ضحكوا على لبسها
المحتويات
أول شهر، كان مستواه متوسط.
لكن مع الوقت بدأ يتطور.
كل يوم كان بيتعلم حاجة جديدة.
وبعد ثلاثة شهور، حصل موقف أثبت إن اختيار سارة له كان صحيح.
الشركة كانت بتجهز تقرير كبير، وحصل خطأ في أحد الجداول.
الموظفون حاولوا يعرفوا السبب.
ياسين لاحظ حاجة صغيرة.
قال
ممكن أشوف الملف؟
فتح البيانات.
وبعد دقائق قال
المشكلة هنا.
سارة قربت منه.
متأكد؟
أيوه. فيه رقم اتكتب بصيغة مختلفة، والبرنامج اعتبره نص مش رقم.
راجعوا كلامه.
كان صحيحًا.
سارة قالت
ممتاز.
ياسين ابتسم.
ثم قال
أنا أول مرة أحس إن حد ممكن يديني فرصة من غير ما يبص على شكلي أو هدومي.
سارة سكتت لحظة.
ثم قالت
عشان كده الأكاديمية دي اتعملت.
بعد انتهاء التدريب، حصل ياسين على وظيفة دائمة في الشركة.
لكن القصة لم تتوقف هنا.
بعد سنة، أصبح عند الأكاديمية عشرات المتدربين.
وبدأت شركات أخرى تطلب التعاون مع البرنامج.
وفي اجتماع الإدارة، قال أحد المديرين
المشروع بدأ بفكرة صغيرة، ودلوقتي بقى واحد من أهم برامج التدريب عندنا.
آدم نظر لسارة وقال
وإنتِ اللي بدأتيه.
سارة ردت
أنا بس أخدت فرصة واتعلمت منها.
ثم أضافت
والهدف إن الفرصة ما توقفش عندي.
وفي نهاية الاجتماع، صدر قرار بتوسيع الأكاديمية وفتح فروع تدريبية في محافظات مختلفة.
سارة رجعت البيت ومعاها القرار.
أمها قرأته، ثم قالت
يعني بنتي بقت مسؤولة عن تدريب ناس في محافظات؟
سارة ضحكت
شكلها كده.
أمها قالت
والجاكت؟
سارة بصت للجاكت القديم المعلق في الدولاب.
لسه موجود.
أمها ابتسمت.
خليه عندك.
ليه؟
عشان كل ما تكبري في شغلك، تفتكري إن البداية كانت بسيطة.
سارة هزت رأسها.
وفي اليوم التالي، علقت الجاكت داخل مكتبها.
مش لأنه غالي.
ولا لأنه شكله مميز.
لكن لأنه كان شاهدًا على أول يوم اتعلمت فيه إن الإنسان ممكن يبدأ من إمكانيات بسيطة جدًا...
ويصل لمكان لم يكن يتخيله.
وبعد سنوات، أصبحت سارة هي المديرة المسؤولة عن برنامج التدريب في الشركة كلها.
وفي أول حفل لتخرج المتدربين، وقفت على المسرح وقالت
يمكن ناس كتير تحكم عليك من أول نظرة. يمكن يشوفوا لبسك، بيتك، إمكانياتك، أو المكان اللي جاي منه.
ثم سكتت لحظة.
لكن أهم حاجة إنك ما تسمحش لحكمهم عليك يبقى حكمك أنت على نفسك.
صفق الحاضرون.
وكان أول واحد واقف يصفق...
ياسين.
أما آدم، فكان واقفًا في الصف الأول، يراقب المشهد بابتسامة هادئة.
لأنه كان يعرف أن اليوم الذي دخلت فيه سارة الشركة بملابس بسيطة لم يكن مجرد يوم توظيف.
كان بداية قصة نجاح غيرت حياة عشرات الأشخاص.
وفي النهاية، لم تنتصر سارة على الناس الذين سخروا منها... بل انتصرت على الفكرة نفسها أن قيمة الإنسان تُقاس بما يرتديه أو بما يملكه مرّت سنة كاملة على ترقية سارة.
كانت الأمور ماشية بشكل ممتاز، لحد ما في صباح يوم، وصل للشركة خطاب رسمي من مجلس الإدارة.
كان فيه قرار بعمل مراجعة شاملة لكل فروع الشركة.
والسبب إن الإدارة اكتشفت اختلافات كبيرة بين التقارير المرسلة من الفروع وبين البيانات الموجودة في النظام المركزي.
آدم دخل مكتب سارة وحط الملف قدامها.
عندنا مشكلة.
فتحت الملف.
