اخدت مراتى تكشف على حملها لزهرة الربيع
ما بقيتش شايف طلاقي من أميرة كأكبر خسارة في حياتي.
بقيت شايفه كدرس خلاني أفهم نفسي.
والأهم
إن الدرس ده خلاني أحافظ على بيتي الحالي.
بعد كام يوم، كنت قاعد مع مراتي وابني.
ابني سألني
بابا، هو الناس لما تختلف لازم تبعد عن بعض؟
بصيت له.
قلت
مش دايمًا.
طب تعمل إيه؟
قلت
تسمع الأول.
ولو ما اتفقوش؟
قلت
يحترموا بعض.
مراتي ابتسمت.
قلت له
واللي يمشي من حياتك، ما تفضلش طول عمرك تجري وراه عشان تثبت إنك كنت صح.
سأل
ليه؟
قلت
عشان الحياة قدامك، مش وراك.
وفي نفس اللحظة، رن موبايلي.
كانت رسالة من أميرة.
فتحتها.
المستشفى وافقت على البرنامج الجديد. وهنبدأ الأسبوع الجاي.
رديت
مبروك. ربنا يوفقك.
وبس.
قفلت الموبايل.
مراتي سألت
أميرة؟
قلت
أيوه.
أخبارها؟
قلت
كويسة.
وبعدين حطيت الموبايل على الترابيزة.
لأن الماضي لما يتحط في مكانه الصح
ما بيبقاش محتاج ياخد مساحة من الحاضر.
ومرت الأيام.
لكن بعد سنة كاملة، وأنا في حفل تخرج ابني من المدرسة، شفت شخصًا واقف بعيد.
شخص ما كنتش شوفته من يوم الطلاق.
والد أميرة.
ولما شافني، اتجه ناحيتي.
قال جملة واحدة
أبوك كان عايزك تسمع الحقيقة دي من زمان لكن يمكن دلوقتي هو الوقت المناسب.
بصيت له.
فقال
أميرة ما كانتش آخر شخص حاول يحافظ على جوازكم.
أبوك كان آخر شخص حاول يمنعكم من اتخاذ قرار وأنتم غضبانين.
سكت.
لكن المرة دي
ما سألتش عن الماضي.
لأني أخيرًا فهمت إن الحقيقة مش دايمًا بتغير النهاية.
أحيانًا
بس بتخلينا نتصالح معاها مرت سنين.
كبر ابني، ونجحت مراتي في شغلها، وأنا كمان اتغيرت تمامًا.
ما بقيتش أشوف نجاح اللي حواليا تهديد ليا، ولا بقيت أعتبر الاختلاف معناه إن حد ضدي.
أما أميرة، فاستمرت في شغلها ونجحت أكتر، وبقت من الأطباء المعروفين في مجالها.
علاقتنا فضلت في حدود الاحترام.
لا رجوع للماضي، ولا محاولات لتغيير اللي حصل.
كل واحد فينا اختار طريقه، وكمل فيه.
وفي يوم، كنت واقف في حفل تكريم ابني في المدرسة.
المذيع أعلن أسماء أولياء الأمور اللي ساهموا في برنامج التوعية المهنية.
وفجأة سمعت
الدكتورة أميرة...
رفعت عيني.
لقيتها على المسرح.
وبعدها ندهوا اسمي.
طلعت.
وقفنا جنب بعض، لكن كل واحد في مكانه.
المذيع قال
الاتنين شاركوا في برنامج بدأ بسبب مشكلة قديمة، وانتهى بتأسيس برنامج جديد لتدريب الشباب على التعامل مع ضغوط العمل والخلافات.
بصيت لأميرة.
قالت بهدوء
بعض التجارب الصعبة ممكن تتحول لدرس مفيد.
قلت
بشرط إننا نتعلم منها بدل ما نفضل عايشين فيها.
الجمهور صفق.
نزلنا من على المسرح.
ابني قرب مني وقال
بابا، أنت وأميرة أصحاب؟
ضحكت وقلت
إحنا اتعلمنا من بعض.
قال
يعني مش لازم الناس اللي بتختلف تكره بعض؟
قلت
أبدًا.
طب ليه اتطلقتوا؟
سكت لحظة، وبعدين قلت
عشان وقتها ما عرفناش نتكلم ونسمع بعض بالشكل الصح.
فكر شوية وقال
يعني ممكن الواحد يخسر حد عشان ما اتكلمش؟
قلت
ممكن.
وبعدين قلت له
عشان كده لما تكبر، لو زعلت من حد، اتكلم. ولو غلطت، اعترف. ولو اختلفت، احترم.
هز رأسه وقال
حاضر.
في طريق العودة، مراتي كانت ساكتة.
قلت لها
سرحانة في إيه؟
قالت
بفكر في أول مرة حكيتلي فيها عن أميرة.
ضحكت.
كنت شخص تاني خالص.
قالت
فعلًا.
وأنتِ؟
أنا كنت خايفة إن الماضي يفضل موجود بينا.
بصيت لها.
وأنا كنت خايف أكرر نفس أخطائي.
قالت
بس ما كررتهاش.
ابتسمت.
عشان المرة دي اتعلمت أسمع.
وصلنا البيت.
دخل ابني أوضته.
وقبل ما أنام، فتحت درج المكتب.
كان فيه صندوق والدي.
طلعته.
فتحت الغطاء.
كانت كل الأوراق القديمة لسه موجودة.
لكن فوقهم ورقة واحدة كتبتها من سنين
الماضي مش مكان نعيش فيه الماضي مكان نتعلم منه.
قفلت الصندوق للمرة الأخيرة.
وحطيته في آخر الدرج.
مش هروبًا منه.
لكن لأنني أخيرًا
ما بقيتش محتاج أرجع له.
وفي اللحظة دي فهمت الحقيقة اللي أخدت مني سنين
أنا في البداية رحت لأميرة عشان أثبت لها إنها خسرتني.
لكن اللي خسرته وقتها ما كانش شخصًا.
كنت خسرت فرصة أفهم نفسي.
واللي كسبته بعد سنين ما كانش رجوع للماضي.
كان بيتًا مستقرًا، وزوجة احترمتني، وابنًا علمني معنى المسؤولية، ودرسًا لن أنساه.
الحب وحده مش كفاية والنجاح وحده مش كفاية وحتى حسن النية مش كفاية.
اللي بيحافظ على أي علاقة هو
الصراحة، والاحترام، والقدرة على الاعتراف بالخطأ قبل ما يتحول الخطأ إلى نهاية.
ومن يومها، كل ما حد يسألني عن أصعب تجربة في حياتي، ما بقولش
طلاق.
بقول
اليوم اللي فهمت فيه إن الإنسان ممكن يكون مقتنع إنه صح وهو محتاج بس يسمع الطرف التاني.
ودي كانت آخر صفحة في حكايتي مع أميرة.
مش نهاية حب
ولا بداية رجوع.
لكن نهاية خصام طويل.
وبداية حياة اتعلمت أخيرًا أعيشها صح.