مرات ابني حكايات زيزي
عنده نسخة من الورق اللي استخدموه في التزوير.
محمود بدأ يتوتر.
أنا أخدتها عشان أساعد!
عماد قال
لأ.
ثم فتح الدفتر على صفحة معينة.
إنت أخدت نسخة من توقيع أحمد قبل شهرين.
أحمد اتجمد.
إنت عرفت منين؟
عماد أشار لسطر في الدفتر.
لأن الشخص اللي أعطاك التعليمات كتب كل حاجة هنا.
محمود حاول يقرب من الدفتر.
لكن أحمد سبقه وأخده.
قرأ السطر.
وبعدين قال
مين م ف؟
محمود سكت.
داليا بصت له.
م ف؟
عماد قال
محمود فؤاد.
البيت كله سكت.
محمود رفع إيده.
أنا هشرح.
أحمد قال
اشرح.
محمود بص للأرض.
وبعدين قال
أنا فعلًا أخدت نسخة من توقيعك...
وسكت.
لكن مش عشان أزور بيه.
أحمد قال
أمال ليه؟
محمود رفع عينه.
عشان كنت بحاول أمنع حد تاني من تزويره.
وفجأة، موبايل عماد رن.
بص للشاشة.
ملامحه اتغيرت.
رد
ألو؟
صوت سامح جاء من الطرف الآخر.
وكان أول كلامه
عمي... متصدقش محمود بصيت للصورة مرة تانية، وحسيت إن إيدي بتتلج.
الجملة كانت قصيرة لكن معناها كان أخطر من أي تهديد اتبعت لنا قبل كده
أنا مش محتاج أحمد ييجي... أنا محتاج أمه.
أحمد خطف الموبايل من إيدي وقال
يعني إيه محتاجك إنتِ؟ هو عايز منك إيه؟
هزيت راسي وأنا بحاول أتماسك
مش عارفة بس واضح إنه عارف عن البيت أكتر مما إحنا متخيلين.
سامح قرب من الشاشة، وبص للصورة فترة طويلة، وبعدها قال
استنى
إيه؟
كبر الصورة بإيده.
بصي على الشباك اللي فوق.
بصيت.
في انعكاس صغير جدًا على زجاج الشباك، كان باين جزء من حاجة معدنية.
سامح قال
دي مش صورة متاخدة من الشارع.
أحمد اتوتر
أمال منين؟
سامح رد بهدوء
من مكان قريب جدًا.
سكتنا كلنا.
وفجأة سمعت صوت خبطة خفيفة جاية من ناحية المطبخ.
تك.
كلنا بصينا ناحية الصوت.
وبعد ثانيتين
تك تك.
أحمد أشار لنا نسكت.
مشي ناحية المطبخ ببطء، وأنا وراه.
فتح باب المطبخ
مفيش حد.
لكن على الأرض كان فيه ظرف أبيض صغير.
أحمد انحنى ورفعه.
بصلي.
ماما ده كان جوه البيت.
فتحت الظرف بإيد مرتعشة.
جواه ورقة واحدة.
مفيهاش غير سطر
لو عايزة تعرفي مين كان واقف قدام بيتك افتحي الدرج التالت في دولاب أبوكي القديم.
اتجمدت مكاني.
دولاب أبويا؟
أحمد بصلي
دولاب جدّي؟
هزيت راسي.
أيوه الدرج التالت محدش بيفتحه من سنين.
سامح قال بسرعة
يبقى هو عارف حاجة عن عيلتكم مش موجودة في الدفتر الأزرق بس.
طلعنا كلنا ناحية الأوضة القديمة.
الدولاب كان في ركن ضلمة، وعليه تراب سنين.
فتحت أول درج.
مفيش غير أوراق قديمة.
التاني
صور ومستندات.
وصلت للتالت.
إيدي وقفت قبل ما ألمسه.
كان مقفول بمفتاح صغير.
أحمد قال
معاكِ مفتاحه؟
بصيتله.
لأ.
وفجأة
سمعنا صوت مفتاح بيتحط في قفل الباب الرئيسي.
حد كان بيفتح باب البيت.
أحمد اتلفت بسرعة.
سامح همس
متتحركوش.
الصوت قرب.
خطوة
وبعدها خطوة تانية.
ثم توقف.
وسمعنا صوت راجل من بره الأوضة
أنا عارف إنك هنا يا أمي.
اتنفست بصعوبة.
لأن الصوت
كان صوت شخص من العيلة.
شخص كنا فاكرين من سنين إنه مات.
عِماد عماد سكت وهو ماسك الموبايل.
سامح؟ إنت فين؟
جاله صوت سامح متوتر
أنا مش هقدر أقولك.
أحمد قرب من عمه.
حطني على السماعة.
عماد شغّل السماعة.