اختلافات في الأرقام؟
أيوه، ومش اختلاف بسيط.
سارة بدأت تقرأ.
بعد دقائق قالت
حضرتك عايزني أراجع كل الفروع؟
أيوه.
المدة؟
شهر.
سارة بصت للملف وقالت
تمام.
بدأت المراجعة.
كل يوم كانت بتراجع تقارير فرع جديد.
وفي أحد الفروع، لاحظت إن المصروفات أعلى من الطبيعي.
لكن بدل ما تتهم الإدارة، طلبت المستندات.
جاءتها الملفات.
راجعتها ورقة ورقة.
واكتشفت إن المشكلة كانت في طريقة تسجيل المصروفات، مش في الأموال نفسها.
كتبت تقريرًا واضحًا، وطلبت تعديل النظام.
وبعدها انتقلت للفرع التالي.
لكن في الفرع الثالث، ظهر رقم مختلف تمامًا.
كان فيه مبلغ كبير مسجل في التقرير، لكن المستندات الأصلية لا تحتوي على ما يثبت العملية.
سارة اتصلت بمدير الفرع.
محتاجة المستند الأصلي.
رد
المستند موجود، هبعته لحضرتك.
انتظرت يومًا.
ثم يومين.
المستند لم يصل.
سارة أرسلت طلبًا رسميًا.
لم يصل رد.
هنا قررت تروح بنفسها.
دخلت الفرع في الصباح.
طلبت مقابلة مدير الحسابات.
قال لها
الملف عندنا، لكن محتاج وقت عشان نطلعه.
سارة ردت
خده وقتك، وأنا هستنى.
جلست في المكتب.
بعد ساعتين، جاء المدير ومعه ملف قديم.
فتحته سارة.
المستند موجود فعلًا.
لكنها لاحظت شيئًا غريبًا.
التاريخ المكتوب على الفاتورة كان قبل تاريخ افتتاح الفرع نفسه.
رفعت رأسها وقالت
ممكن أفهم إزاي الفاتورة دي اتعملت قبل افتتاح الفرع؟
المدير سكت.
ثم قال
ممكن يكون خطأ في التاريخ.
سارة قالت بهدوء
ممكن.
ثم أغلقت الملف.
عشان كده مش هنتهم حد. هنرجع للمصدر ونتأكد.
طلبت سجلات النظام.
وبعد مراجعتها، اكتشفت أن الفاتورة دخلت على النظام بعد افتتاح الفرع بأسبوعين، لكن التاريخ الموجود عليها أقدم.
كان هناك تفسير محتمل، لكن لابد من مراجعة الجهة التي أصدرت الفاتورة.
بعد ثلاثة أيام، وصل الرد.
وكانت المفاجأة أن الفاتورة صحيحة، لكن تم إدخال التاريخ القديم بالخطأ.
المبلغ نفسه كان صحيحًا.
سارة أغلقت الملف وقالت
تمام. كده نقدر نقفل الملاحظة.
مدير الفرع قال باستغراب
حضرتك كان ممكن تكتبي إن عندنا مشكلة كبيرة.
سارة ابتسمت
كان ممكن، لكن أنا مش جاية أدور على أخطاء الناس. أنا جاية أدور على الحقيقة.
وعندما عادت إلى الشركة، عرضت تقريرها على مجلس الإدارة.
كان التقرير يحتوي على كل مشكلة، وكل تفسير، وكل توصية.
وفي النهاية قالت
المراجعة مش معناها إننا نشك في بعض. معناها إننا نتأكد إن النظام بيحمي الناس والشركة مع بعض.
ساد الصمت في القاعة.
ثم قال رئيس مجلس الإدارة
أعتقد إن سارة أثبتت مرة أخرى إن اختيارها كان صحيحًا.
آدم ابتسم.
لكن قبل أن ينتهي الاجتماع، دخل موظف يحمل ظرفًا.
قال
الظرف ده وصل لسارة شخصيًا.
سارة أخذته.
فتحت الظرف.
وجدت بداخله صورة قديمة جدًا...
صورة من يوم الإنترفيو الأول.
صورة لسارة وهي واقفة أمام باب الشركة بالجاكت القديم.
وتحت الصورة جملة واحدة
فاكرة اليوم ده؟ لأن عندي حاجة لازم تعرفيها عن اللي حصل وقتها...
سارة رفعت عينيها.
ولأول مرة منذ سنوات...
لم تعرف ماذا تقول.
لأن الرسالة لم تكن موقعة باسم صاحبها بعد خمس سنين، كانت سارة واقفة في نفس الشركة، لكن المكان كله اتغير.
