ضحكوا على لبسها

لمحة نيوز

مكتب الاستقبال.
سارة قربت الشاشة.
وقف الفيديو هنا.
توقف التسجيل.
الشخص كان موظفًا قديمًا في الشركة.
سألت
اسمه إيه؟
الموظف أخبرها باسمه.
سارة افتكرت أنه كان موجودًا يوم الإنترفيو.
لكنها لم تتذكر السبب.
طلبت الإدارة البحث عن بياناته القديمة.
اكتشفوا أنه كان يعمل في قسم الأرشيف، وترك الشركة منذ سنوات.
آدم قال
نقدر نتواصل معاه ونسأله، لكن من غير اتهامات.
وبالفعل، تم التواصل معه.
بعد يومين، حضر إلى الشركة.
كان رجلًا في الستين من عمره.
جلس أمام سارة وقال
أنا اللي بعتلك الصورة.
سارة سألته
ليه؟
قال
عشان كنت موجود يوم الإنترفيو.
سارة سكتت.
قال
أنا شوفت اللي حصل معاكي.
ثم أخرج ظرفًا آخر.
وكنت محتفظ بحاجة من اليوم ده.
فتح الظرف.
كانت فيه ورقة قديمة.
سارة قرأتها.
كانت ملاحظات التقييم الخاصة بها.
وفي آخر الصفحة مكتوب
المتقدمة مناسبة جدًا للوظيفة، ويُوصى بإعطائها فرصة في التقييم النهائي.
سارة رفعت عينيها بدهشة.
طب ليه ما حصلش ده وقتها؟
الرجل قال
لأن القرار اتغير بعد المقابلة.
مين غيره؟
أنا مش عايز أتهم حد من غير دليل. لكن اللي حصل إن ملفك اتحط في درج جانبي، والملفات التانية كملت إجراءاتها.
سارة سألته
وإنت ليه ما اتكلمتش وقتها؟
خفض الرجل عينيه.
كنت خايف أخسر شغلي.
ساد الصمت.
ثم قالت سارة
أنا مش زعلان منك.
رفع الرجل رأسه.
بجد؟
أيوه. لأنك النهارده قررت تصلح حاجة كان ممكن تفضل مخفية للأبد.
آدم كان واقفًا في الخلف.
قال
الورقة دي مهمة، لكن مش هنستخدمها ضد حد من غير تحقيق.
وبالفعل، بدأت الإدارة مراجعة إجراءات التوظيف القديمة.
اكتشفوا أن المشكلة لم تكن في سارة وحدها.
كان هناك نظام قديم يسمح لموظف واحد بتغيير ترتيب الملفات دون تسجيل واضح.
تم إلغاء النظام فورًا.
أما الموظفة التي كانت مسؤولة عن التوظيف وقتها، فقد كانت قد تركت الشركة منذ سنوات.
وبعد المراجعة، لم تجد الإدارة دليلًا كافيًا على وجود تعمد أو مخالفة جسيمة، لذلك تم الاكتفاء بتغيير النظام وإغلاق الملف.
سارة قرأت التقرير وقالت
كده الموضوع انتهى.
آدم سألها
مش حاسة إنك كنتِ تستحقي تعرفي الحقيقة من زمان؟
ابتسمت.
أكيد. بس أنا شايفة إن الأهم إن اللي حصل معايا ما يحصلش مع حد تاني.
وبعد أيام، قررت سارة إضافة قاعدة جديدة إلى برنامج التوظيف.
كل متقدم يحصل على نتيجة واضحة، وكل قرار يتم توثيقه، وممنوع تقييم أي شخص بناءً على مظهره أو ظروفه الشخصية.
وفي نهاية اليوم، رجعت سارة لمكتبها.
فتحت الدرج.
أخرجت الجاكت القديم.
نظرت إليه وابتسمت.
ثم قالت لنفسها
لو كنت رجعت البيت يومها ومجيتش تاني، كنت هخسر فرصة كبيرة.
