بنتى اخدت طبق لحمه بقلم محمد نور
المحتويات
خرجنا فيه من المطعم، وإنتِ مسكتي إيدي وقلتيلي إنتِ تستاهلي تاكلي وتشربي وتتعلمي وتعيشي زي أي حد.
وساعتها عرفت إن بعض الأيام بتبدأ بوجع...
لكن ممكن تنتهي ببداية حياة كاملة بعد ما مؤسسة تعليم البنات بدأت تشتغل، افتكرت إن الحكاية أخيرًا خلصت.
لكن بعد حوالي شهر، وصلني جواب مسجل باسم والدي.
استغربت جدًا.
أبويا متوفي من سنين.
فتحت الظرف.
كان جواه ورقة واحدة مكتوب فيها
لو وصلتك الرسالة دي، يبقى سلمى عرفت الحقيقة الأولى فقط.
وقفت مكاني.
أول حقيقة؟
يعني فيه حقيقة تانية؟
كملت القراءة.
الشركة لم تكن أكبر ما تركته لكِ. هناك مشروع آخر لم يعرف عنه حسام ولا أي فرد من العائلة.
وفي آخر السطر كان فيه عنوان.
العنوان كان لقطعة أرض قديمة في منطقة صناعية.
أخدت أحمد وروحنا هناك.
كانت الأرض عليها مبنى قديم، وعلى البوابة لافتة باهتة مكتوب عليها
مخازن السعد القديمة.
دخلنا.
المكان كان مهجور.
لكن في آخر المبنى لقينا غرفة مقفولة.
المفتاح اللي كان معايا فتحها.
جوه كان فيه جهاز كمبيوتر قديم وملفات كتير.
شغلت الجهاز.
كان فيه ملف واحد فقط.
اسمه
مشروع الأمان.
فتحته.
ظهر أمامي جدول بأسماء عشرات العاملات في شركات مختلفة.
وأمام كل اسم مبلغ مالي.
قلت لأحمد
إيه ده؟
قال
واضح إن والدك كان عامل صندوق مساعدة للموظفين.
لكن لما راجعنا الأرقام، اكتشفنا حاجة أغرب.
كل موظفة كانت بتاخد مساعدة في حالات معينة
ولادة.
مرض.
وفاة أحد أفراد الأسرة.
تعليم الأبناء.
أو ظروف مالية طارئة.
أبويا كان عامل صندوق من أرباح الشركة لمساعدة الموظفين، وموصّي إن المشروع يستمر بعد وفاته.
لكن المشروع توقف بعد وفاته مباشرة.
والسبب كان مكتوب في آخر صفحة.
أوقفه المدير الجديد بحجة أن الشركة لا تستطيع تحمل التكلفة.
بصيت لأحمد.
المدير الجديد كان حسام؟
هز رأسه.
أيوه.
رجعت البيت.
واجهت حسام.
حطيت الورقة قدامه.
قلت
إنت وقفت صندوق أبي؟
سكت.
رد.
قال
الشركة كانت بتمر بأزمة.
بس الفلوس كانت موجودة.
كنت خايف الشركة تقع.
قلت
فوقفت مساعدة ناس مرتباتهم أقل من اللي كنت بتصرفه على وجبات يوسف؟
خفض عينيه.
ما رديتش.
في اليوم التالي، طلبت اجتماع مع موظفي الشركة.
وقلت لهم الحقيقة كلها.
وبعدها أعلنت إعادة الصندوق.
لكن المرة دي باسم جديد
صندوق ملك لدعم العاملات وأسر الموظفين.
ملك كانت قاعدة جنبي.
قالت
ماما، ليه سميتيه باسمي؟
قلت
عشان اللي حصل لك كان السبب إني فهمت إن الإنسان لازم يحس إنه له قيمة.
وفجأة، واحدة من الموظفات رفعت إيدها.
قالت
مدام سلمى، أنا كنت واحدة من الناس اللي أبوكي ساعدهم.
بصيت لها.
قالت
ابني كان عنده عملية، وأبوك دفع تكاليفها.
ثم بدأت تحكي.
موظفة وراء موظفة.
واحدة أبوها كان مريض.
واحدة كانت بتكمل تعليم بنتها.
واحدة كانت مهددة إنها تسيب شغلها عشان مش قادرة تدفع مصاريف علاج ابنها.
وأنا واقفة بسمع.
اكتشفت إن أبويا ما كانش بيبني شركة بس.
كان بيبني حياة ناس.
وفي نهاية الاجتماع، حسام وقف.
الكل سكت.
قال
أنا ظلمت الفكرة دي لما وقفتها.
وبص للموظفين.
والغلط ده هيتصلح.
ومن اليوم ده، اتغير نظام الشركة بالكامل.
