دخل المطعم لرودى خالد
دخل المطعم بهدوم قديمة ريحتها تراب، جاكيت مهري من عند الكوع، وبنطلون باين عليه إنه عاش سنين طويلة، وجزمة مقطوعة من جنبها.
أول ما دخل، الهمس بدأ بين الزباين.
موظفة الاستقبال بصت له من فوق لتحت وقالت بسخرية
حضرتك متأكد إنك داخل المكان الصح؟
رد الراجل بهدوء
أيوه، أنا جاي أتعشى.
مدير المطعم، أكرم، سمع الكلام وقرب منه.
بص له لحظات، وبعدها قال ببرود
اتفضل اقعد.
ومشّاه لحد أسوأ ترابيزة في المطعم، جنب باب المطبخ، بعيد عن باقي الزباين.
حط المنيو قدامه وقال
دي المتاحة.
وبابتسامة ساخرة أضاف
ولو عايز نصيحة، عندنا شوربة سادة سعرها مناسب للناس اللي زي حضرتك.
بعض الزباين ضحكوا.
لكن الراجل ما ردش.
فتح المنيو بهدوء، وبدأ يقلب الصفحات واحدة واحدة.
لحد ما وصل لآخر صفحة.
وأشار إلى أغلى طبق في المطعم.
عايز ال Eye.
المدير رفع حاجبه.
ال Eye؟
أيوه.
تسوية إيه؟
وسط.
المدير ضحك.
حضرتك عارف الطبق ده بكام؟
رفع الراجل عينه من المنيو وقال
كام؟
عشرة آلاف جنيه.
سكت الراجل ثواني، ثم قال
بعرف أقرأ كويس.
المدير ضحك بصوت أعلى.
تمام يا حاج بس لما تيجي تدفع ما تقولش إننا ما نبهناكش.
ومشى.
لكن الراجل ظل جالسًا بهدوء.
كان اسمه سامح الشهاوي.
وصاحب المطعم نفسه.
بل صاحب سلسلة المطاعم كلها.
ومنذ أسبوع، بدأ يسمع شكاوى غريبة عن الفرع ده.
عامل مطبخ قال إن المدير بيهين العمال.
موظفة قالت إن الزبائن اللي شكلهم بسيط بيتحطوا في أماكن سيئة.
وزبون كتب شكوى إن أكرم طرده لأنه كان لابس هدوم شغل.
سامح كان ممكن يبعت لجنة تفتيش.
لكنه قرر يعمل حاجة مختلفة.
دخل بنفسه متخفي.
وكان عايز يشوف الحقيقة من غير ما حد يعرفه.
بعد دقائق، وصلت اللحمة.
وضعها النادل أمامه، ثم وقف بجانبه وقال
حاجة تانية يا حاج؟
سامح هز رأسه.
لأ، شكرًا.
وقطع أول قطعة.
في اللحظة دي، دخل رجل كبير في السن المطعم.
كان لابس جلابية بسيطة، وفي إيده كيس أدوية.
اتجه ناحية الاستقبال وقال
لو سمحت، أنا كنت حجزت ترابيزة لثلاثة أشخاص.
أكرم بص له باحتقار.
الحجز باسم مين؟
قال الرجل اسمه.
راجع أكرم القائمة، ثم قال
مفيش حجز بالاسم ده.
الرجل ارتبك.
بس أنا اتصلت امبارح.
يبقى اتصلت بمكان تاني.
ممكن أتأكد مرة تانية؟
أكرم أشار ناحية الباب.
يا حاج، المطعم كامل. شوف لك مكان تاني.
سامح كان بيراقب.
وفجأة لاحظ حاجة.
الرجل الكبير كان ماسك إيصالًا قديمًا.
فناداه
لو سمحت.
الرجل قرب.
سامح أخذ الإيصال وبص عليه.
كان عليه ختم المطعم وتاريخ الحجز.
رفع سامح عينه ناحية أكرم.
الحجز موجود.
أكرم اتوتر.
ممكن يكون حصل خطأ من الموظفين.
سامح سأله
ولو حصل خطأ، نطرد الزبون؟
سكت أكرم.
لكن قبل ما يرد، وقع شيء من جيب الرجل الكبير.
كانت روشتة علاج.
انحنى سامح والتقطها ووضعها على الطاولة.
الرجل قال
معلش يا ابني.
ابتسم سامح
ولا يهمك.
ثم رجع بص لأكرم.
أنا عندي سؤال.
اتفضل.
لو الزبون ده ما كانش معاه فلوس كتير يبقى من حقنا نعامله بالشكل ده؟
أكرم حاول يضحك.
يا أستاذ، حضرتك مكبر الموضوع.
سامح رد
بالعكس. أنا شايف إن الموضوع أكبر مما تتخيل.
في اللحظة دي، خرج أحد عمال المطبخ من الداخل.
وكان واضح عليه الخوف.
سامح سأله
اسمك إيه؟
حازم.
بقالك قد إيه هنا؟
سنتين.
