بنتى اخدت طبق لحمه بقلم محمد نور
مستحقة للمؤسسة كمكافأة تعاقدية من شركة المقاولات بعد اكتمال المصنع.
لكن الشركة دفعتها في حساب آخر.
والحساب ده كان تابعًا ل...
مؤسسة الحق في الفرصة نفسها.
يعني أبويا كان مخطط إن المؤسسة تبدأ برأس مال أكبر مما كنا نعرف.
ضحكت من شدة الصدمة.
قلت
يعني كل ده، والفلوس كانت موجودة طول الوقت؟
أحمد قال
والأغرب إن والدك كان عامل النظام ده من البداية.
حسام فضل ساكت.
وبعدين قال
أنا ظلمت أبوكي في حاجة.
سألته
إيه؟
قال
كنت فاكر إنه كان بيديني مسؤوليات علشان يختبرني.
طلع نفسًا طويلًا.
لكن الحقيقة إنه كان بيديني مسؤوليات علشان يعلمني.
في اليوم التالي، أعلنا رسميًا بداية مؤسسة الحق في الفرصة.
وأول مشروع كان إنشاء خمسين منحة دراسية لأبناء العاملين.
ملك اقترحت إن أول منحة تكون لطالبة متفوقة من أسرة بسيطة.
وتم اختيار أول طالبة.
اسمها مريم.
بنت عامل نظافة في المصنع.
ولما أبوها عرف، قال
أنا عمري ما كنت أتخيل إن بنتي ممكن تدخل الجامعة.
بصيت لملك.
وقلت
شايفة؟
قالت
أيوه.
إيه؟
قالت
جدو كان عايز الفلوس دي تفتح أبواب.
سكت لحظة.
ثم ضحكت وقالت
مش يشتري أطباق لحمة!
ضحكنا.
لكن في آخر اليوم، وأنا براجع ملف المنح، وجدت ظرفًا قديمًا لم نره من قبل.
كان مكتوبًا عليه
المرحلة الأخيرة لا تُفتح إلا بعد نجاح أول خمسين منحة.
وقفت مكاني.
لأن معنى كده إن أبويا...
كان مخطط لكل اللي حصل من سنين طويلة.
والسؤال الوحيد اللي فضل في دماغي
إيه اللي حاطه في المرحلة الأخيرة؟عدّت سنة كاملة.
الخمسين منحة نجحوا.
بعض البنات دخلوا الجامعة، وبعضهم بدأوا تدريب مهني، وأسر كتير من العاملين بدأت حياتهم تتغير.
وفي اليوم اللي أعلنت فيه المؤسسة نجاح أول مرحلة، طلعت الظرف القديم من الخزنة.
كان مكتوب عليه
المرحلة الأخيرة يُفتح بعد نجاح أول خمسين منحة.
حطيت الظرف على المكتب.
ملك كانت واقفة جنبي.
قالت
افتحيه يا ماما.
فتحت الظرف.
لقيت جواه مفتاح صغير.
ومعه ورقة
المكان الذي بدأت منه كل الحكاية.
عرفت فورًا.
المطعم.
نفس المطعم اللي حصلت فيه قصة طبق اللحمة.
رجعت له بعد سنين.
المكان كان اتغير، لكن صاحبه القديم كان لسه موجود.
لما شافني عرفني.
قال
أنا فاكر اليوم ده كويس.
قلت
وأنا كمان.
سألته
هو والدِي كان بييجي هنا؟
اتغيرت ملامحه.
وقال
أيوه.
وكان بيقعد فين؟
أشار إلى غرفة صغيرة خلف المطعم.
دخلنا.
طلع صندوق خشبي قديم.
وقال
والدك سابه هنا من سنين، وقال لي ما تسلموش لسلمى إلا لما تيجي بنفسها.
فتحت الصندوق.
كان فيه دفتر.
وعلى أول صفحة
من هنا بدأت الفكرة.
قعدت أقرأ.
والدي كتب إنه في أحد الأيام، قبل تأسيس الشركة، شاهد عاملًا يمنع ابنته من تناول الطعام لأن الأسرة لا تملك ثمنه.
الموقف أثر فيه.
وقتها قرر إنه لو ربنا وسّع عليه، هيعمل مشروع يخلي التعليم والطعام والفرص الأساسية ما تبقاش مرتبطة بقدرة الأسرة على الدفع.
قلت
يعني فكرة المؤسسة بدأت قبل الشركة؟
صاحب المطعم قال
بسنين.