لكن المفاجأة الأكبر حصلت بعد ستة شهور.
جالي اتصال من مكتب محاماة.
المحامي قال
مدام سلمى، فيه قضية قديمة جدًا باسم والد حضرتك.
سألته
قضية إيه؟
قال
والدك كان رافع دعوى قبل وفاته بخصوص قطعة أرض كبيرة.
قلت
فين الأرض دي؟
قال
في نفس المنطقة اللي فيها مقر الشركة.
فتحت المستندات.
الأرض كانت مساحتها ضخمة.
وقيمتها الحالية تساوي ملايين.
لكن المفاجأة
الأرض لم تكن مملوكة للشركة.
كانت مملوكة لمؤسسة والد سلمى.
يعني كل المباني اللي الشركة استخدمتها سنين...
كانت قائمة على أرض أبي.
والعقد كان يسمح للشركة باستخدام الأرض بشرط واحد
أن يظل صندوق مساعدة الموظفين قائمًا.
لكن بعد إيقاف الصندوق...
انتهى حق الشركة في استخدام الأرض.
بصيت لحسام.
كان ساكت.
قلت
دلوقتي فهمت ليه أبويا كان سايب كل حاجة موثقة.
هو قال
يعني الشركة هتخسر مقرها؟
قلت
لا.
وسكت شوية.
هتفضل الشركة موجودة، لكن الأرض هتتحول رسميًا للمؤسسة، والشركة هتدفع إيجار عادل.
أحمد ابتسم.
وقال
كده الشركة هتفضل واقفة، والمؤسسة هتقدر تمول مشاريع أكتر.
وفي آخر السنة، اتعمل أول مشروع كبير.
مركز تدريب مجاني للبنات في المنطقة.
واللافتة اللي اتحطت على الباب كانت باسم
مركز ملك للتدريب.
ملك وقفت قدام اللافتة.
وقالت
ماما، هو أنا بقيت صاحبة المركز؟
ضحكت وقلت
لأ.
سألتني
أمال إيه؟
قلت
إنتِ السبب اللي خلاني أفهم إن المكان ده لازم يبقى موجود.
بصت للمبنى وقالت
يبقى لما أكبر هعمل واحد أكبر منه.
قلت
وأنا هكون أول واحدة تساعدك.
أما حسام، فوقف بعيد شوية يتفرج.
وبعدها قال لي
أنا اتعلمت منك حاجة.
قلت
إيه؟
قال
إن البيت مش بيتبني بالفلوس.
سكت لحظة.
بيتِبني بالطريقة اللي بنعامل بيها الناس اللي جواه.
بصيت لملك.
وابتسمت.
لأن البنت اللي اتقال لها يوم
البنات مش محتاجة تاكل كتير
كانت السبب في إنشاء مؤسسة ساعدت مئات البنات.
وساعتها فهمت إن بعض الجمل اللي بتتقال علشان تكسر طفل...
ممكن تتحول يومًا إلى السبب اللي يخليه يبني حياة أقوى من حياة اللي حاولوا يكسرواه مرت سنتين.
مركز ملك للتدريب بقى معروف في المنطقة، والشركة استقرت بعد ما اتعملت مراجعة كاملة لكل حساباتها.
أما علاقتي بحسام، فبقت مختلفة.
إحنا ما رجعناش نعيش كأن اللي حصل ما حصلش.
لكن بقينا بنتعامل باحترام، وكل واحد بقى مسؤول عن قراراته.
وملك كانت أكتر واحدة اتغيرت.
بقت قوية في كلامها، وبتعرف تقول لا لما حاجة تضايقها.
وفي يوم، وأنا في المكتب، دخل أحمد ومعاه صندوق خشب قديم.
قال
ده وصل من مكتب المحامي.
بصيت للصندوق.
إيه ده؟
قال
قالوا إنه آخر أمانة تركها والدك.
فتحت الصندوق.
جواه دفتر صغير ومفتاح.
وعلى الدفتر مكتوب
لسلمى فقط.
فتحته.
أول صفحة كان فيها كلام أبي
لو وصلتِ للدفتر ده، يبقى المشروع نجح، والشركة استقرت، وملك كبرت وهي عارفة قيمتها.
وقفت عند الجملة.
وبعدين كملت.
لكن فيه شيء أخفيته عنك طول السنين.
قلبي دق بسرعة.
أنتِ لم تكوني مجرد وريثة للشركة.
قلبت الصفحة.
أنتِ كنتِ الشريكة الأساسية من يوم تأسيسها.
اتصدمت.
أنا كنت عارفة إن لي حصة.
لكن الدفتر كشف إن الحصة كانت أكبر مما تخيلت.
وكان فيه شرط.
إذا قررت سلمى إدارة الشركة بنفسها، تنتقل إليها السيطرة الكاملة.