أحمد قال
سامح، إنت اللي زورت توقيعي؟
لأ.
طب مين؟
سامح سكت.
أحمد كرر
مين؟
سامح قال
الشخص اللي كان بيديني المعلومات عن الورق...
وفجأة المكالمة قطعت.
أحمد بص لعماد.
اتقطع ليه؟
عماد حاول يتصل تاني.
مفيش رد.
محمود قال
لازم نتحرك قبل ما يتأخر.
أحمد بص له.
وإنت عرفت مكانه؟
محمود هز راسه.
أيوه.
منين؟
لأن آخر مكان اتواصل معايا منه كان المخزن القديم.
طارق قال
يبقى نروح هناك.
أنا قلت
وأنا جاية معاكم.
أحمد اعترض
لأ يا أمي.
دي حكايتي قبل ما تكون حكايتك.
سكت.
وبعدين قال
خلاص.
وصلنا للمخزن بعد حوالي نص ساعة.
الباب كان مفتوح.
مفيش حراسة.
دخلنا.
المكان كان ضلمة، وريحتُه تراب وخشب قديم.
أحمد نادى
سامح!
مفيش رد.
اتقدمنا شوية.
وفجأة سمعنا صوت من آخر المكان
أحمد؟
أحمد جري ناحية الصوت.
لقينا سامح قاعد على كرسي، وشكله مرهق جدًا.
داليا قربت منه
إنت كويس؟
أيوه.
أحمد قال
مين عمل فيك كده؟
سامح بص له.
محدش.
أمال إيه اللي حصل؟
سامح قال
أنا كنت بحاول أوقف الموضوع.
عماد قرب منه.
ليه استخدمت اسمي في الأوراق؟
سامح رد
عشان كنت بحاول أوصل للشخص اللي بيحرك كل حاجة.
أحمد سأله
وصلت له؟
سامح هز راسه.
أيوه.
الكل سكت.
مين؟
سامح بص ناحية محمود.
وبعدين قال
مش محمود.
محمود تنفس براحة.
سامح كمل
محمود كان بيحاول يمنع التزوير فعلًا.
أحمد قال
أمال مين؟
سامح قال
الشخص اللي كان بيشتري الديون... هو اللي كان بيضغط عليا.
عماد سأله
اسمه؟
سامح أخرج ورقة من جيبه.
حطها قدامنا.
فيها اسم شركة، وتحت الاسم اسم المدير.
أحمد قرأه.
وسكت.
داليا قربت.
مين؟
أحمد قال
الشخص ده...
وبعدين رفع عينه لسامح.
ده اللي كانت داليا بتشتغل معاه.
داليا شهقت.
مستحيل.
سامح قال
هو نفسه.
محمود قال
يبقى الشركة كانت واجهة.
سامح هز راسه.
بالضبط.
أنا قلت
بس ليه الغسيل؟
سامح بصلي.
لأنهم كانوا بيستخدموا بيتك كنقطة استلام وتسليم من غير ما حد يشك.
داليا قالت
أنا مكنتش أعرف!
سامح رد
عارف.
أحمد قال
طب إيه هدفهم الحقيقي؟
سامح فتح الورقة الأخيرة.
كانوا عايزين يثبتوا إن البيت مرتبط بنشاط تجاري، وبعدها يستخدموا ده في النزاع على الملكية.
أنا اتصدمت.
يعني كل اللي حصل كان عشان البيت؟
سامح هز راسه.
أيوه.
عماد قال
ولسه ناقص دليل واحد.
أحمد سأله
إيه؟
سامح بص للدفتر الأزرق.
الصفحة اللي في النص.
أحمد فتح الدفتر.
قلب الصفحات لحد ما وصل للمنتصف.
كانت فيه صفحة ممزقة من مكانها.
أحمد قال
الصفحة مش موجودة.
سامح ابتسم بحزن.
عشان كده لازم نلاقيها.
محمود سأل
ومين اللي أخدها؟
سامح رد
الشخص اللي كان بيحرك كل حاجة.
وفجأة...
موبايل أحمد رن.
رسالة جديدة.
فتحها.
كانت صورة للصفحة المفقودة.
وتحتها جملة واحدة
لو عايز الصفحة الأصلية... تعالى لوحدك.
أحمد رفع عينه.
أنا هروح.
عماد قال
لأ.
أحمد رد
دي أمي.
عماد هز راسه.
وأنا عارف.
وبعدين بص للكل.
عشان كده بالذات... محدش يروح لوحده.
لكن قبل ما نتحرك، وصلت رسالة تانية.
المرة دي كانت على موبايل داليا.
فتحتها...
وشها شحب.
قالت
يا جماعة...
أحمد سأل
إيه؟
مدت له الموبايل.
كانت صورة لبيتِنا.
