اخدت مراتى تكشف على حملها لزهرة الربيع

لمحة نيوز

أقوى نهاية إنك تقدر تفتكره من غير وجع.
ومن يومها، ما بصيتش ورايا تاني.
لأن المرة دي
كنت أخيرًا راضي عن الطريق اللي اخترته لكن اللي حصل بعد كده بشهر واحد، خلاني أفتكر إن بعض الحكايات بتفضل محتاجة كلمة أخيرة
كنت في البيت، وابني بيلعب قدامي، لما جالي اتصال من رقم غريب.
أستاذ أحمد؟
أيوه.
أنا من المستشفى، والدكتورة أميرة طلبت إننا نوصل لحضرتك رسالة.
اتوترت.
رسالة إيه؟
قال
هي مسافرة فترة طويلة في بعثة طبية، وقبل سفرها سلمتنا ظرف وقالت لو قابلنا حضرتك نوصلّهولك.
بعد ما قفلت، فضلت مستغرب.
تاني يوم استلمت الظرف.
فتحته، ولقيت جواه صورة قديمة من أيام زواجنا، ومعاها ورقة واحدة.
بدأت أقرأ
يا أحمد
لو وصلت لك الرسالة دي، فغالبًا أنا بدأت مرحلة جديدة من حياتي.
مش بكتبلك عشان أفتح الماضي، ولا عشان أقولك إنك كنت غلطان وأنا كنت صح.
أنا بس حبيت أقولك حاجة اتأخرت جدًا في فهمها.
إحنا الاتنين كنا بنحب بعض، لكن الحب لوحده مش كفاية.
لازم معاه احترام، وتفاهم، ومساحة لكل واحد يعيش حياته من غير ما يحس إنه بيهدد التاني.
وأنا أتمنى إنك ما تنساش الدرس ده.
مش عشاني
عشان بيتك الحالي، وعشان ابنك.
فضلت ساكت بعد ما خلصت القراءة.
مراتي كانت واقفة بعيد، ولما شافتني قالت
خير؟
ناولتها الرسالة.
قريتها، وبعدين قالت
واضح إنها كانت عايزة تقفل الصفحة بطريقة محترمة.
قلت
وأنا كمان.
طويت الرسالة وحطيتها في درج مكتبي.
مش احتفاظًا بالماضي
لكن تذكرة بالدرس.
مرت الأيام، وسافرت أميرة فعلًا.
وبعد فترة، وصلني خبر إنها شاركت في برنامج طبي لعلاج الحالات الصعبة في مناطق محتاجة.
المرة دي ما حسيتش بغيرة.
بالعكس.
كنت فخور إن الإنسانة اللي عشت معاها يومًا قدرت تكمل طريقها.
وفي نفس الوقت، كنت شايف مراتي بتبني طريقها هي كمان.
ساعتها فهمت الحقيقة اللي ما عرفتش أفهمها وأنا متجوز أميرة
مش لازم الزوجة تتخلى عن طموحها عشان تثبت إنها بتحب زوجها، ومش لازم الزوج يتنازل عن كرامته عشان يثبت إنه بيحب زوجته.
الاتنين محتاجين يتعلموا يعيشوا جنب بعض من غير ما واحد يلغي التاني.
وبعد سنين، ابني سألني مرة
بابا، هو أنت كنت تعرف الدكتورة أميرة من زمان؟
بصيت له وابتسمت.
وقلت
أيوه.
وكانت مهمة في حياتك؟
سكت لحظة.
ثم قلت
كانت سبب إني أتعلم درس مهم جدًا.
إيه هو؟
بصيت لأمه، وبعدين رجعت أبص له
إن الإنسان ما يحكمش على حد من موقف واحد، وما يحاولش يكسب معركة ويخسر حياته.
ضحك ورجع يلعب.
وأنا فضلت مكانى أفكر في أول يوم دخلت فيه عيادة أميرة.
دخلتها وأنا عايز أشوف الندم في عينيها.
وخرجت منها وأنا شايل درس عمري كله.
