عشتها وأنا بسأل نفسي أبويا فين؟
كانت إجابتها في سطر واحد.
كان بيدور عليا.
بصيت للشاب وقلت
هو قال لك أي حاجة تانية؟
قال
أيوه، قال إنك لو جيت تسأل عنه، أقولك على مكان.
فين؟
طلع ورقة صغيرة من جيبه.
كان عليها عنوان محطة قطار قديمة، وموعد محدد.
الساعة 8 مساءً.
بصيت في الساعة.
كانت 720.
حسام قال
لو ياسر لسه في المدينة، هنلاقيه هناك.
جرينا ناحية المحطة.
وصلنا قبل الموعد بدقائق.
المكان كان شبه فاضي.
قعدنا نستنى.
800.
810.
820.
بدأت أفقد الأمل.
وفجأة ظهر رجل كبير من آخر الرصيف.
كان ماشي ببطء، وبيسند على عصاية.
حسام وقف.
وسكت.
الرجل قرب.
وبصلي.
وأول ما شافني، وقف مكانه.
أنا كمان مقدرتش أتحرك.
كان أكبر من الصورة بسنين.
شعره أبيض.
وشه مليان تجاعيد.
لكن عينيه...
كانت نفس العينين اللي شفتها في الصور.
قال بصوت مبحوح
آدم؟
رديت
أيوه.
فضل ساكت.
ثم قال
كبرت.
الكلمة البسيطة دي هزتني أكتر من أي كلام.
قلت
إنت ياسر؟
هز رأسه.
أنا أبوك.
سكتنا إحنا الاتنين.
مفيش كلام كان قادر يشرح عشرين سنة.
لكن ياسر ماحاولش يبرر.
قال
أنا غلطت في حاجات كتير.
بصيت له.
ليه ما رجعتش؟
قال
رجعت أحاول أكتر من مرة.
ثم أخرج ملفًا قديمًا.
كل مرة كنت أوصل لنقطة تقربني منك، ألاقي إن رجوعي ممكن يضرك.
سألته
مين كان بيمنعك؟
قال
محدش.
استغربت.
قال
أنا اللي كنت بخاف.
ثم فتح الملف.
كان فيه مستندات تثبت إن بعض أملاك العيلة اتسجلت بطريقة غير قانونية، وإن البيت والمطبعة كانوا حقًا من حقه.
وقال
كنت خايف لو رجعت من غير دليل، تضيع حقوقك أنت كمان.
بصيت له.
وخديجة؟
عينيه اتمَلوا بالدموع.
قال
أمي كانت عارفة إني عايش.
اتصدمت.
إيه؟!
قال
كنت بتواصل معاها برسائل عن طريق حسام، لكن اتفقنا إن اسمي يفضل بعيد عن البيت لحد ما نقدر نحمي حقك.
سألت
طب ليه خلتني أنضف بيتها؟
ابتسم بحزن.
لأنها كانت عايزة تعرفك من غير ما تقول لك مين أنت.
حسام قال
كانت عايزة تشوف هل هتختار الفلوس ولا الإنسان.
ياسر كمل
ولما فضلت تيجي كل أسبوع رغم إنها مكنتش بتدفع لك، عرفت إنك ابني.
قلت
يعني كانت عارفة من أول يوم؟
هز رأسه.
كانت عارفة من قبل ما تدخل البيت.
نزلت عيني للأرض.
افتكرت كل مرة كانت بتبص فيها لوشي.
كل مرة كانت تسألني عن إيدي.
كل مرة كانت تتأكد إني جيت.
وفهمت أخيرًا.
هي ما كانتش بتختبر عامل نظافة.
كانت بتتعرف على حفيدها.
ياسر قال
في حاجة لازم تعملها.
سألته
إيه؟
قال
ترجع البيت.
البيت بتاع أمي؟
قال
البيت بتاع عيلتك.
رجعنا تاني يوم.
المحامي كان موجود.
وفتحنا كل الملفات.
ثبتت الأوراق إن البيت والمطبعة ماكانوش من حق أي حد يبيعهم منفردًا.
