دخل المطعم لرودى خالد

لمحة نيوز

الحقيقي لم يكن للمدير وحده.
كان اختبارًا للمكان كله.
ومن يومها، أصبح شعار المطعم
قبل ما نسألك هتطلب إيه بنقولك أهلًا بيك.
وبعد أشهر، لم يعد الناس يتحدثون عن أغلى طبق في المطعم.
بل عن شيء أهم
إن أي شخص، مهما كان شكله أو ملابسه أو إمكانياته، كان يدخل من الباب وهو مطمئن أن كرامته محفوظة بعد أسبوع، سامح رجع للمطعم مرة تانية.
المرة دي من غير تنكر.
دخل من الباب الرئيسي، فاستقبله العاملون باحترام.
لكن أول ما دخل، لاحظ حاجة غريبة.
كل شيء كان مرتبًا، والموظفين بيتعاملوا مع الزباين بهدوء، لكن حازم، عامل المطبخ، كان واقف بعيد وشكله قلق.
سامح قرب منه وقال
مالك يا حازم؟
حازم سكت لحظات، ثم قال
ممكن أتكلم مع حضرتك في حاجة؟
اتكلم.
بص حازم حواليه، وبعدين أخرج ورقة مطوية من جيبه.
دي لقيتها في مكتب المدير القديم.
سامح فتح الورقة.
كانت قائمة مكتوب فيها أسماء زباين.
جنب كل اسم ملاحظات عن شكل الشخص وملابسه وطريقة دخوله للمطعم.
سامح قرأ أول سطر.
ثم الثاني.
ثم رفع عينه.
هو كان بيسجل الناس؟
حازم هز رأسه.
أيوه.
سامح قلب الورقة.
في آخر الصفحة كان مكتوب
العملاء غير المناسبين للمكان.
سامح اتضايق جدًا.
مين سمح له يعمل الكلام ده؟
حازم قال
مش عارف.
سامح وضع الورقة على المكتب.
هنفهم.
وفي نفس اللحظة، دخلت موظفة الاستقبال القديمة.
وقفت أمام سامح وقالت
أنا لازم أقول لحضرتك حاجة.
اتفضلي.
قالت
أكرم كان بيطلب مننا نعامل الناس حسب شكلهم. وكان دايمًا يقول إن المطعم لازم يحافظ على صورته.
سامح سألها
وإنتِ ليه ما اعترضتيش؟
نزلت عينيها وقالت
كنت خايفة أخسر شغلي.
سامح سكت قليلًا، ثم قال
الخوف مفهوم لكن من النهارده محدش هيخاف يقول الحقيقة.
ثم جمع العاملين كلهم.
وقف أمامهم وقال
أنا مش عايز أسمع كلام حلو عن المطعم. أنا عايز أعرف الحقيقة.
سكت الجميع.
فقال
أي حد عنده شكوى، أو شاف مخالفة، أو اتعرض لظلم يتكلم.
في البداية محدش رد.
ثم رفع حازم إيده.
عندي حاجة تانية.
قول.
قال حازم
في مخزن قديم تحت المطعم، فيه صناديق أكل بتترمي كل يوم، رغم إنها صالحة للاستخدام.
سامح اتفاجئ.
بتترمي ليه؟
المدير القديم كان بيقول إن توزيعها على المحتاجين مش من اختصاصنا.
سامح قام فورًا.
وريني المخزن.
نزلوا مع بعض.
فتح حازم الباب.
سامح دخل.
كانت هناك كراتين كثيرة من الطعام.
بعضها مغلق تمامًا.
بص سامح للتواريخ.
معظمها صالح.
قال
مين كان بياخد القرار ده؟
حازم رد
المدير.
سامح سأل
وليه محدش قال لي؟
حازم قال
لأننا كنا فاكرين إن ده نظام الشركة.
سامح سكت.
ثم قال
الشركة عمرها ما أصدرت قرار زي ده.
رفع هاتفه واتصل بالإدارة.
عايز مراجعة كل الفروع فورًا.
ثم التفت إلى حازم.
والأكل ده مش هيروح الزبالة.
في نفس اليوم، أصدر سامح قرارًا جديدًا.
أي طعام صالح للاستهلاك ولا يمكن تقديمه للزبائن، يتم فرزه وفق قواعد السلامة الغذائية، وما يصلح للتبرع يتم تسليمه إلى جمعية محلية موثوقة.
كما وضع نظامًا جديدًا للشكاوى، بحيث يستطيع العامل أو الزبون تقديم شكوى من غير ما تعدي على المدير نفسه.
وفي المساء، وصلت رسالة إلى هاتف سامح.
رسالة قصيرة جدًا
أكرم مش المسؤول الوحيد.
سامح قرأها مرتين.
ثم وصلت رسالة ثانية
لو عايز تعرف الحقيقة كاملة افتح الدرج الثالث في مكتبه.
سامح رجع للمطعم في نفس الليلة.
دخل مكتب المدير القديم.