ومن زاوية قريبة جدًا من الباب.
وتحت الصورة مكتوب
أنا مش محتاج أحمد ييجي... أنا محتاج أمه فضلت باصة لعماد وأنا مش فاهمة.
أبو أحمد؟!
أحمد نفسه اتراجع خطوة.
أبويا مات من سبع سنين إزاي صوته؟
عماد قعد على الكرسي، وحط إيده على جبينه.
الصوت ده قديم يا أحمد قديم جدًا. التسجيل اتعمل قبل موته بسنين.
سامح قرب منه
وإنت محتفظ بيه ليه؟
عماد رفع عينه وقال
لأني كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
أحمد ضرب بإيده على الترابيزة
يوم إيه؟! ما تتكلم واضح!
عماد سكت شوية، وبعدها قال
يوم ما حد يفتح الدرج التالت.
طلعت المفتاح من إيدي.
كنت مترددة.
لكن في الآخر حطيته في القفل.
تك.
الدرج اتفتح.
في البداية ماشفناش غير بطانية قديمة.
شلتها ببطء.
تحتها كان فيه صندوق خشب صغير.
الصندوق عليه قفل تاني.
بصيت لعماد.
قال
افتحيه.
بالمفتاح ده؟
هز راسه.
دخلت المفتاح.
تك.
الصندوق اتفتح.
جواه كان فيه ظرف قديم جدًا، وكام صورة، ومفتاح أكبر، وشريط تسجيل صغير.
لكن أكتر حاجة لفتت نظري
كانت ورقة مطوية ومكتوب عليها بخط أبويا
لو عماد رجع يبقى الوقت جه.
إيدي بدأت ترتعش.
فتحت الورقة.
كان مكتوب
أنا عارف إن اللي عملته زمان هيفضل يطارد أولادي بعدي. بس كان عندي سبب أخفي الحقيقة.
أحمد قرب مني
كملي.
كملت القراءة
الأرض مش هي القضية الحقيقية.
وقفت.
بصيت لأحمد.
وبعدين كملت
القضية الحقيقية هي مين كان له حق فيها من البداية.
سامح قال
يعني إيه؟
قلبت الورقة.
في ظهرها كان فيه رسم بسيط لمبنى قديم، وتحت الرسم عنوان.
العنوان كان لمخزن في المنطقة الصناعية.
نفس المخزن اللي كنا فيه قبل كده.
أحمد قال
مستحيل
عماد وقف فجأة.
لازم نمشي من هنا.
سامح استغرب
دلوقتي؟
عماد بص ناحية الشباك.
أيوه.
ليه؟
قال وهو بيشد الملف لصدره
لأن لو هما عرفوا إن الصندوق اتفتح
سكت.
ثم سمعنا صوت عربية وقفت قدام البيت.
نور العربية انعكس على الحيطة.
وبعدها باب عربية اتقفل.
ثم باب تاني.
عماد قرب من الشباك، وبص من فتحة صغيرة في الستارة.
وشه اتغير.
أحمد سأله
مين؟
عماد ما ردش.
فضل باصص ثواني.
وبعدين قال
الشخص اللي كنت خايف يرجع.
أحمد قرب منه
مين؟
عماد أخيرًا بصله.
محمود فؤاد.
سامح اتصدم
محمود؟!
عماد هز راسه.
أيوه بس المرة دي مش جاي لوحده.
في اللحظة دي
سمعنا خبط على الباب.
خبطتين بس.
وبعدين صوت راجل من بره
افتحوا يا عماد.
سكت.
الصوت رجع
أنا عارف إن الصندوق معاكم.
عماد قرب مني وقال بهمس
مهما حصل متديش الصندوق لحد.
وبصلي مباشرة.
خصوصًا لو قالك إنه جاي يساعدك.
ثم جاءت الخبطة التالتة على الباب.
أقوى من الاتنين.
وأحمد مد إيده ناحية المقبض
لكن قبل ما يفتحه، موبايله اهتز برسالة جديدة.
فتحها.
وكان فيها صورة حديثة جدًا
لينا وإحنا واقفين جوه الأوضة.
وتحتها
لو فتحتوا الباب هتعرفوا ليه أمك هي المفتاح الحقيقي أحمد فضل باصص للموبايل، ومحدش فينا قدر يتكلم.
الصورة اللي اتبعتت كانت لينا من كام دقيقة بس.
يعني الشخص اللي بره
كان بيراقبنا.
سامح قال بسرعة
متفتحش الباب.
لكن عماد هز راسه.
لازم نفتحه.
بصيتله بخوف
إنت مجنون؟!
قال بهدوء
لأ. بس أنا عرفت أخيرًا هما عايزين إيه.
راح ناحية الباب وفتحه.
كان محمود فؤاد واقف ومعاه اتنين من رجال الأمن.