ومن ساعتها عرفت
إن بعض الناس ما بيكونوش موجودين في حياتنا عشان يكملوا الطريق معانا.
بيكونوا موجودين عشان يعلمونا إزاي نمشي الطريق صح بعد ما يفترقوا عننا.
ودي كانت نهاية حكايتي مع أميرة وبداية حياتي الحقيقية مع نفسي ومع أسرتي بعد خمس سنين، كنت فاكر إن حكاية أميرة بقت مجرد ذكرى قديمة.
ابني كبر، ومراتي بقت ناجحة في شغلها، وأنا بقيت شخص مختلف تمامًا.
في يوم، وإحنا قاعدين على العشاء، ابني قال
بابا، المدرسة عايزة تعمل يوم مهني، وماما قالت إنك ممكن تحكي للطلبة عن شغلك.
وافقت.
وفي اليوم المحدد، دخلت المدرسة، وفوجئت إن من ضمن الضيوف دكتورة أميرة.
كانت جاية تتكلم عن مهنة الطب.
لما شافتني، ابتسمت وقالت
واضح إن الدنيا مصممة تجمعنا في نفس الأماكن.
ضحكت.
بس المرة دي من غير سونار.
ضحكت هي كمان.
بدأ اليوم، وكل واحد فينا قدم كلمته.
وفي نهاية اللقاء، سألتنا طالبة صغيرة
إيه أهم حاجة اتعلمتوها من شغلكم وحياتكم؟
بصيت لأميرة.
هي بصتلي.
وسكتنا ثواني.
وبعدين قلت
إن النجاح مش معناه إنك تبقى أحسن من غيرك.
أميرة كملت
وإن الإنسان لازم يعرف يحافظ على حياته وعلاقاته وهو بيحقق طموحه.
الطالبة ابتسمت.
وانتهى اللقاء.
وأنا خارج، لقيت ابني مستنيني.
قال
بابا، أنت والدكتورة أميرة أصحاب؟
ضحكت وقلت
إحنا ناس عرفنا بعض من زمان، وكل واحد فينا كمل طريقه.
قال
يعني مش زعلانين من بعض؟
بصيت لأميرة من بعيد، وبعدين قلت
لأ.
لأن الزعل لو فضل سنين، بيتحول لحمل الإنسان هو اللي بيشيله.
أما إحنا، فاختارنا نسيب الماضي مكانه.
وأنا راجع البيت، اتصلت بمراتي وقلت لها
عايز أقولك حاجة.
قالت
قول.
قلت
أنا النهارده فهمت إن أكتر قرار صح خدته في حياتي مش إني اتجوزت تاني
ضحكت وقالت
أمال إيه؟
قلت
إني اتعلمت أخيرًا إزاي أحترم الإنسان اللي معايا، من غير ما أطلب منه يتخلى عن نفسه.
سكتت لحظة وقالت
الحمد لله إنك اتعلمت.
قفلت المكالمة وأنا مبتسم.
وبصيت من شباك العربية للطريق قدامي.
الماضي كان ورايا.
المستقبل قدامي.
ولأول مرة، ما كانش عندي أي رغبة إني أرجع خطوة واحدة.
لأنني أخيرًا فهمت
مش كل نهاية معناها خسارة أحيانًا النهاية بتكون أول مرة الإنسان يعرف يعيش صح عدت البيت في اليوم ده وأنا فاكر إن كل شيء انتهى.
لكن أول ما دخلت، لقيت مراتي قاعدة وفي إيدها ظرف.
قالت
الظرف ده جالك من المستشفى.
اتوترت.
مستشفى إيه؟
قالت
مستشفى أميرة.
فتحت الظرف، ولقيت جواب رسمي.
قرأت أول سطر، واتصدمت
نرجو حضور السيد أحمد بصفته أحد الشهود في واقعة قديمة تخص ملف الدكتورة أميرة.
فضلت واقف مكاني.
أنا ما كنتش فاهم أي حاجة.