والمدير بيعامل الناس إزاي؟
أكرم صرخ
إنت مالك بالعمال؟!
سكت المكان كله.
سامح وضع الشوكة على الطبق.
ثم قال بهدوء
أنا مالي؟
وقف من مكانه.
أخرج هاتفه.
فتح صورة على الشاشة.
كانت صورة قديمة لواجهة المطعم.
وقال
لأن المطعم ده ملكي.
المدير اتجمد مكانه.
والنادل فتح عينيه من الصدمة.
موظفة الاستقبال وضعت يدها على فمها.
سامح أكمل
وأنا سامح الشهاوي.
ماحدش اتكلم.
أكرم بدأ يتلعثم
أستاذ سامح والله أنا ما كنتش أعرف حضرتك.
سامح رد فورًا
ودي المشكلة.
وأشار إلى هدومه.
لو كنت عرفتني من أول لحظة، كنت هتغير أسلوبك.
ثم أشار إلى الرجل الكبير.
لكن ده زبون، سواء معاه عشرة آلاف أو مية جنيه.
وأكمل
العامل اللي بيشتغل هنا، سواء مدير أو عامل نظافة، له كرامته.
ثم التفت إلى أكرم.
أنا كنت داخل النهارده عشان أختبر الخدمة.
سكت لحظة.
لكنك اختبرت نفسك.
أكرم حاول يبرر
أنا كنت بحافظ على مستوى المكان
قاطعه سامح
مستوى المكان مش بيتحدد بلبس الناس.
ثم فتح هاتفه مرة أخرى.
وصلني فيديو من أسبوع لزبون تم طرده من هنا بنفس الطريقة.
أكرم تغير وجهه.
سامح قال
وكنت فاكر إن الفيديو حادثة واحدة.
ثم نظر حوله.
لكن خلال ساعة واحدة شفت بعيني أكتر من موقف.
وأخذ نفسًا عميقًا.
القرار من النهارده أكرم مش هيكون مدير الفرع.
المدير اتصدم.
لكن سامح لم يكتفِ بذلك.
التفت إلى العمال وقال
ومش هعيّن مدير جديد من المكتب.
الأسبوع الجاي هنعمل تقييم كامل للفرع، واللي يثبت إنه بيحترم الناس وبيشتغل بأمانة، هيتقدم.
ثم نظر إلى موظفة الاستقبال التي كانت أول من سخر منه.
وقال
والاحترام مش رفاهية.
سكت الجميع.
بعدها رجع سامح إلى ترابيزته.
بص إلى الطبق الغالي أمامه.
ثم نادى النادل.
الحساب كام؟
النادل قال بتوتر
عشرة آلاف جنيه.
سامح ابتسم.
تمام.
ثم أضاف
وعايز فاتورة للراجل الكبير اللي كان داخل يحجز.
الرجل الكبير اعترض
لا يا ابني، أنا هدفع حسابي.
سامح قال
أكيد هتدفع حسابك بس النهارده أنت ضيفي.
ابتسم الرجل لأول مرة منذ دخوله.
وفي آخر اليوم، خرج سامح من المطعم بنفس الجاكيت المهري والجزمة القديمة.
لكن قبل ما يركب عربيته، وقف لحظة وبص إلى لافتة المطعم.
وقال لنفسه
الفلوس ممكن تعمل مطعم كبير لكن الاحترام هو اللي يخليه يستمر.
وفي اليوم التالي، اتعلقت لافتة جديدة داخل الفرع
هنا لا يُقاس الزبون بملابسه، ولا العامل بمنصبه الكل يُعامل باحترام.
ومن يومها، بقى الفرع معروف بحاجة مختلفة تمامًا.
مش بأغلى طبق.
ولا بأفخم ديكور.
لكن لأن أي شخص كان يدخل من الباب
كان بيخرج وهو حاسس إن كرامته محفوظة وصل سامح إلى الشركة في أقل من ساعة.
دخل مكتب الإدارة، فوجد المحاسب الرئيسي ومدير الحسابات ومسؤول المتابعة قاعدين أمام شاشة كبيرة.
أول ما شافوه، وقفوا.
سامح قال
إيه اللي اكتشفتوه؟
المحاسب فتح ملفًا على الكمبيوتر.
راجعنا حسابات الفرع خلال آخر ثمانية شهور.
والنتيجة؟
المحاسب أخذ نفسًا عميقًا.
فيه مبالغ اتسجلت كمصروفات، لكن مفيش مستندات تثبت إنها اتدفعت فعلًا.
سامح سأل
المبلغ كام؟
المحاسب قال الرقم.
سامح سكت.
كان مبلغًا كبيرًا جدًا.
ثم سأل
مين كان بيعتمد المصروفات؟
المحاسب أشار إلى اسم في الشاشة.
أكرم لكن في توقيعات إلكترونية لشخص تاني.
سامح قرب من الشاشة.
وهنا ظهرت المفاجأة.
التوقيع الإلكتروني كان لمسؤول المتابعة نفسه.
