اخدت مراتى تكشف على حملها لزهرة الربيع
المحتويات
على إنه اختيار ضدك.
قالت
بالضبط.
سكتنا.
وبعدين قفلت الملف وقالت
خلاص يا أحمد.
خلاص؟
أيوه. مش لازم كل حقيقة قديمة يكون ليها هدف في الحاضر.
بصيت للملف.
وقلت
بس يمكن كان لازم نعرفها عشان نفهم نفسنا.
ابتسمت.
يمكن.
مشيت بعدها.
وأنا لأول مرة فهمت إن بعض النهايات مش معناها إن حد كسب وحد خسر.
أحيانًا النهاية بتكون مجرد نتيجة طبيعية لشخصين ما عرفوش يوصلوا لبعض في الوقت المناسب.
رجعت البيت.
مراتي كانت قاعدة مع ابني.
سألتني
الاجتماع كان كويس؟
قلت
كان فيه مفاجأة.
إيه؟
حكيت لها كل حاجة.
سمعتني للآخر، وبعدين قالت
عارف إيه الفرق بينك دلوقتي وبين زمان؟
قلت
إيه؟
قالت
زمان كنت هتخبي الموضوع عشان محدش يعرف إنك كنت بتحاول تصلح.
ودلوقتي؟
دلوقتي بتحكيلي.
ابتسمت.
وقالت
يبقى فعلًا اتغيرت.
في الليلة دي، رجعت للصندوق القديم.
طلعت الورقة.
وبصيت لها فترة طويلة.
وبدل ما أحطها مع باقي الأوراق، كتبت عليها
الحاجة اللي ما قلتهاش في وقتها علمتني إن النية الطيبة لوحدها مش كفاية. لازم الكلام يوصل في وقته.
ورجعتها مكانها.
لكن قبل ما أقفل الصندوق، لقيت ظرف صغير مستخبي تحت الأوراق.
ظرف عليه خط إيد أميرة.
ومكتوب عليه
لأحمد لو في يوم عرف الحقيقة.
اتجمدت.
لأني كنت متأكد إن الظرف ده
أنا عمري ما شفته قبل كده فضلت ماسك الظرف في إيدي ومش قادر أفتحه.
كان مكتوب عليه
لأحمد لو في يوم عرف الحقيقة.
قعدت على الكرسي، وفتحته بهدوء.
جواه ورقة واحدة.
بدأت أقرأ
أحمد،
لو الورقة دي وصلت لك، يبقى غالبًا عرفت إن طلب النقل اللي قدمته كان موجود، وعرفت إني أنا كمان كنت بحاول أغير ظروف شغلي.
بس فيه حاجة أهم لازم تعرفها.
في الأسبوع الأخير قبل الطلاق، أنا ما كنتش مستنية منك تسيب شغلك، ولا كنت عايزاك تغير حياتك عشاني.
كنت مستنية منك حاجة واحدة بس
إنك تقول لي إنك تعبت.
لأنك طول الوقت كنت بتقول إنك كويس، وأنا كنت بصدقك.
ولما كنت بشوفك متضايق، كنت بفتكر إنك زعلان مني، مش إنك محتاج مساعدة.
وأنا كمان غلطت.
كنت بقول لنفسي إنك لو بتحبني هتفهمني من غير ما أشرح.
وده كان غلط.
محدش بيقدر يفهم اللي جوه قلب شخص تاني من غير كلام.
لو إحنا افترقنا، فأنا مش عايزة تفضل شايل مني حاجة.
ولو كملنا كل واحد في طريقه، أتمنى نتعلم إن الصراحة مش ضعف.
أميرة.
خلصت القراءة.
فضلت ساكت.
ما كانش في الورقة اتهام.
ولا لوم.
ولا محاولة إنها تثبت إنها كانت صح.
كانت مجرد حقيقة بسيطة
إحنا الاتنين كنا محتاجين نتكلم، وما اتكلمناش.
دخلت مراتي الصالة، ولقتني ساكت.
قالت
لقيت إيه؟
ناولتها الورقة.
قريتها.