اتصلت بالمستشفى، وقالولي إن الموضوع متعلق بحالة طبية قديمة حصلت في الفترة اللي كنا متجوزين فيها.
روحت في اليوم التالي.
دخلت مكتب الإدارة، وكان فيه مسؤول ومعاه ملف كبير.
قال لي
قبل ما نبدأ، لازم تعرف إن الدكتورة أميرة رفضت تتدخل في الموضوع بنفسها، لأنها شايفة إن شهادتك أنت أهم.
قلت
شهادتي في إيه؟
فتح الملف.
كانت المفاجأة إن فيه تقرير قديم يثبت إن أميرة في آخر فترة من زواجنا كانت بتشتغل لساعات طويلة جدًا مش لأنها كانت بتحب الشغل على حساب بيتها، لكن بسبب نقص شديد في عدد الأطباء.
والأغرب
إنها كانت قدمت طلب نقل لقسم أقل ضغطًا.
لكن الطلب اترفض.
أنا فضلت ساكت.
كل السنين دي وأنا شايل جوايا غضب بسبب قرار كنت فاكر إنها أخدته بمزاجها.
طلع إن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
المسؤول قال
الدكتورة أميرة احتفظت بكل المستندات، لكنها ما استخدمتهاش ضدك.
سألته
ليه؟
رد
لأنها قالت إن الموضوع انتهى، ومش عايزة تستخدم شغلها أو مستندات المستشفى عشان تثبت إنها كانت على حق في زواج انتهى.
خرجت من المستشفى وأنا مش قادر أرفع عيني.
اتصلت بأميرة.
ردت بعد ثواني
أيوه يا أحمد؟
قلت
ليه ما قولتيليش؟
قالت
كنت هتصدقني وقتها؟
سكت.
قالت
أنت كنت شايف إن شغلي هو السبب في كل حاجة، وأنا كنت شايفة إنك مش مستعد تسمعني.
قلت
كان لازم أحاول أكتر.
قالت
وأنا كمان.
ثم سكتنا.
وبعد لحظة قالت
خلاص يا أحمد.
خلاص؟
أيوه. مش كل حقيقة لازم تغير الماضي. أحيانًا الحقيقة بس بتخلينا نتصالح معاه.
الكلمة دي فضلت في دماغي.
رجعت البيت.
مراتي كانت مستنياني.
قالت
عرفت الحقيقة؟
قلت
أيوه.
وزعلت؟
بصيت لها وقلت
زعلت من نفسي أكتر ما زعلت من أي حد.
قالت
يبقى خليك أحسن من الشخص اللي كنت عليه.
ابتسمت.
وفي الليلة دي، فتحت الدرج وطلعت كل الأوراق القديمة.
ورقة الرسالة.
صورة الزواج.
تقارير المستشفى.
وقعدت أبص لهم.
وبعدين حطيتهم في صندوق واحد، وكتبت عليه
درس مش ندم.
قفلت الصندوق.
ومن اليوم ده، ما عدتش أتكلم عن أميرة باعتبارها المرأة اللي طلقتني.
بقيت أفتكرها باعتبارها الإنسانة اللي شاركتني جزء من عمري، وخلتني أتعلم درسًا ما كنتش هتعلمه بسهولة.
أما حياتي الحالية
فكانت محتاجة مني أعيشها، مش أفضل واقف عند باب الماضي.
وفي صباح اليوم التالي، صحيت على صوت ابني
بابااا اصحى!
ضحكت وقلت
حاضر يا بطل.
قمت من السرير، وخرجت له.
وساعتها عرفت إن دي هي الحياة اللي لازم أركز فيها.
مش اللي راحت
لكن اللي لسه قدامي بعد كام أسبوع، حصلت حاجة ما كنتش متوقعها خالص.
كنت في الشغل، وفجأة جالي اتصال من رقم غريب.
أستاذ أحمد؟
أيوه.
أنا من النيابة الإدارية، وعايزين حضرتك تحضر بخصوص مستندات تخص المستشفى اللي كانت بتشتغل فيه الدكتورة أميرة.