بصيت لأحمد.
قلت
يعني القرار دلوقتي في إيدي؟
قال
من الناحية القانونية، أيوه.
لكن قبل ما أقرر، لقيت ورقة صغيرة في آخر الدفتر.
كان مكتوب فيها
لا تأخذي الشركة من حسام انتقامًا. ولا تتركيها له خوفًا. خذي القرار بناءً على ما يفيد الناس الذين يعملون فيها.
الجملة دي خلتني أقفل الدفتر.
كنت أقدر أطلع حسام من الإدارة.
وأقدر أحتفظ بالشركة كلها.
لكن افتكرت كل العمال والموظفين اللي ملهمش ذنب في أخطاء الإدارة.
فقررت أعمل حاجة مختلفة.
طلبت اجتماع مجلس الإدارة.
كلهم حضروا.
وقلت
من النهاردة، الشركة هتتحول لنظام إدارة جديد.
حسام سأل
يعني إيه؟
قلت
يعني مفيش شخص واحد يقدر يتحكم في كل حاجة.
اتعمل مجلس إدارة مستقل.
وحسام فضل مسؤول عن التشغيل.
وأنا توليت الإدارة المالية والاستراتيجية.
وأي قرار كبير بقى محتاج موافقة المجلس.
في البداية، حسام كان متضايق.
لكن بعد فترة بدأ يفهم إن النظام ده أنقذ الشركة بدل ما يضعفها.
وفي نفس الشهر، حصل شيء ما توقعناهش.
يوسف، ابن أخوه، دخل علينا المكتب.
كان عمره وقتها إحدى عشرة سنة.
وقف قدامي وقال
مدام سلمى، ممكن أسألك سؤال؟
قلت
طبعًا.
قال
هو ليه زمان بابا كان بيخليني أطلب أغلى حاجة في المطعم؟
ضحكت.
قلت
يمكن كان عايز يفرحك.
هز رأسه.
بس أنا ما كنتش مبسوط.
استغربت.
قال
كنت بحس إن كل الناس لازم تديني اللي أطلبه عشان أنا ولد.
سكت.
ثم قال
ملك علمتني إن ده مش صح.
بصيت لملك.
كانت واقفة عند الباب.
يوسف كمل
أنا عايز أساعد في المركز.
ملك قالت
تساعد إزاي؟
قال
أعمل حاجة للأطفال عن إدارة المصروف.
ضحكت.
فكرة حلوة.
وبالفعل، بدأ يوسف يساعد في أنشطة الأطفال.
أما حماتي، فكانت أكتر واحدة اتغيرت.
في أول يوم افتتاح مركز جديد، وقفت قدام مجموعة من البنات وقالت
أنا كنت غلطانة لما قلت إن الولد أهم من البنت.
وبصت لملك.
البنت ممكن تحمل اسم عيلتها، وتبني مستقبلها، وتكون سبب خير لناس كتير.
ملك ابتسمت.
وفي آخر اليوم، وأنا خارجة من المركز، لقيت حسام واقف مستنيني.
قال
فاكرة أول يوم خرجتي فيه من المطعم؟
قلت
فاكرة.
قال
كنت فاكر إنك خرجتي من حياتي.
سكت.
ثم قال
لكن الحقيقة إنك خرجتي من الطريقة الغلط اللي كنا عايشين بيها.
ما رديتش.
لأن الكلام المرة دي كان مختلف.
ما كانش وعدًا.
كان اعترافًا.
ومشيت ناحية ملك.
مسكت إيدها.
وقلت لها
يلا يا حبيبتي.
قالت
رايحين فين؟
قلت
نتغدى.
ضحكت.
هتجيبيلي لحمة؟
قلت
هجيب لك اللي نفسك فيه.
وبعدين بصيت لها وقلت
بس افتكري حاجة.
إيه؟
مش لأنك بنت لازم تاخدي أقل.
ومش لأنك ولد لازم تاخد أكتر.
كل واحد ياخد حقه.
سكتت ملك لحظة.
وبعدين قالت
وأنا لما أكبر هكتب الكلام ده على باب المركز.
ضحكت.
وفي اليوم التالي، اتعلقت لافتة صغيرة على باب المركز.
كان مكتوب عليها
العدل مش إننا ندي الكل نفس الشيء العدل إن كل إنسان ياخد حقه من غير ما يتقلل منه بسبب كونه ولد أو بنت.
وتحت الجملة كان اسم صاحبة الفكرة
ملك حسام السعد.
البنت اللي بدأت الحكاية بطبق لحمة صغير...
كانت بعد سنين سببًا في تغيير حياة مئات الأطفال والبنات.
وأما أنا، فاحتفظت بالطبق القديم اللي وقع يومها في المطعم.
مش عشان أفتكر الإهانة.