وبعدها قالت
هي عندها حق في حاجة.
إيه؟
إن الناس ساعات بتفتكر إن اللي بيحبها لازم يفهمها من غير كلام.
قلت
وأنا كنت واحد منهم.
قالت
كلنا ممكن نغلط.
حطيت الورقة على الترابيزة.
وقلت
أنا طول السنين اللي فاتت كنت بدور على السبب اللي خلاني أخسر زواجي الأول.
مراتي قالت
ولقيته؟
هزيت رأسي.
آه.
إيه؟
قلت
إني كنت فاكر إن المشكلة إن أميرة اختارت شغلها.
سكت لحظة.
لكن الحقيقة إن المشكلة كانت إني ما قلتلهاش أنا محتاج إيه، وهي ما قالتليش هي محتاجة إيه.
مراتي ابتسمت وقالت
يبقى ما تضيعش اللي عندك دلوقتي بنفس الطريقة.
الجملة دي خلتني أبص لها.
قلت
مش هعمل كده.
في اليوم التالي، رجعت المستشفى.
كنت محتاج أسلم الظرف لأميرة.
لقيتها في مكتبها.
حطيت الورقة قدامها.
قالت
قريتها؟
أيوه.
وزعلت؟
لأ.
استغربت.
قلت
بالعكس.
ليه؟
لأنها أكدتلي إن مفيش حد في قصتنا كان محتاج يبقى شرير عشان الجواز يفشل.
سكتت.
وبعدين قلت
إحنا بس اتأخرنا في الكلام.
قالت
يمكن.
ناولتها الظرف.
خليه عندك.
قالت
مش عايزه؟
قلت
لأ. دي حاجتك.
أخدته وحطته في درج مكتبها.
وبعدين قالت
أحمد، عندي طلب.
قولي.
بما إنك بقيت جزء من البرنامج التدريبي، عايزاك تتكلم مع الأطباء الجدد عن حاجة.
إيه؟
قالت
عن التواصل وقت الخلاف.
ضحكت.
أنا؟
قالت
أيوه، أنت بالذات.
ضحكت لأول مرة من قلبي.
دي كانت هتبقى فضيحة لو حكيت لهم قصتي.
قالت
مش محتاج تحكي القصة.
أمال أقول إيه؟
قالت
قول لهم إن أسوأ القرارات أحيانًا مش بتطلع من سوء النية بتطلع من حاجات الناس ما قالتهاش.
وافقت.
وفي اليوم المحدد، وقفت قدام الأطباء الشباب.
قلت
أنا مش هتكلم النهارده عن النجاح، ولا عن الشغل، ولا عن الإدارة.
وقفت لحظة.
هتكلم عن جملة صغيرة جدًا، لكنها ممكن تنقذ علاقة كاملة
أنا محتاج أتكلم.
القاعة سكتت.
كملت
ما تستناش الشخص اللي قدامك يخمن تعبك. وما تعتبرش سكوته دليل على إنه مش مهتم. اتكلموا قبل ما سوء الفهم يبقى قرار.
وأنا بتكلم، شفت أميرة واقفة في آخر القاعة.
ما قالتش حاجة.
بس ابتسمت.
وأنا لأول مرة ما حسيتش إن ابتسامتها معناها رجوع للماضي.
حسيت إنها مجرد علامة إن الدرس وصل.
بعد المحاضرة، خرجت من القاعة.
لقيت مراتي مستنياني بره.
اتصدمت.
إنتِ جيتي هنا؟
قالت
ابني قال إن بابا هيعمل محاضرة، فقولنا نيجي نشجعك.
بصيت لابني.
قال
أنت كنت شاطر يا بابا.
ضحكت.
وقتها فهمت إن حياتي ما كانتش محتاجة إني أرجع أصلح الماضي.
كانت محتاجة إني ما أكررهوش.
ومشيت معاهم ناحية العربية.
لكن وأنا بفتح الباب، وصلني اتصال من رقم المستشفى.
رديت.
الصوت قال
أستاذ أحمد، فيه موضوع جديد ظهر في الملف القديم ومحتاجين حضرتك تيجي ضروري.