قلبي اتقبض.
قلت
مستندات إيه؟
فيه تحقيق اتفتح في موضوع قديم، واسم حضرتك موجود كشاهد.
روحت في الموعد.
دخلت، لقيت ملف كبير قدامي.
المحقق قال
الموضوع مش متعلق بالدكتورة أميرة كشخص. بالعكس، هي اللي قدمت المستندات اللي ساعدت في كشف المخالفة.
استغربت.
مخالفة إيه؟
قال
فيه مجموعة تقارير قديمة اتغيرت بياناتها، وكان فيه ضغط على بعض الأطباء إنهم يسكتوا.
فتحت الملف.
لقيت توقيعات وتقارير وتواريخ.
وكان من ضمنها التقرير اللي كانت أميرة كتبته في الفترة اللي كنا متجوزين فيها.
سألت
وهي كانت تعرف؟
قال
عرفت بعد سنوات، ولما اكتشفت الموضوع قدمت كل اللي عندها.
خرجت وأنا لأول مرة أحس إن الست اللي كنت فاكرها زمان سبب مشاكل حياتي
كانت في الحقيقة بتحاول تصلح مشكلة أكبر منها.
اتصلت بيها.
أميرة، أنا عرفت اللي حصل.
قالت بهدوء
وعرفت إيه؟
إنك كنتِ بتواجهي مشكلة في المستشفى وإحنا متجوزين.
أيوه.
ليه ما حكيتيليش؟
ضحكت ضحكة قصيرة وقالت
حكيتلك.
سكت.
بس أنت وقتها كنت سامع حاجة واحدة بس أميرة بتحب شغلها أكتر مني.
ما لقيتش رد.
قالت
عشان كده يا أحمد، ساعات المشكلة مش في قلة الكلام المشكلة في إن كل واحد بيسمع اللي يوافق خوفه.
الكلام وجعني.
لكن المرة دي ما حاولتش أبرر.
قلت
عندك حق.
سكتت شوية وبعدين قالت
المهم إن الموضوع اتصلح.
قلت
وإنتِ؟
أنا بخير.
كويس.
وقفلنا المكالمة.
رجعت البيت، ولقيت مراتي بتجهز العشاء.
بصتلي وقالت
شكلك سرحان.
قلت
افتكرت حاجة قديمة.
قالت
وخلصت؟
ابتسمت.
أيوه.
قالت
يبقى اقعد وكل.
قعدت.
وفي اللحظة دي، فهمت حاجة مهمة جدًا
الإنسان ممكن يقضي سنين يحاول يثبت إنه كان مظلوم، وفي الآخر يكتشف إن الأهم مش مين كان صح ومين كان غلط.
الأهم إنك ما تكررّش نفس الغلط مع الشخص اللي موجود جنبك دلوقتي.
ومن اليوم ده، كل ما يحصل خلاف بيني وبين مراتي، كنت أفتكر جملة أميرة
كل واحد بيسمع اللي يوافق خوفه.
فكنت أسمع للآخر للآخر.
مش عشان أكسب النقاش.
لكن عشان ما أخسرش الإنسان اللي قدامي بسبب سوء فهم ممكن يتصلح بكلمتين.
وبعد فترة، وصلتني رسالة من أميرة.
فتحتها.
كان فيها سطر واحد
أتمنى تكون اتعلمت الدرس اللي أنا اتعلمته متأخر.
ابتسمت.
وكتبت لها
اتعلمته وربنا يوفقك في طريقك.
وما زودتش كلمة.
لأن بعض العلاقات، أفضل احترام ليها
إنك تعرف إمتى تتكلم، وإمتى تسيب الماضي في مكانه.
لكن اللي ما كنتش أعرفه وقتها
إن الرسالة دي ما كانتش آخر رسالة.
كانت بداية آخر اختبار حقيقي ليا بعد أسبوع، وصلتني رسالة من أميرة.
لكن المرة دي كانت مختلفة تمامًا.