الأكاديمية بقت لها فروع في محافظات مختلفة، ومئات الشباب حصلوا على فرص عمل بعد التدريب.
وفي يوم، وصل لسارة خطاب رسمي من الإدارة العليا.
فتحت الخطاب، فوجدت قرار تعيينها في منصب مديرة تطوير الموارد والكفاءات.
قعدت ساكتة شوية.
ثم افتكرت أول يوم.
افتكرت نظرات الناس.
افتكرت سؤال نهى
إنتِ بجد جاية الإنترفيو باللبس ده؟
ابتسمت.
دخلت أمها عليها المكتب في ذلك اليوم، وكانت جاية تزورها.
أول ما شافت القرار، قالت
مبروك يا بنتي.
سارة قالت
فاكرة الجاكت؟
ضحكت أمها
لسه فاكرة؟
سارة فتحت درج مكتبها.
كان الجاكت القديم موجودًا بعناية.
قالت
ده مش مجرد جاكت بالنسبة لي.
عارفة.
كل ما أشوفه، أفتكر إني كنت فاكرة إن الناس هي اللي هتحدد قيمتي.
أمها قالت
وإنتِ عرفتي الحقيقة.
سارة ابتسمت
عرفت إن الواحد لازم يثبت نفسه لنفسه الأول.
وفي نفس اليوم، دخل آدم المكتب.
قال
الإدارة مستنياكي في الاجتماع.
سارة قامت.
وقبل ما تخرج، بصت للجاكت مرة أخيرة.
ثم قفلت الدرج.
في الاجتماع، كان قدامها قرار جديد
الشركة هتبدأ برنامجًا لمساعدة الشباب من الأسر محدودة الدخل على التدريب والتوظيف.
آدم قال
مين عنده خبرة أكبر في الموضوع ده؟
كل الموجودين بصوا لسارة.
ابتسمت وقالت
نبدأ.
وبعد شهور، أول دفعة من البرنامج اتخرجت.
كان بينهم شباب كانوا فاكرين إن فرصهم قليلة بسبب ظروفهم.
لكنهم وقفوا على المسرح بشهاداتهم.
سارة كانت واقفة جنبهم.
وقالت
أنا مش هقولكم إن الطريق هيكون سهل.
لكن هقولكم حاجة واحدة ما تخلوش أول شخص يقلل منكم يكتب آخر سطر في قصتكم.
صفق الجميع.
وفي آخر القاعة، كانت أم سارة جالسة وهي بتبص لبنتها بفخر.
أما الجاكت القديم، فكان محفوظًا في مكتب سارة داخل إطار بسيط.
وتحت صورته كانت هناك ورقة صغيرة مكتوب عليها
البداية كانت بسيطة... لكن الحلم كان كبير.
ومن يومها، كل موظف جديد كان يدخل الشركة، كانت سارة تحكي له قصتها.
مش عشان تقول إنها أفضل من غيرها.
لكن عشان تذكره بحاجة واحدة
المظهر ممكن يكون أول حاجة الناس تشوفها، لكن الأخلاق والكفاءة والعمل هم اللي بيخلوا الناس تفتكرك.
وهكذا انتهت قصة سارة...
البنت اللي دخلت الإنترفيو بجاكت قديم، وخرجت منه وهي لا تعرف أن ذلك اليوم سيكون بداية واحدة من أجمل قصص نجاحها سارة فضلت ماسكة الصورة وهي مش فاهمة مين اللي بعتها.
آدم لاحظ تغير ملامحها وقال
في إيه؟
حطت الصورة قدامه.
قرأ الجملة الموجودة تحتها.
سكت لحظات، ثم قال
مين ممكن يكون محتفظ بصورة من اليوم ده؟
سارة هزت رأسها
معرفش.
آدم قال
ما تقلقيش. هنطلع الحقيقة من غير ما نظلم حد.
رجعت سارة لمكتبها، وبدأت تفكر.
ثم افتكرت شيئًا.
في يوم الإنترفيو الأول، كان فيه موظف أمن واقف عند الباب.
وكان فيه كاميرا فوق المدخل.
قالت لنفسها
أكيد التسجيلات القديمة اتأرشفَت.
ذهبت لقسم تقنية المعلومات، وطلبت منهم البحث في أرشيف الكاميرات.
بعد وقت طويل، وجدوا تسجيلًا قديمًا من نفس اليوم.
بدأت سارة تشاهده.
ظهرت وهي داخلة الشركة.
ثم ظهرت وهي خارجة.
لكن قبل خروجها بدقائق، ظهر شخص يقف بالقرب من
متابعة القراءة