سألت
موضوع إيه؟
قال
لقينا مستند باسمك لكن المستند ده بيكشف حاجة حصلت قبل زواجك من أميرة أصلًا.
سكت.
وقلت
أنا جاي.
قفلت المكالمة.
مراتي بصتلي وقالت
خير؟
بصيت لها وقلت
مش عارف.
لكن المرة دي، بدل ما أخاف من الحقيقة
كنت مستعد أسمعها للآخر وصلت المستشفى في اليوم التالي.
دخلت مكتب الإدارة، ولقيت مسؤول الملفات مستنيني.
حط قدامي ظرف بني قديم.
قال
المستند ده اتوجد أثناء مراجعة الأرشيف.
بصيت للظرف.
وإيه علاقته بيا؟
قال
اسمك موجود عليه، لكن تاريخه قبل ما تتجوز الدكتورة أميرة بسنين.
فتحت الظرف.
طلعت ورقة قديمة جدًا.
كانت عبارة عن طلب نقل وظيفي.
لكن المرة دي مش باسمي.
كان باسم والدي.
فضلت باصص للورقة وأنا مش فاهم.
قلت
بابا؟
قال المسؤول
أيوه.
بس إيه علاقة ده بالمستشفى؟
قال
والدك كان شغال هنا لفترة قصيرة قبل ما يسيب المكان.
قلبت الورقة.
وكان مكتوب فيها إنه اكتشف مشكلة في نظام حفظ الملفات، وقدم بلاغ رسمي عنها، وبعدها طلب نقله.
سألت
هو كان يعرف أميرة؟
لأ. حسب التواريخ، الدكتورة أميرة كانت لسه ما بدأتش شغل هنا.
اتنفست براحة.
لكن كان فيه ورقة تانية تحتها.
مسكتها.
كانت رسالة بخط والدي.
يا أحمد،
لو الورق ده وصل لك يومًا، اعرف إن فيه حاجة مهمة لازم تتعلمها.
ما تحكمش على الناس من تصرف واحد.
أنا زمان شفت ناس بتسكت، فافتكرتهم ضعفاء.
وبعد سنين اكتشفت إن بعضهم كان ساكت لأنه مستني الوقت المناسب للكلام.
وشفت ناس بتتكلم كتير، واكتشفت إن كلامهم ما كانش معناه إنهم على حق.
الحقيقة مش دايمًا بتظهر وقت الخلاف.
أحيانًا بتظهر بعد ما الخلاف يخلص.
ولو قابلت في حياتك شخص مختلف عنك، ما تحاولش تغيره لمجرد إنك مش فاهمه.
حاول تفهمه الأول.
وقفت عند آخر سطر.
لأن الكلمات دي كانت شبه كل اللي حصل بيني وبين أميرة.
سألت مسؤول الملفات
ليه الورقة ظهرت دلوقتي؟
قال
لأن الأرشيف القديم بيتراجع بعد التحقيق الأخير.
بصيت للورقة.
وقلت
يعني الموضوع كله صدفة؟
قال
غالبًا.
خرجت من المكتب وأنا ماسك الرسالة.
وأول شخص فكرت فيه كان أمي.
رجعت البيت وسألتها
ماما، بابا كان حكى لك قبل كده عن المشكلة اللي حصلت في المستشفى؟
وشها اتغير.
قالت
ليه بتسأل؟
لقيت ورقة بخطه.
سكتت فترة.
وبعدين قالت
أبوك كان شايل الورق ده سنين.
ليه؟
لأنه كان شايف إن الموضوع انتهى.
وهو كان متضايق؟
قالت
جدًا.
سألتها
طب ليه ما حكيليش؟
قالت
لأنه كان بيقول دايمًا مش عايز ابني يتعلم مني إنه يفضل عايش في الماضي.
الجملة وقعت عليّ بقوة.
قعدت جنبها.
وقلت
يمكن عشان كده أنا أخدت وقت طويل عشان أفهم.
قالت
تفهم إيه؟
قلت
إن الماضي مش بيتصلح بإعادة عيشه.
