ضحكوا على لبسها
ضحكوا على لبسها البسيط في الإنترفيو، من غير ما يعرفوا إن الورقة اللي كانت في إيدها هتغيّر طريقة تعاملهم معاها تمامًا.
سارة محمود وقفت قدام باب الشركة الكبيرة وهي بتبص على نفسها في زجاج الباب.
جاكت بسيط، لونه هادي، وكمه متصلح بخياطة دقيقة.
أمها كانت قعدت طول الليل تصلحهولها.
قالت لها قبل ما تنزل
مش مهم الجاكت يا بنتي، المهم اللي جواه.
سارة ابتسمت، وشالت الملف من على صدرها.
ادعيلي يا أمي.
سافرت ساعتين عشان توصل القاهرة، ودفعت آخر فلوس معاها في المواصلات، وهي عارفة إن لو اتقبلت في الوظيفة دي، حياتها وحياة أسرتها ممكن تتغير.
دخلت قاعة الانتظار.
كانت فيه حوالي عشر متقدمات.
واحدة بصت لجاكتها وقالت لصاحبتها بصوت مسموع
هو الإنترفيو ولا جمعية خيرية؟
ضحكوا.
سارة سمعت، لكنها ما ردتش.
بعد دقائق، نادوا اسمها.
دخلت المكتب.
كانت مسؤولة التوظيف قاعدة ومعاها موظفة من الإدارة.
أول ما شافوها، حصلت نفس النظرات.
نهى قالت
إنتِ جاية باللبس ده؟
سارة ردت بهدوء
أيوه.
مش شايفة إن شكل الشركة محتاج مظهر مختلف؟
أنا شايفة إن الوظيفة محتاجة كفاءة، وتنظيم، والتزام.
سكتت نهى لحظة.
خبرتك إيه؟
سارة فتحت الملف.
اشتغلت أربع سنين في الإدارة والحسابات، وعندي شهادات في برامج الكمبيوتر، وعندي توصيات من مكان شغلي السابق.
بدأت اللجنة تسألها.
كانت بتجاوب على كل سؤال بهدوء.
وبعدها ادّوها ورقة فيها مجموعة حسابات لمراجعتها.
سارة مسكت القلم.
بعد دقائق، رفعت رأسها.
ممكن أسأل سؤال؟
نهى قالت بضيق
اتفضلي.
الرقم الموجود هنا ٤٨٢ ألف جنيه، صح؟
أيوه.
والرقم في الصفحة اللي بعدها ٣٠٠ ألف.
أيوه.
سارة قلبت الصفحة.
يبقى فيه فرق ١٨٢ ألف جنيه.
الموظفة ضحكت.
ده اختبار يا سارة، مش شغل حقيقي.
سارة هزت رأسها.
عارفة، بس الأرقام دي مش متوافقة.
نهى قالت
تقدري تمشي، وإحنا هنتصل بيكي لو اتقبلتي.
سارة لمّت أوراقها.
وقبل ما تخرج، قالت بهدوء
أنا مش زعلانة إنكم ما اخترتونيش. بس أتمنى لما تراجعوا الورقة، تراجعوا الرقم ده كويس.
خرجت.
وبعد أقل من دقيقة، دخل رجل إلى المكتب.
كان آدم، المدير الجديد للشركة.
قال
خلصتوا المقابلات؟
نهى ردت
تقريبًا.
آدم أخذ ورقة الاختبار بالصدفة.
بدأ يقرأ.
وبعد لحظات، رفع عينيه.
مين اللي حل الورقة دي؟
نهى قالت
سارة محمود.
هي مشت؟
أيوه.
آدم رجع للورقة.
قالت إيه عن الحسابات؟
نهى ترددت.
قالت إن فيه فرق ١٨٢ ألف.
آدم سكت.
وبعدين فتح ملف الحسابات الحقيقي الموجود على مكتبه.
قارن الأرقام.
وجهه اتغير.
الفرق كان موجود فعلًا.
لكن المفاجأة إن الرقم نفسه كان موجود في مستندات الشركة من فترة، ومحدش انتبه له.
آدم قال
اتصلوا بيها.
نهى سألت
عشان نرجعها للإنترفيو؟
لأ.
أمال؟
آدم قفل الملف وقال
عشان تبدأ تقييم جديد، قدام لجنة كاملة.
وفي اليوم التالي، رجعت سارة للشركة.
لكن المرة دي دخلت من الباب وهي لابسة نفس الجاكت.
نهى بصت لها، ثم بصت للجاكت.
لكنها ما علقتش.
دخلت سارة غرفة التقييم.