كتبت
أحمد، محتاجة مساعدتك في حاجة تخص المستشفى، بس لو مش مناسب ليك اعتبر الرسالة كأنها ما وصلتش.
اتصلت بيها فورًا.
في إيه؟
قالت
فاكر الملف القديم اللي اتفتح بسببه التحقيق؟
أيوه.
فيه مستند ناقص، والمستند ده كان موجود عندك من زمان من غير ما تعرف قيمته.
اتصدمت.
عندي أنا؟
أيوه. وقت نقلنا من البيت القديم، كان فيه صندوق أوراق خاص بالشغل. أنا كنت فاكرة إنه ضاع.
افتكرت الصندوق.
قلت
استني.
دخلت المخزن، وفضلت أدور بين الكراتين لحد ما لقيته.
فتحته.
وكانت المفاجأة
فيه دفتر قديم، جواه نسخ من تقارير وتواريخ وأسماء.
اتصلت بأميرة وقلت
لقيته.
قالت
متفتحش حاجة ولا تصورها. خليها زي ما هي.
نفذت كلامها، وسلمت الصندوق للجهة المختصة.
بعد كام يوم، عرفت إن المستند ده ساعدهم في إثبات إن بعض التقارير اتعدلت بعد تسجيلها.
الموضوع خلص رسميًا، واتثبت إن أميرة ما كانش ليها أي علاقة بالمخالفة، وإنها بالعكس كانت من الناس اللي ساعدوا في كشفها.
كنت واقف قدام باب المستشفى يومها، وأميرة خرجت.
قالت
شكرًا.
قلت
ما عملتش حاجة.
عملت. رجعتلي حاجة كنت فاكرة إنها ضاعت.
ابتسمت وقلت
يمكن كانت مستنية الوقت الصح.
سكتنا لحظة.
وبعدين قالت
أحمد، عارف إيه أغرب حاجة؟
إيه؟
إننا قضينا وقت طويل نفتكر إن سبب انفصالنا هو الشغل والظروف، مع إن السبب الحقيقي كان إن كل واحد فينا كان بيحاول يثبت إنه صح.
قلت
وأنا كنت أسوأ في النقطة دي.
قالت
المهم إنك ما بقيتش الشخص ده.
رديت
وإنتِ كمان.
مدت إيدها بالملف، وقالت
خلاص يا أحمد. كل واحد يرجع لحياته.
قلت
دي أحسن نهاية.
مشيت.
ولأول مرة، ما حسيتش إن النهاية دي حزينة.
حسيت إنها عادلة.
رجعت البيت، ولقيت مراتي وابني مستنييني.
ابني جري عليّ وقال
بابا، جبتلي اللعبة؟
ضحكت وقلت
نسيتها!
قال
يعني وعدتني ومجبتهاش؟
قلت
معاك حق.
مراتي بصتلي وقالت
كويس إنك اعترفت.
ضحكت.
وبينما إحنا قاعدين، بصيت لهم وفكرت في كل اللي حصل.
زمان كنت فاكر إن الاعتراف بالخطأ بيقلل من قيمة الإنسان.
دلوقتي فهمت العكس.
الاعتراف بالخطأ هو أول خطوة تخليك ما تكرروش.
وفي آخر الليل، حطيت الصندوق القديم في مكانه.
لكن المرة دي ما كانش جواه ندم.
كان جواه درس.
وعلى ورقة صغيرة كتبت
ما تحاولش تثبت إنك كسبت شخصًا حاول تكون شخصًا يستحق الناس اللي اختارت تكمل معاك.
قفلت الصندوق.
وأقفلت معاه آخر صفحة من الماضي.
ومن يومها، ما عدتش أسأل نفسي
مين كان السبب؟
بقيت أسأل نفسي سؤال واحد
أنا هعمل إيه صح من هنا ورايح؟
وكان ده السؤال اللي غيّر باقي حياتي بعد حوالي شهر، وأنا راجع من الشغل، لقيت مراتي مستنياني وهي ماسكة ظرف أبيض.
