كنت بنضف بيت ست عجوزه

لمحة نيوز

كنت بنضف بيت ست عجوز كل خميس مقابل عشرين ألف دينار، لكن الغريب إنها فضلت سبع شهور كاملة من غير ما تديني أجري ولا مرة.
وفي صباح يوم، ماتت الست.
بنتها وقفت عند باب البيت، وأشارت للممسحة اللي كانت مرمية جنب حيطة المطبخ وقالتلي ببرود
خلاص، أمي ماتت، ومبقاش فيه حاجة تنظفها هنا. خد حاجتك واطلع قبل ما أتصل بالشرطة.
لم أجادلها.
لم أطلب فلوسي.
لم أقل حتى إن لها عندي مئات الآلاف من الدنانير.
لمّيت جاكتي المبلول وشنطتي القديمة، وخرجت.
لكن وأنا ماشي في الشارع، جارتها العجوز وقفتني.
كانت ماسكة ظرف بني قديم.
قالتلي
خديجة وصتني أديهولك يوم ما تموت.
فتحت الظرف وأنا واقف قدام البيت.
كان جواه مفتاح صغير، وصورة قديمة، وورقة مكتوب عليها بخط خديجة
يا آدم... لو وصلتلك الرسالة دي، يبقى الوقت جه تعرف الحقيقة.
رفعت عيني ناحية البيت.
وساعتها فهمت إن دخولي للبيت ده من سبع شهور مكنش صدفة.
قبل سبع شهور، كنت طالب عندي واحد وعشرين سنة، بدرس في كلية أهلية في بغداد، وبشتغل بالليل عشان أوفر مصاريف الدراسة.
كنت عايش في أوضة صغيرة فوق مغسلة ملابس.
وفي يوم، وأنا بدور على شغل إضافي، لقيت إعلان
ست كبيرة في السن محتاجة شخص أمين ينظف بيتها مرة واحدة أسبوعيًا. الأجر عشرون ألف دينار.
اتصلت فورًا.
بعد دقائق وصلتني رسالة
تعالى الخميس الساعة أربعة.
وبعدها رسالة تانية
وخليك لوحدك.
وصلت البيت في موعدي.
كان بيت قديم من دورين، له شبابيك خضراء وباب خشب ضخم، وعلى الباب خَبطة نحاس على شكل رأس أسد.
خبطت.
بعد دقيقة تقريبًا، الباب اتفتح.
وقفت قدامي ست صغيرة ونحيفة، شعرها أبيض، وفي إيدها عصاية خشب.
أول ما شافتني، فضلت ساكتة.
بصت لوشي طويلًا.
وبعدين قالت
إنت آدم؟
قلت
أيوه.
قالت
ادخل.
دخلت.
ريحة البيت كانت مزيج من الخشب القديم واللافندر والتراب.
لكن أكتر حاجة لفتت نظري كانت الصور.
صور كتير جدًا لعيلة كبيرة.
أطفال.
شباب.
أفراح.
تخرج.
سفر.
وفي آخر الطرقة كان فيه باب أزرق صغير عليه قفل نحاس.
لاحظت إني ببص عليه.
فقالت بسرعة
دي أوضة تخزين.
وبعدين قالت
مش محتاج تدخلها.
بدأت أنضف.
خلصت شغلي بعد ساعتين.
وقبل ما أمشي، قالت
بنتي معاها فلوس البيت. هديك أجرك الخميس الجاي.
قلت
ولا يهمك.
لكن الخميس اللي بعده، مدفعتليش.
واللي بعده كمان.
وبعد شهر، كانت مديونة لي بتمانين ألف دينار.
كنت محتاج الفلوس جدًا.
لكن في أحد الأيام، دخلت المطبخ لقيتها بتحط نص حبة بطاطا في طبق.
قلت
ده أكلك؟
قالت
أيوه.
فتحت التلاجة.
كانت شبه فاضية.
نسيت أجري.
طلعت كل الفلوس اللي كانت معايا واشتريت رز وفراخ وخضار وخبز.
رجعت وطبخت لها.
فضلت قاعدة قدامي ساكتة.
وبعد أول معلقة، قالت
محدش طبخلي في البيت ده من ست سنين.
ومن يومها، مبقتش مجرد عامل نظافة.
كنت بجيب لها الدوا.
أصلح درج المطبخ.
أغير اللمبات.