كان قدامها مجموعة ملفات وأرقام ومواعيد وتقارير.
قال آدم
عندك ساعة.
سارة ابتسمت.
حاضر.
بدأت تشتغل.
وبعد أقل من ساعة، كانت رتبت الملفات، واكتشفت ثلاث أخطاء في البيانات، وحددت طريقة لتقليل وقت أرشفة المستندات.
آدم بص للنتيجة، ثم قال للجنة
أعتقد إننا لقينا الشخص اللي بندور عليه.
سارة ما ابتسمتش ابتسامة انتصار.
كل اللي قالته
أنا كنت محتاجة فرصة بس.
آدم رد
وإنتِ أخدتيها لأنك تستحقيها، مش عشان لبسك ولا ظروفك.
وفي نفس اليوم، صدر قرار تعيينها.
لكن أول يوم شغل ليها كان فيه مفاجأة أكبر
لأن سارة اكتشفت إن الخطأ اللي قدرّت تلاحظه في الإنترفيو لم يكن الخطأ الوحيد في الشركة في أول أسبوع ليها في الشركة، سارة كانت بتحاول تثبت لنفسها قبل أي حد إنها تستحق المكان ده.
كانت بتوصل بدري، ترتب الملفات، وتسجل كل ملاحظة في دفتر صغير معاها.
وفي اليوم الرابع، وهي بتراجع كشف المصروفات، وقفت فجأة.
نفس الرقم اللي شافته في اختبار الإنترفيو ظهر قدامها مرة تانية.
لكن المرة دي كان مربوط بفاتورة مختلفة.
فتحت الفاتورة الأصلية.
ثم فتحت سجل التحويلات.
وبدأت تقارن.
بعد حوالي نصف ساعة، كتبت ثلاث ملاحظات في دفترها.
وبعدين راحت لمكتب آدم.
خبطت على الباب.
ادخل.
قالت
أستاذ آدم، ممكن أبص مع حضرتك على ملف المصروفات ده؟
أخد الملف منها.
فيه إيه؟
مش متأكدة، وعشان كده مش عايزة أتهم حد بحاجة.
آدم بص لها باهتمام.
قولي اللي لاحظتيه.
فيه مبالغ متكررة بنفس التاريخ تقريبًا، لكن متسجلة تحت بنود مختلفة. ممكن يكون فيه تفسير طبيعي، بس محتاجة مراجعة المستندات الأصلية.
آدم قفل الملف.
تصرفك صح. ما نحكمش قبل ما نتأكد.
وبالفعل، طلب مراجعة الملفات رسميًا.
مرت يومين.
وفي اليوم الثالث، ظهرت النتيجة.
كان فيه خطأ إداري كبير تسبب في تسجيل بعض المصروفات بشكل مزدوج.
المبلغ لم يكن ١٨٢ ألف جنيه فقط.
بعد المراجعة، اتضح إن إجمالي الأخطاء خلال عدة أشهر وصل إلى مبلغ أكبر بكثير.
لكن الأهم إن سارة اكتشفت إن سبب المشكلة لم يكن شخصًا واحدًا.
كان نظام حفظ الملفات نفسه فوضويًا.
آدم جمع الموظفين وقال
من النهارده، أي مستند مالي لازم يتراجع ويتسجل إلكترونيًا وورقيًا، ومفيش ملف يخرج من الإدارة من غير تسجيل.
ثم بص لسارة.
وإنتِ هتشاركي في تنظيم النظام الجديد.
سارة اتفاجئت.
أنا؟
أيوه. لأنك أول واحدة لاحظت المشكلة.
واحدة من الموظفات قالت
بس هي لسه جديدة.
آدم رد بهدوء
الجديدة ممكن تشوف حاجة اللي اتعودوا عليها بقالهم سنين مبقوش شايفينها.
سارة بدأت شغلها.
وخلال أسبوعين، رتبت مئات الملفات.
وفي يوم، وهي بتفتح دولاب قديم في المخزن، لقت صندوق مكتوب عليه
مستندات قديمة لا يتم التخلص منها.
فتحت الصندوق.
كان مليان عقود وفواتير من سنين.
لكن وسط الورق، لقت ظرف بني عليه اسم الشركة وتاريخ قديم.
فتحته.
جوا الظرف كان فيه مستند واحد فقط.
سارة قرأته مرة.
ثم مرة تانية.
وجهها اتغير.
قفلت الظرف بسرعة، وأخذته وراحت لمكتب آدم.
قالت
أستاذ آدم... أنا لقيت حاجة في المخزن.
فتح الظرف.
قرأ المستند.