فتح الدرج الأول.
ملفات.
الثاني.
فواتير.
وصل للثالث.
كان مقفولًا بمفتاح.
حازم قال
أنا عمري ما شفته بيفتحه.
سامح أخرج المفتاح الاحتياطي من الإدارة.
فتح الدرج.
لكن اللي وجده داخله لم يكن أموالًا
ولا مستندات سرية.
كان هناك دفتر أسود صغير.
فتح سامح أول صفحة.
وكان مكتوبًا بخط أكرم
أسماء الأشخاص الذين يجب أن نعاملهم بشكل خاص.
قلب الصفحة.
فوجد أسماء.
لكن المفاجأة أن بعض الأسماء لم تكن لزبائن.
كانت لأشخاص من داخل الشركة نفسها.
سامح بدأ يقرأ
وفجأة توقف.
لأن اسمًا يعرفه جيدًا كان موجودًا في منتصف القائمة.
اسم الشخص الذي كان مسؤولًا عن متابعة هذا الفرع من الإدارة.
سامح رفع رأسه وقال
واضح إن الحكاية لسه ما خلصتش.
وفي اللحظة دي، رن هاتفه.
كان المتصل من الإدارة المركزية.
قال له صوت مرتبك
أستاذ سامح لازم حضرتك تيجي الشركة فورًا.
ليه؟
جاءه الرد
اكتشفنا حاجة في حسابات الفرع والحاجة دي ممكن تغيّر كل اللي حضرتك فاكره عن الموضوع بعد أسبوع، سامح كان في مكتبه لما دخل عليه حازم.
قال
أستاذ سامح، في حاجة لازم تشوفها.
سامح رفع عينه.
إيه؟
حازم حط قدامه ملفًا.
ده وصل النهارده.
سامح فتح الملف.
جواه صور وتقارير عن فروع الشركة كلها.
وفي آخر صفحة، كان فيه جدول بأسماء الموظفين اللي قدموا شكاوى خلال السنوات الماضية.
سامح بدأ يقرأ.
فجأة توقف.
اسم واحد اتكرر عشرات المرات.
نفس الموظف.
كان بيقدم شكاوى عن أخطاء في الحسابات، وسوء معاملة بعض الزبائن، ومشاكل في المخازن.
سامح سأل
الموظف ده فين دلوقتي؟
حازم قال
ساب الشركة من سنتين.
ليه؟
قالوا إنه كان بيسبب مشاكل بكثرة الشكاوى.
سامح سكت.
طلب ملف الموظف.
بعد دقائق، وصل الملف.
فتح سامح أول صفحة.
ثم الثانية.
ثم الثالثة.
وفي النهاية قال
اتصلوا بيه.
بعد ساعات، جاء الرجل إلى الشركة.
وأول ما دخل المكتب، سامح عرفه.
كان نفس الرجل الكبير الذي ترك له الورقة في المطعم.
سامح قال بدهشة
حضرتك؟
الرجل ابتسم.
أيوه.
سامح سأله
إنت كنت بتختبرني؟
الرجل هز رأسه.
مش بالمعنى اللي حضرتك فاكره.
ثم جلس وقال
أنا كنت موظف حسابات في الشركة من زمان.
سامح نظر إليه باهتمام.
وليه سبت الشغل؟
قال الرجل
لأني كل ما كنت أتكلم عن خطأ، كانوا يقولوا إني بعقد الأمور.
وأخرج من حقيبته ملفًا قديمًا.
احتفظت بنسخ من المستندات اللي كنت براجعها.
فتح سامح الملف.
كانت فيه ملاحظات دقيقة جدًا على أخطاء قديمة.
الرجل قال
أنا مش جاي أتهم حد.
أمال جاي ليه؟
عشان أقول لك إن اللي حصل في فرعك الأخير مش مشكلة شخص واحد.
سامح سكت.
الرجل أكمل
لما المؤسسة تكبر، الغلط الصغير لو محدش راجعه، ممكن يتحول لنظام.
سامح بص إلى الملفات.
وكانت الجملة دي أهم من كل الأوراق.
قال له
لو كنت مكانك، كنت هتعمل إيه؟
الرجل رد
أبدأ من الصفر.
وبالفعل، سامح لم يكتفِ بتغيير المديرين.
قرر مراجعة كل الإجراءات من البداية.
طلب من الموظفين أنفسهم اقتراح حلول للمشاكل اليومية.
وفتح بابًا للشكاوى الداخلية.
كما جعل تقييم المدير لا يعتمد على الأرباح فقط، بل على جودة الخدمة، وسلامة الحسابات، واحترام العاملين والزبائن.
وبعد عدة أشهر، بدأت النتائج تظهر.
الأخطاء قلت.
الشكاوى انخفضت.
والموظفون أصبحوا يتكلمون من غير خوف.
وفي يوم افتتاح فرع جديد، وقف سامح أمام العاملين.
قال
أنا كنت فاكر إن صاحب المكان لازم يكون أقوى شخص فيه.