الرجل الذي كان يجلس أمامه الآن.
سامح بص له.
عايز تفسير.
الرجل بدأ يتوتر.
أستاذ سامح، أنا كنت بمضي بناءً على التقارير اللي كانت بتوصلني من الفرع.
من مين؟
من أكرم.
سامح سأله
يعني كنت بتعتمد كل حاجة من غير ما تراجع؟
كان عندي ضغط شغل كبير
سامح قاطعه
الضغط مش مبرر إنك توقع على فلوس الشركة من غير مراجعة.
ثم طلب من المحاسب
هات كل الفواتير.
بدأت الملفات تظهر واحدة وراء الأخرى.
وبعد ساعات من المراجعة، اتضح أن جزءًا كبيرًا من المصروفات كان حقيقيًا، لكن طريقة تسجيلها كانت مخالفة.
أما المبلغ الأكبر، فكان مرتبطًا بعقود خدمات لم تُنفذ بالكامل.
سامح سأل
مين وقع العقود؟
ظهر اسم أكرم.
لكن بجانبه ظهر اسم آخر.
نفس مسؤول المتابعة.
سامح اتنهد.
يبقى الموضوع مش مدير فرع لوحده.
الرجل حاول الدفاع عن نفسه
أنا ما سرقتش جنيه واحد.
سامح رد
وأنا ما اتهمتكش بالسرقة.
ثم أشار إلى الأوراق.
لكن الإهمال في فلوس الشركة مسؤولية برضه.
بعدها قرر سامح تشكيل لجنة مراجعة مستقلة لكل العقود.
وفي اليوم التالي، استدعى أكرم.
دخل أكرم المكتب وهو مرتبك.
سامح وضع الدفتر الأسود أمامه.
عايز أفهم حاجة.
أكرم بص للدفتر.
ده كان في مكتبي.
مين كتب القوائم دي؟
سكت أكرم.
سامح قال
لو أنت كتبتها، قول.
أكرم أخيرًا قال
أنا كتبتها.
ليه؟
كنت بحاول أعرف مين الزبائن اللي بيشتكوا كتير.
فكتبت عن شكلهم وملابسهم؟
أكرم نزل رأسه.
أيوه.
سامح قال
غلط.
ثم فتح صفحة أخرى.
لكن دي مش المشكلة الأكبر.
أكرم بص له.
سامح أشار إلى الأسماء.
بعض الأشخاص اتمنعوا من دخول المطعم رغم إنهم عملاء قدامى.
أكرم قال
كان عندي أسباب.
إيه الأسباب؟
كانوا بيسألوا كتير عن الأسعار والفواتير.
سامح سكت.
ثم فهم شيئًا.
الأشخاص الموجودون في القائمة لم يكونوا مجرد زبائن مزعجين.
كانوا أشخاصًا لاحظوا أخطاء في الحسابات.
يعني أكرم لم يكن يهين الناس لمجرد التكبر.
كان في بعض الحالات يحاول إسكات أي شخص يسأل عن أمور غير واضحة.
سامح قال
كده الصورة بدأت تكتمل.
ثم استدعى المحاسب.
راجعوا كل شكوى قدمها الأشخاص الموجودون في القائمة.
بعد يومين، ظهرت الحقيقة.
معظم الشكاوى كانت عن أخطاء في الفواتير، أو رسوم لم تكن واضحة، أو مبالغ تم تسجيلها بطريقة غير صحيحة.
سامح قرر وقتها أن المشكلة لن تُحل بطرد شخص واحد.
أصدر نظامًا جديدًا
كل فاتورة يكون فيها السعر واضحًا بالكامل.
أي تعديل في الحساب يحتاج مراجعة.
أي شكوى لا تُغلق إلا بعد التحقيق فيها.
وأي موظف يتعرض للضغط بسبب شكوى زبون يستطيع الرجوع مباشرة للإدارة.
أما أكرم، فتم إنهاء عمله بعد التحقيق الرسمي، مع حفظ كل المستندات للجهات المختصة إذا ظهر ما يستوجب ذلك.
وفي آخر يوم له، وقف أكرم عند باب المطعم.
لم يكن هناك جمهور ولا سخرية.
فقط سامح قال له
أنت خسرت شغلك لأنك نسيت إن احترام الناس جزء من شغلك.
أكرم لم يجد ما يقوله.
أما حازم، عامل المطبخ، فتم اختياره ليكون مشرفًا على تدريب الموظفين الجدد.
وقبل نهاية اليوم، دخل زبون جديد المطعم.
رجل بسيط في ملابسه، يحمل حقيبة قديمة.
موظفة الاستقبال ابتسمت وقالت
أهلًا بحضرتك، اتفضل.
أشارت له إلى أي ترابيزة يختارها.
الرجل سأل
مفيش مشكلة أقعد هنا؟
قالت
طبعًا مفيش مشكلة.
كان سامح واقفًا بعيدًا يراقب الموقف.
ابتسم.
لأنه فهم أخيرًا أن الاختبار