لكن المفاجأة إن محمود ما دخلش بعنف.
مد إيده بورقة وقال
أنا مش جاي آخد الصندوق.
أحمد رد بعصبية
أمال جاي ليه؟
محمود بص لعماد.
جاي أخلص اللي بدأته من سنين.
حط الورقة قدامنا.
كانت محضر رسمي وبلاغ عن تزوير مستندات ملكية، ومعاه صور للتحويلات والحسابات والشركات اللي استخدمت اسم أحمد.
سامح أخذ الورق، وبدأ يقلب فيه.
فجأة رفع عينه
كل التحويلات دي طالعة لحساب واحد!
محمود قال
بالضبط.
وسمّى الاسم.
الرجل اللي كان بيدير الشركة اللي داليا كانت بتتعامل معاها.
اتضح إنه كان بيستخدم عقود الملابس والشحنات كغطاء لتحريك مستندات قديمة بين شركات مختلفة، وكان هدفه الاستيلاء على حقوق الأرض بعد ما اكتشف وجود الصفقة القديمة.
أما موضوع الغسيل
فداليا كانت فعلًا بتشتغل في تجهيز ملابس للشقق المفروشة، من غير ما تعرف إن بعض الشحنات كان بيتحط وسطها مستندات تخص القضية.
لما اكتشفت، خافت وسكتت.
وده هو السبب اللي خلاها تتوتر كل مرة كانت بتشوف فيها الملابس دي.
أما الدفتر الأزرق
فكان الدليل اللي يثبت إن جدي دفع آخر قسط للأرض، وإن الورقة اللي بتقول إن المبلغ ما اتدفعش كانت مزورة.
لكن كان لسه سؤال واحد
وإنت يا عماد؟ ليه اختفيت كل السنين دي؟
عماد نزل عينه.
أنا غلطت.
سكت لحظة وقال
لما اكتشفت إن أبو أحمد كان بيحاول يصلح الموضوع، خفت. كنت فاكر إن اختفائي هيحميكم. لكن الحقيقة إني سيبتكم تواجهوا المشكلة لوحدكم.
وبعدين طلع شريط التسجيل.
شغلناه.
وصوت أبو أحمد ملأ الغرفة
لو التسجيل ده اتسمع، يبقى أنا متأكد إن الحقيقة ظهرت. أنا أخفيت المستندات لأن الشخص اللي كان بيهددنا وقتها كان قريب مننا جدًا ومش عايز أولادي يدخلوا في الموضوع.
ثم قال جملة خلتني أبكي
الأرض مش أهم من العيلة. لو اضطررتوا تختاروا، اختاروا بعض.
سكت التسجيل.
وبعد أيام من التحقيقات، تم توقيف المسؤول عن الشركة، وظهرت المستندات الأصلية، واتثبت التزوير.
أما الأرض، فبدأت إجراءات تسجيلها رسميًا باسم أصحاب الحق، وانتهت القضية اللي كانت مطاردة عيلتنا سنين طويلة.
داليا اعترفت بكل اللي كانت تعرفه، واعتذرتلي عن كل شنط الغسيل اللي كانت بترميها عندي.
ضحكت وقلت لها
خلاص يا داليا من النهارده الغسيل بتاعك هيتغسل في مكانه.
ضحكت وهي بتعيط
والله عمري ما هنسى وقفتك معايا.
وبعد ما كل حاجة هديت، دخلت أوضة أبويا.
بصيت للدولاب.
والدرج التالت.
كان فاضي.
لكن لأول مرة، ما حسيتش إنه بيخبي سر.
حسيت إنه أخيرًا
حرر الحقيقة.
أما عماد، فقرر يرجع يعيش قريب مننا.
وفي يوم وهو خارج من البيت، وقف عند الباب وقال
على فكرة في حاجة واحدة لسه معرفتكيهاش.
بصيتله باستغراب.
إيه؟
ابتسم وقال
الورقة اللي لقيتيها في الصندوق مش آخر ورقة.
اتجمدت مكاني.
يعني إيه؟
مد إيده بظرف صغير.
دي كانت متخبّية جوه ظهر الصندوق.
فتحت الظرف.
وكان جواه صورة قديمة لأبويا واقف جنب الأرض.
وخلفه لافتة عليها اسم المكان.
لكن المفاجأة الحقيقية
إن الصورة كانت متصورة قبل شراء الأرض بسنة كاملة.
وتحتها بخط أبويا
أنا ما اشتريتش الأرض دي أنا استرديتها.
بصيت لعماد.
لكنه كان ساكت.
لأننا الاتنين فهمنا في نفس اللحظة
إن حكاية الأرض القديمة يمكن تكون انتهت
لكن سر العيلة الحقيقي
لسه ما اتكشفش كله.