في اللحظة دي، ابني دخل علينا وقال
بابا، أنت وعدتني نروح نشتري الدراجة.
بصيت له.
ابتسمت.
قلت
عندك حق. يلا.
وأنا خارج معاه، حطيت رسالة والدي في جيبي.
مش عشان أعيش على كلامه.
لكن عشان أفتكر إن كل جيل ممكن يتعلم من أخطاء اللي قبله.
وفي الطريق، ابني سألني
بابا، أنت ليه مبتسم؟
قلت
عشان افتكرت حاجة مهمة.
إيه؟
قلت
إن أحسن وقت تصلح فيه حياتك هو دلوقتي.
ضحك وقال
طب يلا نجيب الدراجة الأول!
ضحكت.
ماشي.
وصلنا المحل.
وأنا بختار له الدراجة، رن موبايلي.
كانت أميرة.
رديت
أيوه؟
قالت
أحمد، وصلتني معلومة عن المستند اللي ظهر النهارده.
إيه المعلومة؟
قالت
المستند مش مجرد ورقة قديمة.
سكت.
فيه اسم تاني مكتوب عليه.
اسم مين؟
قالت
اسم الشخص اللي كان مسؤول عن الملف وقتها.
سألتها
وده معناه إيه؟
قالت
معناه إن المشكلة اللي والدك اكتشفها زمان ممكن تكون مرتبطة بنفس الخطأ الإداري اللي ظهر في التحقيق الأخير.
بصيت لابني.
وبعدين للورقة اللي في إيدي.
وفهمت إن القضية اللي كنت فاكرها مجرد صفحة من تاريخ والدي
يمكن تكون في الحقيقة أول خيط في حكاية بدأت من سنين طويلة.
والسؤال اللي بقى قدامي كان واحد
مين كان بيحاول يخفي الحقيقة كل السنين دي؟تاني يوم، رجعت للمستشفى بدري.
أميرة كانت مستنياني في غرفة الملفات.
قدامها كان فيه ثلاث ملفات قديمة.
قالت
راجعت التواريخ.
وطلع إيه؟
أشارت لأول ملف.
ده ملف والدك.
ثم أشارت للثاني.
ده ملف التحقيق القديم.
وبعدين الثالث.
وده ملف اتفتح الأسبوع اللي فات.
بصيت لهم.
إيه الرابط؟
قالت
نفس التوقيع ظهر في التلاتة.
قربت من الورق.
كان اسم موظف إداري قديم اسمه كمال منصور.
قلت
مين ده؟
كان مسؤول الأرشيف زمان.
ولسه شغال؟
هزت رأسها.
لأ. خرج على المعاش من سنين.
قلت
طب نوصله إزاي؟
قالت
الإدارة قدرت توصل لعنوانه.
بعد ساعات، كنا قاعدين قدام رجل كبير في السن.
أول ما شاف اسم والدي، سكت فترة طويلة.
قلت
حضرتك كنت تعرف والدي؟
قال
أيوه.
وكان فيه مشكلة في الملفات؟
تنهد.
كان فيه مشكلة أكبر من كده.
أميرة سألت
إيه؟
قال
وقتها كان فيه نظام جديد لحفظ التقارير. حصلت أخطاء كتير، وبعض الموظفين كانوا بيعدّلوا البيانات بدل ما يعترفوا إن النظام فيه خلل.
سألته
ووالدي؟
أبوك اكتشف الموضوع.
وعمل إيه؟
بلغ الإدارة.
وبعدين؟
خفض عينيه.
طلبوا منه يسكت.
اتوترت.
وسكت؟
هز رأسه.
لأ.
أميرة سألت
وعشان كده طلب نقله؟
أيوه.
قلت
طب ليه اسمه ظهر تاني في الملف الحالي؟
قال
لأن نفس المشكلة رجعت بشكل مختلف بعد سنين.
سألته
ومين كان مسؤول وقتها؟
رفع عينيه وقال اسمًا جعلني أتجمد.
مدير الإدارة الحالي.
بصيت لأميرة.