قالت
الظرف ده جه باسمك.
أخدته منها وفتحته.
أول ما شوفت الاسم الموجود في آخر الصفحة، اتجمدت مكاني.
الدكتورة أميرة.
مراتي لاحظت توتري وقالت
فيه إيه؟
قلت بصراحة
رسالة من أميرة.
قالت بهدوء
افتحها وشوف.
فتحت الرسالة.
كان مكتوب
أحمد،
أنا عارفة إنك ممكن تستغرب إني ببعتلك، لكن الموضوع المرة دي مش شخصي. المستشفى قررت تعمل برنامج لتدريب الأطباء الجدد، وطلبوا مني أختار شخصين من خارج الفريق يساعدوا في الإدارة والتنظيم. اسمك اتطرح لأنك كنت شاهد في التحقيق القديم وعندك معرفة بالتفاصيل الإدارية.
لو مش حابب تدخل في الموضوع، أنا متفهمة.
قريت الرسالة مرتين.
مراتي قالت
هتروح؟
بصيت لها.
زمان كنت ممكن أخبي الرسالة أو أفتعل مشكلة أو أتصرف من غير ما أقول.
لكن المرة دي قلت
لو الموضوع شغل، هروح. ولو شايفة إن وجودي ممكن يعمل مشكلة، مش هروح.
ابتسمت وقالت
روح. بس خليك واضح.
الكلمة دي فضلت في دماغي.
خليك واضح.
تاني يوم رديت على أميرة ووافقت.
دخلت المستشفى بعد سنين، لكن المرة دي ما دخلتهاش كرجل عايز يثبت حاجة لحد.
دخلتها كإنسان عنده فرصة يصلح حاجة.
بدأ الاجتماع.
وكان موجود حوالي عشرين طبيب وطبيبة شباب.
أميرة وقفت قدامهم وقالت
أهم حاجة هنتعلمها هنا مش المعلومات الطبية بس. هنتعلم إن أي قرار له أثر على حياة حد تاني، فلازم نتأكد قبل ما نحكم.
بصيت لها.
حسيت إن الجملة دي مش للطلبة بس.
يمكن كانت لينا إحنا الاتنين كمان.
بعد الاجتماع، واحد من الأطباء الشباب قرب مني وقال
حضرتك كنت متجوز الدكتورة أميرة زمان؟
اتوترت.
لكن أميرة ردت قبلي
أيوه، وكنا مختلفين، وانتهت حياتنا الزوجية باحترام.
الشاب سكت.
فقالت
ومش كل علاقة انتهت لازم تتحول لحرب.
الكلمة دي فضلت ترن في دماغي طول اليوم.
بعد ما خلصنا، خرجت من المستشفى.
وقبل ما أركب العربية، سمعت صوت أميرة
أحمد.
لفيت.
قالت
أنا كنت خايفة إن وجودك هنا يرجعنا لنفس المشاكل القديمة.
قلت
وأنا كمان.
لكن؟
ابتسمت وقلت
لكن واضح إننا اتغيرنا.
قالت
الحمد لله.
وقفت لحظة، وبعدين قالت
خلي بالك من بيتك.
قلت
وإنتِ خلي بالك من نفسك وشغلك.
ومشيت.
وأنا في العربية، وصلتني رسالة من مراتي
خلصت؟
كتبت لها
خلصت، وراجعلك.
لكن قبل ما أتحرك، وصلتني رسالة تانية.
من رقم المستشفى.
تم اعتماد البرنامج التدريبي، وسيبدأ العمل به الشهر القادم. يرجى حضور الاجتماع الأول.
بصيت للرسالة، وابتسمت.
الموضوع اللي بدأ بمحاولة مني إني أغيظ أميرة
انتهى إني أتعلم منها، وأساعد معاها ناس ما لهمش ذنب في أخطائنا القديمة.
رجعت البيت.
ابني فتح الباب وقال
بابا، اتأخرت ليه؟
قلت
كنت بخلص حاجة مهمة.