سكت فترة طويلة.
ثم رفع عينيه لسارة وقال
المستند ده كان المفروض يكون في الأرشيف الرئيسي من سبع سنين.
سارة سألت
هو مهم للدرجة دي؟
آدم رد
أهم مما تتخيلي.
ثم أضاف
واللي أخفاه مش هيقدر يتجاهل ظهوره دلوقتي.
سارة بصت له باستغراب.
حضرتك عرفت مين أخفاه؟
آدم هز رأسه.
لسه.
ثم حط المستند داخل ملف جديد وقال
لكن عندي طريقة نعرف بيها.
وفي صباح اليوم التالي، وصل قرار مفاجئ لكل أقسام الشركة...
مراجعة شاملة لكل الملفات القديمة.
والسبب الحقيقي للمراجعة كان موجودًا داخل الظرف البني.
لكن سارة لم تكن تعرف أن فتحها للصندوق القديم سيجعلها تدخل في أهم تحقيق إداري شهدته الشركة منذ سنوات بدأت المراجعة الشاملة من أول يوم.
كل قسم طلبوا منه يسلّم الملفات القديمة، وكل موظف بقى مسؤول عن المستندات اللي كانت تحت إيده.
سارة كانت قاعدة في غرفة الأرشيف، قدامها أكوام من الملفات.
وفجأة دخلت نهى، نفس المسؤولة اللي سخرت من لبسها يوم الإنترفيو.
قالت
آدم طلب منك تراجعي الملفات دي كلها؟
أيوه.
إنتِ لسه جديدة. مش شايفة إن الموضوع أكبر منك؟
سارة رفعت عينيها وقالت بهدوء
أنا بعمل المطلوب مني بس.
نهى سكتت وخرجت.
بعدها بساعتين، سارة لقت ملف ناقص.
كان فيه رقم الملف في السجل، لكن الملف نفسه مش موجود.
راجعت سجل الاستلام.
اكتشفت إن الملف خرج من الأرشيف من ست سنين، ومحدش سجّل إنه رجع.
كتبت المعلومة في دفترها.
وفي المساء، راحت لآدم.
لقيت ملف ناقص.
آدم سأل
رقمه؟
قالت الرقم.
سكت آدم لحظة.
ثم فتح الكمبيوتر بسرعة.
الملف ده مرتبط بنفس السنة اللي موجود فيها المستند اللي لقيتيه.
سارة قالت
يعني المستند والملف لهم علاقة؟
غالبًا.
فتح آدم سجلات الشركة القديمة، وبدأ يراجع أسماء الموظفين اللي كان عندهم صلاحية الوصول للملف.
ظهر قدامه اسم واحد.
ثم توقف.
سارة سألت
مين؟
آدم قال
مش هقولك الاسم قبل ما أتأكد.
صح.
وبالفعل، في اليوم التالي طلب آدم من الإدارة تراجع سجل الدخول الإلكتروني القديم.
النتيجة كانت مفاجئة.
الشخص اللي فتح الملف قبل اختفائه لم يكن موظفًا عاديًا.
كان مديرًا سابقًا في الشركة.
لكن المشكلة إن المدير ده ترك الشركة من سنوات.
آدم قال
لازم نعرف الملف راح فين، من غير ما نظلم حد.
بدأ البحث.
وبعد ساعات، اكتشفوا إن نسخة من الملف موجودة في مخزن خارجي تابع للشركة.
ذهب آدم مع اثنين من الموظفين، وكانت سارة معهم لأنها هي التي اكتشفت الخيط الأول.
فتحوا المخزن.
كان مليان صناديق قديمة.
وبعد بحث طويل، وجدوا الصندوق المطلوب.
فتحوه.
الملف كان موجودًا فعلًا.
لكن المفاجأة لم تكن في وجوده.
كانت في الورقة الموجودة بداخله.
ورقة تثبت أن الشركة دفعت مبلغًا كبيرًا منذ سنوات مقابل مشروع لم يتم تنفيذه بالكامل.
سارة قالت
يعني الشركة دفعت فلوس على حاجة ما اتعملتش؟
آدم رد
محتاجين نراجع العقد والتقارير قبل ما نقول كده.
بدأوا يراجعون كل شيء.
وبعد يومين ظهرت الحقيقة.
المشروع اتنفذ فعلًا، لكن جزءًا من الأعمال تم تسجيله بطريقة خاطئة، والسبب كان خطأ إداري قديم وليس سرقة كما ظن البعض.
آدم جمع الإدارة وقال
الموضوع كان ممكن يتحول لاتهام ناس ظلم، لو اعتمدنا