قالت
أنت متأكد؟
قال
أنا مش هتهم حد من غير دليل. لكن عندي دفتر قديم فيه كل التعليمات اللي كانت بتوصل لنا.
قام ببطء، ودخل غرفة تانية.
رجع بدفتر بني مهترئ.
حطه قدامنا.
خدوه.
فتحته.
كل صفحة كانت فيها تاريخ وتعليمات وتوقيعات.
وفي آخر صفحة
كان فيه توقيع المدير الحالي.
أميرة قالت
لازم نسلم الدفتر للجهة المختصة.
قلت
طبعًا.
قبل ما نمشي، الرجل قال
فيه حاجة تانية.
لفينا له.
قال
أبوك كان عارف إن الموضوع ممكن يكبر.
سألته
ليه ما قالليش؟
قال
لأنه كان خايف عليك.
سكت.
وأضاف
قال لي وقتها ابني صغير، ومش عايزه يدخل في مشكلة مالوش ذنب فيها.
خرجت من عنده وأنا ساكت.
في العربية، أميرة قالت
أنت كويس؟
قلت
لأول مرة أفهم ليه بابا كان دايمًا يقول لي ما تدخلش في مشاكل الشغل.
قالت
كان بيحميك.
قلت
وأنا طول عمري فاكر إنه كان بيهرب من المشاكل.
وصلنا المستشفى وسلمنا الدفتر رسميًا.
وبعد أيام، بدأت التحقيقات.
لكن المفاجأة الحقيقية ظهرت لما استدعوا المدير الحالي.
في البداية أنكر كل شيء.
وبعدين قدموا له نسخة من الدفتر.
أول ما شاف توقيعه
سكت.
وبعد ساعات من التحقيق، اعترف إن بعض الإجراءات القديمة استمرت بشكل غير قانوني، وإنه كان عارف إن فيه خلل لكنه سكت خوفًا من تحميل المسؤولية للإدارة.
القضية اتقفلت بعد إثبات المسؤوليات، من غير ما يتم اتهام أي شخص لمجرد وجود اسمه في الأوراق.
وأميرة خرجت من التحقيق من غير أي شبهة.
أما أنا
فكنت واقف قدام مبنى المستشفى وبفكر في والدي.
اتصلت بأمي.
قلت
ماما، بابا كان شجاع.
قالت
عرفت ده دلوقتي؟
ضحكت.
أيوه.
قالت
أبوك عمره ما كان بيحب يثبت إنه صح. كان بيحب يعمل الصح ويمشي.
قفلت المكالمة.
بصيت للمستشفى.
وبعدين لأميرة.
قلت
يمكن دي كانت آخر حاجة ناقصة عشان أفهم الماضي.
قالت
فهمته؟
قلت
أيوه.
وإيه اللي فهمته؟
قلت
إن مش كل اللي بيبعد عنك بيكون ضدك ومش كل اللي بيختلف معاك بيكون عدوك.
ابتسمت وقالت
دي أهم نتيجة.
رجعت البيت في نفس اليوم.
فتحت صندوق والدي.
وحطيت رسالته القديمة جوه.
وفوقها كتبت
أخيرًا فهمت قصدك يا أبي.
قفلت الصندوق.
وفي اللحظة دي، قررت إني مش هخلي الماضي يحدد حياتي بعد كده.
لا الماضي مع أميرة
ولا الماضي مع والدي
ولا أي خطأ حصل قبل كده.
لكن وأنا خارج من الغرفة، سمعت صوت إشعار على موبايلي.
رسالة من أميرة.
فتحتها.
كان مكتوب
أحمد، فيه حاجة ما قلتهاش لك عن اليوم اللي اتطلقتوا فيه ودي المرة دي مش حاجة تخصني أنا.
وقفت مكاني.
لأن الجملة دي معناها إن لسه فيه سر أخير
سر ممكن يغير فهمي لآخر يوم في زواجنا بالكامل بصيت لوالد أميرة وقلت
يعني إيه أبويا كان آخر شخص حاول يمنعنا من القرار؟
تنهد وقال
لأن والدك قابلني قبل الطلاق بيوم.