أثبت السجاد.
وأكتب لها مواعيد الأدوية بخط كبير.
وفي المقابل، كانت تحكيلي عن أولادها.
كان عندها ثلاثة أولاد عايشين
نوال.
سعد.
ومروان.
وكان لها ابن رابع اسمه ياسر.
لكن ياسر اختفى من البيت من حوالي عشرين سنة.
كل ما أسألها عنه، تسكت.
لحد يوم ما كانت بتبص لإيدي.
قالت
إنت بتعمل كده ليه؟
قلت
بعمل إيه؟
قالت
صباعك الصغير.
بصيت لإيدي.
كان الصباع فعلًا مائل للداخل شوية.
قالت
ياسر كان عنده نفس الحركة.
سألتها
هو مات؟
ردت
أنا معرفش.
كانت أول مرة أشوف الخوف في عينيها.
بعدها بأيام، أولادها حضروا البيت.
جاءوا ومعاهم ملف كبير.
سعد قال
إحنا جايين نبيع البيت.
خديجة قالت
البيت مش للبيع.
قال
إنتِ كبرتي ومبقتيش قادرة تديري أملاكك.
قلت
هي قالت لأ.
نوال بصتلي وقالت
إنت مالك؟
قلت
مالي إني مش هسيب حد يضغط عليها.
خرجوا بعد جدال طويل.
وفي اليوم ده، خديجة قالتلي
أنا خايفة إنهم يبيعوا البيت قبل ما تظهر الحقيقة.
سألتها
أي حقيقة؟
بصت ناحية الباب الأزرق.
وقالت
الحقيقة اللي اتدفنت هنا من عشرين سنة.
بعدها بأسبوع، تعبت جدًا.
وأنا اتصلت بالطبيب.
طلب نقلها للمستشفى.
لكن قبل ما تخرج، مسكت إيدي وقالت
آدم... لو حصل لي حاجة، خد المفتاح اللي تحت الساعة القديمة.
قلت
مفتاح إيه؟
قالت
الباب الأزرق.
سألتها
إيه اللي جواه؟
قالت
حاجة تخصك.
ما فهمتش.
بعد ساعات، توفت خديجة في المستشفى.
وفي اليوم التالي، بنتها طردتني من البيت.
خرجت وأنا فاكر إن كل حاجة انتهت.
لحد ما جارتها سلمتني الظرف.
رجعت بصيت للصورة القديمة اللي كانت جواه.
كانت صورة طفل صغير.
قلبت الصورة.
كان مكتوب خلفها
آدم... سنة 2005.
اتجمدت.
أنا كنت مولود سنة 2005.
لكن ده مش كل شيء.
المفتاح اللي في الظرف كان عليه نفس العلامة الموجودة على الباب الأزرق.
رجعت أبص للبيت.
وساعتها قررت إني لازم أعرف الحقيقة.
دخلت من باب جانبي كانت الجارة عارفة مكان مفتاحه.
وصلت للطرقة.
وقفت قدام الباب الأزرق.
دخلت المفتاح.
ودار القفل.
فتحت الباب.
الأوضة كانت مليانة ملفات قديمة وصناديق وصور.
وفي المنتصف كان فيه مكتب خشب.
فوقه ظرف كبير مكتوب عليه
إلى آدم.
فتحته.
كانت أول ورقة شهادة ميلاد قديمة.
الاسم
آدم...
وتحت الاسم اسم الأب.
ياسر خديجة السعدي.
فضلت باصص للورقة وأنا مش قادر أتكلم.
وفجأة سمعت صوت الباب الرئيسي بيتفتح.
حد دخل البيت.
وسمعت صوت سعد
فتشوا كل الأوض.
ثم جاء صوت نوال
خصوصًا الأوضة الزرقاء.
بصيت للملفات قدامي.
كان واضح إن الحقيقة اللي خديجة خبّتها عشرين سنة، ناس تانية مستعدة تعمل أي حاجة عشان تفضل مدفونة.
لكن المرة دي...
أنا مش ههرب.
مسكت أول ملف، وبدأت أقرأ.
وفي أول صفحة لقيت جملة واحدة مكتوبة بخط خديجة
ابني ياسر لم يختفِ... لكنه اختفى وهو يحاول حماية ابنه.
وفي اللحظة دي، سمعت المفتاح بيدخل في قفل الباب من الخارج.
حد كان جاي ناحيتي.