قلبت الصفحة.
لقيت جملة
الثروة الحقيقية ليست ما تملكه، بل عدد الأبواب التي تستطيع فتحها لغيرك.
ثم وجدت قائمة.
أسماء خمسين طفلًا.
والغريب إن الأسماء كانت لأطفال من عائلات مختلفة تمامًا.
لكن أمام كل اسم مكتوب
الأولوية للتعليم.
ملك قالت
جدو كان بيخطط لكل ده من زمان.
قلت
أيوه.
لكن آخر صفحة كانت مختلفة.
كانت موجهة لملك.
إلى حفيدتي، عندما تقرئين هذا الخطاب، ستكونين قد كبرتِ.
ملكت سكتت.
وأنا بدأت أقرأ
قد تسمعين يومًا أن البنات أقل قدرة، أو أن بعض الأحلام لا تناسب البنات، أو أن قيمة الإنسان تتحدد بما يملكه.
لا تصدقي ذلك.
لكن أيضًا لا تجعلي حياتك كلها معركة لإثبات أنك أفضل من أحد.
اعملي، وتعلمي، وساعدي غيرك، واتركي أفعالك تتكلم.
ملك كانت بتسمع في صمت.
وفي آخر السطر كتب
وأهم شيء... لا تسمحي لأحد أن يحوّل المال إلى وسيلة لإهانة إنسان.
بصيت لملك.
كانت عينيها مليانة دموع.
قالت
هو كان عارف إن اليوم ده هييجي؟
قلت
يمكن كان بيتمنى.
خرجنا من المطعم.
وفي الطريق، ملك قالت
ماما، أنا عايزة أعمل حاجة.
إيه؟
عايزة المؤسسة تعمل وجبات مجانية للأطفال اللي بييجوا التدريب.
ابتسمت.
فكرة حلوة.
قالت
بس مش عايزاها تبقى صدقة.
سألتها
عايزة إيه؟
قالت
عايزاهم ياكلوا من غير ما حد يحسسهم إنهم أقل من غيرهم.
وقتها فهمت إن ملك ما كانتش مجرد بنت اتأذت من موقف قديم.
هي فهمت الرسالة.
وفي نفس الأسبوع، بدأنا مشروع جديد
مائدة الكرامة.
أي طفل يدخل المركز يحصل على وجبة محترمة، من غير سؤال عن دخله، ومن غير تمييز بين ولد وبنت.
وبعد أول شهر، عدد الأطفال زاد بشكل كبير.
لكن في آخر يوم من الشهر، دخلت موظفة الاستقبال وقالت
مدام سلمى، فيه شخص عايز يقابلك.
قلت
مين؟
قالت
راجل كبير في السن، وبيقول إنه كان شريك والدك قبل تأسيس الشركة.
خرجت له.
أول ما شافني، قال
أبوك ترك لك الشركة...
وسكت.
ثم قال
لكن ترك لك حاجة أهم.
سألته
إيه؟
قال
حقيقة سبب وفاته.
اتجمدت مكاني.
قلت
إيه علاقة وفاة أبويا بالمشروع؟
فتح حقيبته.
وطلع مستند قديم.
وقال
أبوك ما كانش خايف على فلوسه.
كان خايف إن مشروعه يختفي بعد موته.
وسلّمني الورقة.
في أعلى الصفحة كان مكتوب
آخر وصية لا تُفتح إلا إذا نجحت سلمى في حماية المؤسسة.
وقتها فهمت...
إن كل الأسرار اللي عرفتها لحد دلوقتي كانت مجرد مقدمة.
أما الحقيقة الأخيرة...
فكانت لسه في الورقة اللي قدامي فتحت الورقة وأنا مش قادرة أتنفس من شدة التوتر.
كان أول سطر
يا سلمى، لو وصلتي للرسالة دي، يبقى المؤسسة نجحت، والشركة فضلت واقفة، والأهم إنك قدرتي تحافظي على كرامة الناس اللي اشتغلوا فيها.
كملت القراءة.
والدي كتب إن وفاته ما كانتش بسبب مشكلة في الشركة، ولا بسبب أي مؤامرة.
كان مريضًا بمرض خطير، وعارف إن وقته محدود.
وعشان كده قضى آخر سنين عمره في ترتيب كل شيء.
أما السر اللي كان خايف عليه، فكان ببساطة
إن الشركة لم تكن ملكه وحده.
كان جزء كبير منها مخصصًا للعاملين وأسرهم، لكن الملكية كانت هتظهر بالتدريج من خلال المؤسسة والمشروعات التعليمية.