لكنها فهمت أن الفرق الحقيقي لم يكن أن أحدًا أنقذها.
بل أنها هي نفسها، رغم الإهانة والإحباط، قررت ألا تجعل يومًا سيئًا يحدد مستقبلها.
وفي اليوم التالي، علقت الصورة القديمة بجوار الجاكت.
وتحتها كتبت
ما تسمحش لأول حكم عليك يكون آخر حكم في حياتك.
وهكذا انتهى السر الذي بدأ يوم الإنترفيو...
لكن قصة سارة مع الشركة لم تكن قد انتهت بعد.
لأن في صباح اليوم التالي، وصلها عرض جديد...
عرض لم يكن له علاقة بالوظيفة هذه المرة.
بل بمشروع كبير يمكن أن يغيّر حياة آلاف الشباب العرض الجديد كان إنشاء برنامج تدريب مجاني للشباب في المحافظات البعيدة، يساعدهم يتعلموا مهارات العمل ويحصلوا على فرص حقيقية.
سارة قرأت التفاصيل، ثم قالت فورًا
موافقة.
بدأت المشروع من الصفر.
اختارت فريقًا صغيرًا، ووضعت نظامًا واضحًا للتدريب والتقييم، وأصرت إن كل متقدم يحصل على فرصة عادلة مهما كان شكله أو إمكانياته.
وبعد سنة، كان أكثر من ألف شاب وشابة أنهوا البرنامج.
وفي حفل التخرج، وقف ياسين أول متدرب في الأكاديمية على المسرح وقال
أنا كنت فاكر إن مشكلتي إني معنديش إمكانيات كفاية. لكن سارة علمتني إن الإمكانيات ممكن تتغير، إنما الاستسلام هو الحاجة الوحيدة اللي بتقفل الباب.
صفق الحاضرون.
سارة كانت واقفة في الخلف، وأمها بجانبها.
بعد الحفل، قالت أمها
فاكرة أول يوم؟
سارة ابتسمت
يوم الجاكت؟
أيوه.
عمري ما هنساه.
أمها قالت
وقتها كنتِ زعلانة عشان ناس ضحكوا على لبسك.
سارة ردت
دلوقتي أنا مش فاكرة ضحكهم.
فاكرة إيه؟
سارة بصت للقاعة اللي مليانة شباب ماسكين شهاداتهم.
وقالت
فاكرة إني دخلت وأنا محتاجة فرصة... وخرجت وأنا عايزة أدي الفرصة لغيري.
وفي اليوم التالي، عادت سارة إلى مكتبها.
فتحت الدرج وأخرجت الجاكت القديم.
كان متحفظًا بعناية.
لم تعد تخجل منه.
بالعكس، وضعته في صندوق زجاجي صغير داخل قاعة التدريب الجديدة.
وتحت الجاكت علقت لوحة مكتوب عليها
لا تحكم على بداية شخص، قبل أن ترى أين يمكن أن يصل.
ومن وقتها، كل شاب يدخل القاعة كان يسأل عن الجاكت.
وسارة كانت تحكي لهم القصة.
لكنها كانت دائمًا تنهيها بنفس الجملة
أنا ما نجحتش لأن الناس غيرت رأيها فيا... أنا نجحت لأني ما غيرتش رأيي في نفسي.
وهكذا انتهت رحلة سارة.
البنت اللي دخلت الشركة بملابس بسيطة، وخرجت منها وهي تحمل رسالة أكبر من مجرد وظيفة.
رسالة أثبتت إن الكفاءة مش ليها شكل معين، وإن الاحترام حق لكل إنسان، وإن الفرصة العادلة ممكن تغيّر حياة شخص بالكامل.
أما الجاكت القديم...
ففضل معلقًا في قاعة التدريب سنوات طويلة.
مش كذكرى للإهانة...
لكن كدليل على أن أبسط بداية ممكن تكون أول خطوة لأكبر نجاح.

تم نسخ الرابط