والحقيقة لسه أولها المفتاح اتحرك في القفل.
اتراجعت بسرعة، وخبيت الورق تحت الجاكيت.
الباب اتفتح.
كان سعد واقف قدامي.
بص للأوضة، وبعدين بصلي.
قال
إنت بتعمل إيه هنا؟
رديت بهدوء
بدور على حاجتي.
ضحك بسخرية.
حاجتك؟ إنت فاكر إن المكان ده ليك؟
بصيت له من غير ما أرد.
دخل مروان وراه.
كان ماسك موبايله، وفضل يصور الأوضة.
قال
ماما كانت بتخرف في آخر أيامها، وإنت استغليت ضعفها.
طلعت الورقة من جيبي.
وقلت
هي كانت بتخرف؟
أول ما سعد شاف الورقة، وشه اتغير.
مد إيده وقال
هاتها.
رجعت خطوة.
دي تخصني.
قال بعصبية
إنت متعرفش إنت ماسك إيه.
قلت
عشان كده هعرف.
في اللحظة دي، مروان قفل الباب.
لكن قبل ما يتكلم، سمعنا خبط شديد على الباب الخارجي.
صوت الجارة.
يا سعد! افتح الباب!
سعد اتوتر.
الجارة كانت واقفة بره ومعاها رجل كبير في السن.
كان محامي العيلة القديم.
دخل الرجل وقال
أنا جاي أنفذ وصية خديجة.
سعد قال
مفيش وصية.
الرجل رد
فيه.
وطلع ظرف مختوم.
وقال
وخديجة قالتلي إن الظرف ده يتفتح بعد وفاتها، وبوجود آدم.
سعد حاول ياخد الظرف.
لكن المحامي أبعده.
وقال
الوصية مسجلة.
فتح الظرف.
وأول جملة قرأها كانت
أولادي الثلاثة لا يملكون بيع البيت أو التصرف فيه قبل ظهور حقيقة اختفاء ابني ياسر.
سعد قال
ده جنون!
المحامي كمل
والبيت وما بداخله من مستندات ينتقل مؤقتًا إلى آدم، لحين انتهاء إجراءات إثبات نسبه وحقوقه.
وقعت الكلمات عليا كأنها صدمة.
قلت
إثبات نسبي؟
المحامي بصلي وقال
خديجة كانت متأكدة إنك ابن ياسر.
سألت
طب ياسر فين؟
سكت.
ثم قال
دي الحاجة الوحيدة اللي أنا معرفهاش.
سعد قال بسرعة
إحنا عارفين.
الكل بصله.
حتى هو نفسه سكت، وكأنه ندم إنه قالها.
قلت
إنت تعرف؟
مبصليش.
قال
ياسر مات.
قلت
فين؟
من عشرين سنة.
فين جثته؟
سكت.
المحامي قرب منه وقال
لو عندك دليل، قوله.
سعد فضل ساكت.
هنا فهمت إن فيه حاجة ناقصة.
خديجة كانت طول السنين دي مش بس بتحاول تعرف ابنها حصل له إيه.
كانت بتحاول تحمي حاجة تانية.
رجعت للأوضة الزرقاء.
وبدأت أفتش الملفات.
لقيت كراسة قديمة.
كل صفحة فيها تاريخ.
وفي آخر صفحة كان مكتوب
لو وصلت يا آدم للملف رقم 17، يبقى لازم تعرف إن والدك لم يمت في الحادث.
قلبي وقف لحظة.
فتشت عن الملف.
كان موجود في صندوق حديد صغير.
فتحته.
جواه صورة قديمة لياسر.
وكان واقف جنب عربية نقل.
وخلف الصورة عنوان.
عنوان في مدينة تانية.
ومكتوب تحته
آخر مكان شوهد فيه.
رفعت الصورة للمحامي.
قلت
أنا هروح العنوان ده.
قال
مش لوحدك.
بصيت له.
قال
خديجة كانت متوقعة إنك هتعمل كده.
ناولني ظرفًا صغيرًا.
وده كمان قالتلي أديهولك.
فتحته.
كان فيه مبلغ كبير من المال.
نفس أجوري عن السبع شهور.
لكن خديجة كانت كاتبة
ده مش أجرك يا آدم... ده أول حق من حقوقك.
حطيت الفلوس على المكتب.
وقلت
أنا

تم نسخ الرابط