أما سعد ونوال ومروان، فلما ظهرت المستندات، اعترفوا إنهم كانوا فاهمين إن البيت هيتباع ويتقسم بينهم، لكنهم لم يكونوا يعرفون إن ياسر ما زال حيًا.
سعد وقف قدام ياسر وقال
سامحني.
ياسر رد بهدوء
اللي حصل مينفعش يتصلح بكلمة.
ثم أضاف
لكن نقدر نبدأ من جديد.
بعد شهور، رجعت المطبعة تشتغل.
ياسر تولى إدارتها.
وأنا كملت دراستي.
أما بيت خديجة، فلم يُبع.
احتفظنا به كما هو.
وفي كل خميس، كنت أدخل المطبخ وأطبخ نفس الشوربة اللي عملتها لها أول مرة.
وفي المكان اللي كانت بتحط فيه طبقها، علقت صورتها.
وتحت الصورة كتبت
هنا عاشت امرأة قضت آخر شهور عمرها وهي تبحث عن الحقيقة، ونجحت في أن تعيد عائلتها لبعضها من غير ما تظلم أحد.
أما آخر ظرف تركته لي...
فكان فيه كل أجوري عن السبعة شهور.
لكن بجانب الفلوس، كانت فيه ورقة صغيرة.
مكتوب فيها
يا آدم، أنا ما كنتش مأخّرة أجرك عشان أحرمك منه. كنت بحوشهولك لليوم اللي تعرف فيه إن تعبك عمره ما كان بلا قيمة.
احتفظت بالورقة.
لأن الفلوس خلصت مع الوقت.
لكن الحقيقة اللي خديجة سابتها لي...
فضلت معايا طول العمر بعد ما رجع ياسر للبيت، كنت فاكر إن الحكاية خلصت.
لكن خديجة كانت سايبة مفاجأة أخيرة.
بعد أسبوع من رجوعنا، المحامي اتصل بيا وقال
تعالى البيت بسرعة.
روحت.
لقيته واقف في الأوضة الزرقاء، وماسك صندوق خشب صغير.
قال
لقيناه ورا الحيطة.
استغربت.
إيه ده؟
قال
ده كان مخبي بطريقة خديجة كانت متأكدة إن محدش هيوصله.
فتحنا الصندوق.
كان فيه دفتر قديم جدًا.
على أول صفحة مكتوب
حسابات المطبعة من سنة 1989.
بدأنا نقلب.
كانت الحسابات عادية في الأول.
لكن في آخر الدفتر، لقينا صفحات مكتوبة بخط مختلف.
كانت خديجة هي اللي كاتباها.
وفيها تفاصيل عن كل واحد من أولادها.
لكن عند اسم ياسر، كان فيه سطر طويل
ابني لم يختفِ بسبب حادث فقط... لقد اختفى لأنه اكتشف سرًا في المطبعة.
بصيت لياسر.
قال
أنا كنت عارف إن فيه سر، لكن عمري ما عرفت حجمه.
قلبنا الصفحة.
ظهر جدول قديم.
أسماء أشخاص.
مبالغ.
تواريخ.
وتحتها جملة
دي الأموال اللي اتدفعت لإصلاح أخطاء عمال المطبعة، لكن جزء منها لم يصل لأصحابه.
سألته
يعني كان فيه فلوس ناقصة؟
قال
واضح.
المحامي قال
مش بس كده.
وأشار لاسم في آخر الصفحة.
كان اسم رجل كان شريك والد ياسر في المطبعة.
قال
الرجل ده كان مسؤول عن الحسابات.
ياسر سكت.
قلت
هو لسه عايش؟
المحامي رد
أيوه.
وكان ساكن في نفس المدينة.
قررنا نروح له.
وصلنا بيته عصرًا.
فتح لنا رجل كبير.
أول ما شاف ياسر، اتغيرت ملامحه.
قال
إنت؟
ياسر رد
أيوه.
الرجل قعد على الكرسي.
وقال
كنت فاكر إنك مش هترجع.
سألته
إنت كنت عارف إن أبويا عايش؟
قال
كنت عارف إنه اختفى.
ومعرفتش تدور عليه؟
خفض عينيه.
دورت.
ثم أضاف
لكن
تم نسخ الرابط