وكان خايف إن حد يبيع الشركة كلها ويضيع حق الموظفين.
وفي آخر الرسالة كتب
يا بنتي، أنا لم أترك لكِ ثروة. تركت لكِ مسؤولية. لو حافظتِ عليها، ستصبح الثروة في حياة الناس التي ستتغير بسببها.
نزلت الورقة من إيدي.
والراجل الكبير قال
أبوك كان عايزك تعرفي الحقيقة، لكن بعد ما تثبتي إنك هتحافظي عليها مش علشان اسم العيلة... علشان الناس.
رجعت الشركة.
وجمعت مجلس الإدارة.
وحطيت كل المستندات قدامهم.
وقلت
من النهارده، كل حقوق الموظفين هتتسجل رسميًا، وكل أرباح المؤسسة هتتراجع سنويًا، ومفيش شخص واحد هيقدر يتحكم في الفلوس لوحده.
حسام وقف وقال
وأنا أول واحد موافق.
وبالفعل، اتغير نظام الشركة بالكامل.
بقت المؤسسة مستقلة.
والأرباح اتخصص منها جزء ثابت للتعليم والتدريب ومساعدة أسر العاملين.
أما مروان، فاحتفظ بحقه القانوني بعد تسوية عادلة.
ومحمود رجع يشارك كمستشار للمؤسسة، بعيدًا عن إدارة الشركة.
ونجوى، اللي كانت زمان شايفة إن الولد أهم من البنت، بقت كل أسبوع تزور مركز التدريب وتساعد الأطفال.
أما يوسف، فكان أول شاب يشارك في برنامج تعليم الأطفال إدارة مصروفهم.
وملك؟
كبرت وهي شايلة جواها درس عمرها كله.
وفي يوم افتتاح أكبر فرع للمؤسسة، وقفت قدام مئات الأطفال وقالت
أنا كنت طفلة صغيرة في يوم، واتقال لي إن البنت مش محتاجة تاكل كتير.
سكتت لحظة.
ثم قالت
لكن المشكلة عمرها ما كانت في طبق اللحمة.
المشكلة كانت في فكرة إن حد يفتكر إن إنسان يستحق أقل لمجرد إنه ولد أو بنت.
الناس صفقوا.
وأنا كنت واقفة بعيد عنها.
افتكرت اليوم الأول.
افتكرت طبق اللحمة.
افتكرت إيدي بنتي وهي بتترفع قدام العيلة.
وافتكرت المكالمة اللي غيرت حياتنا.
لكن أهم حاجة افتكرتها...
إني في اليوم ده ما دخلتش معركة علشان أثبت إن بنتي أحسن من ابن حد.
أنا بس قررت إنها تستحق الاحترام.
والقرار الصغير ده فتح بابًا لأبواب كتير.
بعد سنوات، بقى اسم المؤسسة معروفًا في محافظات مختلفة.
آلاف الأطفال حصلوا على منح وتدريب ووجبات محترمة.
والشركة استمرت من غير ما تكون ملكًا لشخص واحد.
أما البيت...
فبقى أهدى.
مش لأن كل الناس نسيت اللي حصل.
لكن لأن كل واحد فهم إن الاحترام مش كلمة بنقولها وقت المصالح.
وفي آخر يوم من كل سنة، كنت باخد ملك ونروح المطعم القديم.
نطلب نفس طبق اللحمة.
لكن المرة دي كنا بنطلبه لأطفال المركز كمان.
وفي مرة، ملك ضحكت وقالت
ماما، فاكرة أول طبق؟
قلت
مستحيل أنساه.
قالت
أنا كمان.
وبصت للناس حواليها وقالت
الغريب إن أغلى حاجة خرجت من الطبق ده ما كانتش اللحمة...
كانت الكرامة.
ومن يومها، كل ما حد يسألني إزاي بدأت مؤسسة ساعدت آلاف الأطفال، أقول له
بحكاية بنت صغيرة، اتقال لها إنها تستحق أقل... فقررت أمها تثبت لها إنها تستحق حقها كامل.
ويمكن دي كانت أعظم حاجة ورثتها من أبويا
مش الفلوس...
لكن فكرة إن الإنسان لما يقدر يفتح باب لغيره، ما يقفش عند باب واحد.
وهكذا انتهت حكاية طبق اللحمة...
لكن أثرها فضل مفتوحًا في حياة كل طفل دخل من أبواب المؤسسة.