اتصدمت.
قابل حضرتك؟
أيوه.
وقال لك إيه؟
قال
قال لي أنا مش جاي أطلب منك تتدخل. أنا جاي أقولك إن بنتك وأحمد الاتنين متوترين، وكل واحد فيهم شايف إن التنازل عن رأيه معناه إنه خسر.
سكت لحظة.
وقال لي جملة ما نسيتهاش.
إيه؟
قال
لو الاتنين دخلوا المحكمة وهما غضبانين، ما تخلوش غضبهم ياخد القرار بدلهم.
سألته
وإنت عملت إيه؟
قال
حاولت أكلم أميرة.
وأنا؟
والدك حاول يكلمك.
ابتسم بحزن.
لكن أنتم الاتنين كنتوا خلاص وصلتوا لمرحلة إن كل كلمة من أي حد كانت بتتفسر إنها ضغط.
فضلت ساكت.
قال
أبوك في الآخر قال لي لو اختاروا يكملوا، ربنا يوفقهم. ولو اختاروا ينفصلوا، لازم نحترم قرارهم.
نظرت للأرض.
كل السنين اللي فاتت وأنا فاكر إن الكل سابني وقتها.
طلع العكس.
الناس حاولت تساعد
وأنا كنت مش قادر أسمع.
قال والد أميرة
بعد الطلاق، بنتي ما اتكلمتش عنك بسوء قدامي.
قلت
وأنا كمان ما كنتش عايز أتكلم عنها بسوء.
ابتسم.
عشان كده يمكن النهاية كانت أهدى من البداية.
في اللحظة دي، سمعت صوت ابني
بابا!
لفيت.
كان واقف بعيد مع والدته.
قال
يلا عشان الصورة.
قلت
جاي.
قبل ما أمشي، والد أميرة قال
أحمد.
لفيت.
أيوه؟
قال
لو أبوك كان موجود، كان هيبقى مبسوط إنك فهمت.
ابتسمت.
وأنا كمان كنت أتمنى يسمعني وأنا بقول له فهمت.
مشيت ناحية عيلتي.
وقفت بينهم.
والصورة اتاخدت.
وأنا ببص للكاميرا، حسيت إن حياتي كلها عدت قدامي في ثانية
الزواج
الخلاف
الطلاق
محاولة إثبات نفسي
الزيارة اللي أخدت فيها مراتي للدكتورة أميرة عشان أغيظها
الملفات القديمة
رسالة والدي
والحقيقة اللي ظهرت بعد سنين.
وفهمت إن أكبر خطأ عملته ما كانش إني اتطلقت.
أكبر خطأ كان إني دخلت الزواج الأول وأنا فاكر إن الحب وحده كفاية.
وبعدها دخلت الزواج الثاني وأنا فاكر إن النجاح معناه إن حد يكسب وحد يخسر.
لكن الحياة علمتني إن مفيش أسرة بتعيش بالانتصارات.
الأسرة بتعيش بالكلام الصريح، والاحترام، والقدرة على الاعتراف بالخطأ.
بالليل، بعد ما ابني نام، طلعت صندوق والدي.
فتحت الصندوق.
كانت فيه كل الأوراق القديمة.
لكن المرة دي ما قريتش حاجة.
أخدت ورقة جديدة وكتبت
إلى أبي
كنت فاكر إنك سكت لأنك ما كنتش عارف تعمل حاجة.
دلوقتي فهمت إنك سكت لأنك كنت بتحاول تسيب لي حق الاختيار.
يمكن ما قدرتش تنقذ جوازي، لكنك علمتني إزاي ما أخسرش نفسي ولا الناس اللي في حياتي بسبب العند.
وأخيرًا فهمت الدرس.
حطيت الورقة في الصندوق.
قفلت الصندوق.
ومن اليوم ده، ما رجعتش أفتحه.
مش لأن الماضي اتنسى.
لكن لأنه أخيرًا
اتحط في مكانه الصحيح.
وبعد سنين، لما ابني كبر وسألني
بابا، إيه أهم قرار أخدته في حياتك؟
بصيت له وقلت
إني اتعلمت أسمع قبل ما أحكم.