قال
خلصتها؟
بصيت لمراتي، وبعدين له.
وقلت
أيوه المرة دي خلصتها صح.
لكن في اليوم الأول من البرنامج الجديد، حصلت مفاجأة ما كانتش في الحسبان.
دخلت قاعة الاجتماع، ولقيت ملف كبير على الترابيزة.
وعليه اسمي.
فتحت الملف
ولقيت أول صفحة فيها مستند قديم جدًا.
مستند كنت فاكر إن قصته انتهت من سنين.
لكن التاريخ اللي مكتوب عليه كان قبل طلاقي من أميرة بأسبوع واحد فقط.
والسطر الموجود تحته جعلني أرفع عيني من الورقة وأنا مش مصدق
طلب نقل مقدم باسم أحمدفضلت باصص للورقة ومش قادر أستوعب.
طلب نقل مقدم باسم أحمد...
قلّبت الصفحة بسرعة.
لقيت إن الطلب كان مقدم قبل طلاقي من أميرة بأسبوع.
والأغرب إن السبب المكتوب كان
رغبة في الانتقال إلى فرع أقرب إلى مقر إقامة الزوجة، لتقليل ساعات السفر ودعم استقرار الأسرة.
حطيت الورقة على الترابيزة.
أنا فاكر الورقة دي كويس.
أنا اللي قدمتها.
لكن أميرة عمرها ما عرفت.
وقت ما كنا متجوزين، كنت كل يوم تقريبًا برجع متأخر، وكنت شايف إن حياتنا بقت عبارة عن شغل من الناحيتين وضغط مستمر.
بدل ما أقول لها إني تعبت
كنت بعاند.
وفي يوم، قدمت طلب النقل من غير ما أقول لها.
كنت ناوي أفاجئها.
لكن في نفس الأسبوع حصلت بينا أكبر خناقة، وانتهت بالطلاق.
والطلب اتوقف.
قعدت ساكت قدام الملف.
دخلت أميرة القاعة.
أول ما شافت الورقة قدامي، وقفت.
قالت
أنت لقيته؟
قلت
أنتِ كنتِ عارفة؟
قالت
عرفت من الملف القديم.
سألتها
ليه ما قلتيليش؟
قالت
لأنك وقتها كنت مقتنع إني مش عايزة أغير أي حاجة عشانك.
سكت.
قالت
ولو كنت وريتك الورقة وقتها، كنت هتقول إني بعمل ده بعد فوات الأوان.
بصيت للأرض.
يمكن.
قالت
عشان كده سبتها.
دخل باقي أعضاء الفريق، واضطرينا نبدأ الاجتماع.
لكن أنا ما كنتش حاضر بعقلي.
كل كلمة كانت بتعيدلي آخر أسبوع في جوازنا.
أنا كنت فاكر إنها اختارت شغلها ضدي.
وهي كانت فاكرة إني اخترت العناد ضدها.
وفي الحقيقة
إحنا الاتنين كنا بنحاول نصلح حاجة، لكن كل واحد كان بيصلحها لوحده.
بعد الاجتماع، استنيتها بره.
قلت
أميرة.
نعم؟
لو كنت أعرف إنك كنتِ بتحاولي تغيري ظروف شغلك، ولو كنتِ عرفتي إني قدمت طلب النقل كان ممكن كل حاجة تختلف؟
سكتت شوية.
وبعدين قالت
ممكن.
ثم أضافت
وممكن لأ.
استغربت.
قالت
لأن المشكلة ما كانتش في الطلبات.
أمال كانت في إيه؟
قالت
إننا كنا بنحاول نقرأ أفكار بعض بدل ما نتكلم.
الكلمة كانت بسيطة
لكنها كانت الحقيقة كلها.
قلت
أنا آسف.
قالت
وأنا كمان.
قلت
على إيه؟
على إني أحيانًا كنت بشوف سكوتك عن الكلام على إنه عدم اهتمام.
ابتسمت بحزن.
وإنتِ كنتِ بتشوفي شغلي
تم نسخ الرابط