ثم ابتسم.
لكن اتعلمت إن صاحب المكان الحقيقي هو اللي يسمع الناس اللي شغالين معاه.
وبينما كان الجميع يصفق، اقترب منه حازم وقال
أستاذ سامح، عندي اقتراح.
قول.
ليه ما نعملش صندوق وجبات يومي للعمال المحتاجين، من غير ما حد يعرف مين أخدها؟
سامح ابتسم.
فكرة ممتازة.
ومن اليوم التالي بدأ المشروع.
كل عامل يحتاج وجبة إضافية لأسرته كان يستطيع طلبها بسرية، من غير أسئلة محرجة ولا إثباتات معقدة.
أما الرجل الكبير، فلم يعد يعمل في الشركة.
لكنه أصبح مستشارًا متطوعًا يزور الفروع من وقت لآخر ويكتب ملاحظاته.
وفي آخر زيارة له، وقف أمام سامح وقال
فاكر أول مرة دخلت المطعم بهدومك القديمة؟
ضحك سامح
مش هنساها.
قال الرجل
يومها كنت بتختبر المطعم.
ثم ابتسم وأضاف
لكن الحقيقة إن المطعم هو اللي اختبرك.
سامح نظر إلى لافتة المطعم.
وتذكر كل ما حدث.
ثم قال
وأعتقد إن الاختبار لسه مستمر.
الرجل رد
طول ما الإنسان بيتعلم من غلطه يقدر يفضل واقف.
ومشى.
أما سامح، فدخل المطعم كعادته.
لكن المرة دي لم يراقب أحدًا.
جلس بين الزبائن، وطلب وجبة عادية.
وكان سعيدًا بشيء واحد فقط
إن الناس أصبحت تدخل المكان وهي مطمئنة
مش بسبب سعر الأكل.
لكن بسبب احترام الإنسان بعد مرور شهر، كان سامح فاكر إن المشكلة انتهت.
الفرع اتغير تمامًا.
العاملون بقوا بيتعاملوا مع كل زبون باحترام، والشكاوى قلت، والحسابات اتراجعت بدقة.
لكن في صباح يوم هادئ، وصل لسامح ظرف من غير اسم.
فتحه.
جواه صورة من فاتورة قديمة.
سامح بص للفواتير، ثم اتجمد.
الفاتورة كانت من فرع تاني تابع له.
وعليها نفس الطريقة القديمة في تسجيل المصروفات.
اتصل فورًا بالمحاسب.
الفاتورة دي حقيقية؟
المحاسب راجع الرقم وقال
أيوه.
والمبلغ اتدفع؟
حسب النظام أيوه.
سامح سكت لحظة.
مين وافق عليه؟
المحاسب بدأ يبحث.
ثم قال
المدير المسؤول عن الفرع.
سامح قال
راجعوا الملف كله.
بعد ساعات، اكتشفوا أن المشكلة لم تكن في فرع واحد.
كان هناك أسلوب متكرر في تسجيل بعض المصروفات بطريقة غير واضحة.
سامح لم يتهم أحدًا مباشرة.
قال
أنا مش عايز استنتاجات. عايز مستندات.
بدأت المراجعة.
وفي اليوم التالي، ظهر اسم جديد.
موظف حسابات كان يعمل في الشركة منذ سنوات.
تم استدعاؤه.
سامح سأله
ليه المصروفات دي اتسجلت بالطريقة دي؟
الموظف رد
دي كانت تعليمات قديمة.
تعليمات مين؟
سكت.
سامح قال
لو مش فاكر، هنرجع للمستندات.
وبالفعل، رجعوا للأرشيف.
بعد ساعات طويلة، وجدوا أصل التعليمات.
لم تكن موقعة من أكرم.
ولا من المدير الحالي.
بل كانت صادرة قبل سنوات، وقت ما الشركة كانت صغيرة.
سامح قرأها بهدوء.
ثم اكتشف شيئًا مهمًا
التعليمات نفسها لم تكن مخالفة، لكن بعض المديرين بعد ذلك بدأوا يستخدمونها بطريقة غير صحيحة لتسجيل مصروفات لم تكن واضحة.
يعني المشكلة لم تكن في النظام وحده
بل في غياب المراجعة.
سامح جمع مجلس الإدارة وقال
أنا غلطت في حاجة.
الجميع نظر إليه.
ركزنا سنين على زيادة عدد الفروع والمبيعات، لكننا ما كناش بندقق بالشكل الكافي في التفاصيل الصغيرة.
ثم أضاف
والنهارده هنعالج ده.
قرر إنشاء إدارة مستقلة للمراجعة والشكاوى، لا تتبع مديري الفروع مباشرة.
كما قرر أن أي عامل يستطيع إرسال ملاحظة للإدارة من غير ما يخاف على وظيفته.
وفي نهاية الاجتماع، وصلته رسالة من حازم.
كانت قصيرة
أستاذ سامح،
تم نسخ الرابط