قال
بس ده قرار؟
ابتسمت.
أيوه وأحيانًا قرار صغير زي ده، ممكن يغير عمر كامل.
وبصيت لمراتي.
فهمت إن الحياة ما ادتنيش فرصة أرجع أصلح الماضي.
لكنها ادتني حاجة أهم
فرصة ما أكررش نفس الغلط.
ومن هنا
بدأت حياتي الحقيقية اتصلت بأميرة فورًا.
إيه اللي ما قلتيهوش؟
قالت
مش هينفع في التليفون.
طب أجيلك؟
أيوه.
روحت لها في اليوم التالي.
دخلت مكتبها، ولقيتها حاطة قدامها ملف قديم.
قالت
الملف ده كان موجود في أرشيف المستشفى، وظهر أثناء التحقيق الأخير.
فتحته.
أول ورقة كانت بتاريخ يوم طلاقنا.
بصيت لها.
إيه ده؟
قالت
في اليوم ده، قبل ما تروح المحكمة، حصل موقف أنت ما كنتش تعرفه.
سألتها
إيه؟
قالت
والدك جه المستشفى.
اتجمدت.
بابا؟
هزت رأسها.
أيوه.
ليه؟
قالت
جه يقابلني.
سكت.
وقال لك إيه؟
فتحت ورقة من الملف.
قال لي أحمد فاكر إنك مش عايزة تصلحي حياتكم، لكن الحقيقة إنه هو كمان بيحاول يصلح حاجات من غير ما يقول.
بصيت لها.
كان عارف موضوع طلب النقل؟
أيوه.
وإنتِ كنتِ عارفة؟
عرفت منه في اليوم ده.
قلبي دق بسرعة.
طب ليه ما قلتيليش؟
قالت
لأن والدك طلب مني حاجة.
إيه؟
قالت
قال لي لو أحمد اختار الطلاق، ما تحاوليش تمنعيه.
سكت.
وبعدين قال جملة تانية.
إيه؟
فتحت الورقة وقرأت
سيبيه يقرر بنفسه، عشان لو فضل، يبقى فضل وهو فاهم، مش عشان حد ضغط عليه.
فضلت ساكت.
قالت أميرة
والدك كان شايف إننا الاتنين بنضغط على بعض من غير ما نقصد.
قلت
وإنتِ وافقتيه؟
قالت
أيوه.
ليه؟
لأني كنت عارفة إنك لو فضلت، لازم تفضل بإرادتك.
نزلت عيني.
فجأة افتكرت آخر يوم.
أنا كنت فاكر إن أميرة ما حاولتش تتمسك بالجواز.
لكن الحقيقة
إنها كانت بتحترم قراري حتى وهي شايفة إن القرار ممكن يكون غلط.
قلت
وإنتِ ليه ما قلتيليش كل ده بعدها؟
قالت
لأن بعد الطلاق، كل واحد فينا كان محتاج يعيش حياته من غير ما يفضل متعلق بالماضي.
سكتنا فترة طويلة.
وبعدين قلت
يعني بابا كان عارف إننا ممكن ننفصل؟
أيوه.
وكان شايف إن القرار مش لازم يتراجع؟
قالت
كان شايف إن أي قرار لازم يتحمل صاحبه نتيجته.
بصيت للملف.
فهمت فجأة إن والدي ما كانش بيحاول ينقذ جوازنا بأي تمن.
كان بيحاول يعلمني حاجة أهم
إنك ما ينفعش تعيش حياتك بقرار اتاخد خوفًا من خسارة شخص.
خرجت من عند أميرة.
وقبل ما أمشي، قلت
شكرًا إنك قلتيلي.
قالت
كان لازم تعرف.
رجعت البيت.
دخلت أوضة والدي القديمة.
وقفت قدام صورته.
وقلت
فهمتك أخيرًا.
وبعدين ابتسمت.
بس كان ممكن تقولها لي بشكل أبسط!
ضحكت لوحدي.
ومن يومها،
متابعة القراءة