لكن عشان أفتكر اليوم اللي قررت فيه أخيرًا...
إني ما أسمحش لأي حد يقلل من قيمة بنتي تاني بعد خمس سنين، كانت حياة ملك مختلفة تمامًا.
بقت عندها تلاتاشر سنة.
متفوقة في المدرسة، وبتروح مركز التدريب كل أسبوع.
أما أنا، فبقيت رئيسة مجلس إدارة الشركة، وحسام مسؤول عن التشغيل.
العلاقة بينا بقت قائمة على الاحترام والحدود الواضحة.
لكن في صباح يوم، وصلني خطاب رسمي.
فتحت الظرف.
كان من مكتب محاماة كبير.
الخطاب بيقول إن فيه شخص بيطالب بحصة من الشركة.
والاسم...
مروان السعد.
ما عرفتش الاسم.
اتصلت بأحمد.
قال
مروان ده ابن عم حسام.
قلت
إزاي؟ أنا عمري ما سمعت عنه.
قال
لأنه عايش بره مصر من سنين.
قرأت الخطاب مرة تانية.
هو مش بيطالب بفلوس.
كان بيطالب بملكية جزء من الأرض والمخازن القديمة.
والمستند اللي قدمه كان عقدًا قديمًا.
اتوترت.
العقد عليه توقيع والد حسام.
وفيه بند بيقول إن الأرض ملك لعائلة السعد.
لو العقد صحيح، ممكن يحصل نزاع كبير.
اتصلت بحسام.
قلت
عندك قريب اسمه مروان؟
اتغير صوته.
أيوه.
ليه بيطالب بأرض الشركة؟
سكت.
قلت
حسام، إنت كنت تعرف؟
قال
كنت عارف إن فيه خلاف قديم بينه وبين والدي.
بس ما قلتليش.
كنت فاكر إن الموضوع انتهى.
في نفس اليوم، مروان وصل مصر.
وطلب اجتماع.
قعد قدامي وقال
أنا مش جاي آخد حاجة مش بتاعتي.
قلت
وأنا مش هسيب حاجة بتاعتنا تضيع.
طلع ملف.
دي مستندات والدي.
فتحتها.
وكان فيها عقد شراء قديم.
لكن التاريخ كان سابق لتأسيس الشركة.
بصيت لحسام.
قال
والدي كان شريك مع والد مروان في الأرض.
سألته
طب ليه والدك سجّلها باسم الشركة؟
قال
علشان الشركة اتأسست عليها.
مروان رد
لكن ما كانش فيه تنازل نهائي.
الموضوع دخل في نزاع قانوني.
ولأول مرة، لقيت نفسي في موقف لازم أختار فيه بين مصلحة الشركة وبين حق شخص ممكن يكون فعلًا صاحب جزء من الأرض.
قلت للمحامي
إحنا مش هنخبي أي ورقة.
هنطلع كل المستندات.
بدأنا المراجعة.
وبعد أسبوعين، اكتشفنا مفاجأة.
العقد اللي مع مروان كان صحيحًا.
لكن فيه ورقة تانية بعده بشهر.
والورقة دي كانت بتثبت إن والد حسام ووالد مروان اتفقوا إن الأرض تنتقل بالكامل للشركة مقابل نسبة من الأرباح.
يعني مروان عنده حق في أرباح معينة...
لكن مش في ملكية الأرض.
المحامي قال
لو الاتفاق ده اتثبت، النزاع ينتهي.
قلت
والورقة موجودة؟
قال
المشكلة إنها مش موجودة في السجلات الرسمية.
بدأنا ندور.
وفي وسط البحث، افتكرت دفتر والدي.
فتحت آخر صفحاته.
وكان فيه رقم مخزن.
مخزن 23.
روحنا هناك.
فتحنا الباب.
لقينا صندوق حديد صغير.
والمفتاح اللي كان في صندوق والدي فتحه.
جواه كانت الورقة.
الاتفاق الأصلي.
وفي آخره توقيع والد مروان.
مروان لما شافها، فضل ساكت.
وبعدين قال
دي كانت موجودة عند والدك؟
قلت
أيوه.
قال
يبقى والدك أنقذ عيلتنا من مشكلة كبيرة.
قلت
وأنقذ الشركة كمان.
انتهى النزاع.
لكن مروان قبل ما يمشي قال لي
في حاجة لازم تعرفيها.
سألته
إيه؟
قال
والدك ما كانش بيخبي المستندات علشان يحمي الشركة بس.
كان بيخبيها علشان يحميك من حسام.
اتصدمت.
يعني إيه؟
قال
والدي كان عارف إن والدك كان قلقان إن حسام يدير الشركة لوحده.
رجعت للبيت وفتحت دفتر أبي مرة
متابعة القراءة