استنيت خمس سنين حكايات منال علي
المحتويات
ناحية الشباك.
بص للخارج.
وقال
هو مشي.
ياسر سأله
مين؟
عم حسن رد
سامح.
ياسر فتح الباب بسرعة.
لكن الرجل الغريب مسكه.
استنى.
قال ياسر
سيبني!
الرجل قال
لو خرجت دلوقتي، ممكن تضيع آخر فرصة تعرف الحقيقة.
ياسر وقف.
إيه الحقيقة؟
الرجل بص للملف.
وقال
الورق اللي معايا مش كامل.
ثم أخرج صورة صغيرة من جيبه.
ووضعها على الترابيزة.
كانت صورة قديمة لوالد ياسر...
وبجانبه سامح...
وفؤاد...
وثلاثة أشخاص آخرين.
لكن المفاجأة إن بنتي أول ما شافت الصورة...
قربت منها.
وبصت في وجه أحد الرجال.
ثم قالت بصوت منخفض
أنا شفت الراجل ده قبل كده.
أنا بصيت لها.
فين؟
ردت
في صورة قديمة عند بابا.
ياسر اتجمد.
باباكي؟
هزت رأسها.
أيوه... بس الصورة دي كانت متخبّية في درج قديم من سنين.
عم حسن قرب من الصورة.
وفجأة قال
يا نهار أبيض...
قلت
في إيه؟
رفع عينه لنا.
وقال
الشخص ده... هو اللي كان ماسك كل الحسابات زمان.
ياسر سأله
اسمه إيه؟
عم حسن سكت ثواني.
ثم قال
اسمه محمود.
بنتي شهقت.
محمود؟
قلت
إنتِ تعرفيه؟
بصت لي ووشها شحب.
ده... جارنا القديم.
ثم سكتت.
وبعد لحظات قالت
بس محمود مات من حوالي عشر سنين...
عم حسن بص للصورة مرة تانية.
ثم قال
لو محمود مات من عشر سنين... مين اللي بعت لنا الصورة دي النهارده؟اتجمدنا كلنا بعد جملة عم حسن.
لو محمود مات من عشر سنين... مين اللي بعت لنا الصورة دي النهارده؟
بنتي قربت من الصورة، وكانت عينيها مثبتة على وجه الرجل.
ماما... أنا متأكدة إن ده محمود.
ياسر قال
بس إزاي؟
الرجل الغريب رد بهدوء
لأن الصورة قديمة فعلًا. ومحمود كان موجود فيها قبل وفاته بسنين.
قلت
أمال مين اللي بعتها؟
الرجل أشار للملف.
الشخص اللي بعتها كان عايزكم تشوفوا محمود... عشان تفتكروا حاجة معينة.
ياسر سأله
إيه الحاجة دي؟
الرجل فتح الملف وطلع ورقة صغيرة.
اسم الشركة اللي كان محمود ماسك حساباتها.
قرأ ياسر الاسم.
وفجأة وشه اتغير.
دي شركة أبويا.
عم حسن قال
بالضبط.
ياسر قعد.
بس الشركة اتقفلت من سنين.
الرجل قال
الشركة اتقفلت، لكن الحسابات ما اختفتش.
قلت
يعني فيه فلوس؟
هز رأسه.
مش بالضرورة فلوس.
ثم أخرج نسخة من كشف حساب قديم.
وقال
في تحويلات حصلت قبل سفر ياسر بأيام.
ياسر أخد الورقة.
وبدأ يقراها.
وفجأة قال
استنى... المبلغ ده أنا فاكره.
بنتي سألته
إيه المبلغ ده؟
قال
ده نفس المبلغ اللي اتدفع في قضية الست اللي ساعدتها.
أنا بصيت له.
يعني إيه؟
قال
كنت فاكر إني أنا اللي دفعت المبلغ ده.
عم حسن رد
لكن الحقيقة إنك ما دفعتش.
ياسر رفع عينيه.
أمال مين دفع؟
الرجل الغريب قال
والدك.
ساد الصمت.
ياسر بدأ يقلب في الورق بسرعة.
بس ليه؟
الرجل قال
لأنه كان عارف إن القضية كلها مبنية على مستندات ناقصة.
بنتي قالت
يعني أبو ياسر كان بيحاول يساعد الست؟
أيوه.
طب ليه خبّى ده عن ابنه؟
الرجل تنهد.
لأنه كان خايف على ابنه من ناس معينة.
ياسر قال
مين؟
الرجل أشار إلى آخر صفحة.
اقرأ الاسم الموجود تحت التوقيع.
ياسر بص.
وبصوت منخفض قال
سامح.
عم حسن هز رأسه.
عشان كده عمك كان بيحاول يبعدك عن القضية.
ياسر وقف فجأة.
أنا لازم أكلمه.
لكن بنتي مسكت إيده.
استنى.
بص لها.
قالت
إحنا بقالنا خمس سنين بنستنى الحقيقة. المرة دي مش هنتصرف من غير ما نفهم كل حاجة.
ياسر سكت.
ولأول مرة من بداية الليلة، ابتسم ابتسامة صغيرة.
عندك حق.
الرجل الغريب قال
في حاجة تانية.
قلت
إيه؟
طلع ظرف صغير.
ده آخر شيء.
فتحه ياسر.
كان جواه مفتاح معدني صغير.
وعليه رقم
17
ياسر بص للمفتاح.
ده مفتاح الخزنة؟
الرجل قال
أيوه.
فين الخزنة؟
رد
في مكان أبوك كان بيروحه لوحده.
بنتي سألت
فين؟
الرجل بص لياسر.
المخزن القديم.
ياسر شهق.
المخزن اللي في آخر البلد؟
أيوه.
عم حسن قال
المخزن ده مقفول من يوم وفاة والدك.
الرجل رد
وعشان كده لازم تروحوا دلوقتي.
قلت
دلوقتي؟
هز رأسه.
لأن الشخص اللي بعت الصورة مش هيستناكم كتير.
ياسر أخد المفتاح.
وبص لبنتي.
تيجي معايا؟
بنتي مسحت دموعها.
هآجي.
وأنا وقفت.
وأنا كمان.
خرجنا من البيت.
لكن قبل ما نركب العربية، تليفون ياسر رن.
رقم مجهول.
رد.
مافيش كلام في الأول.
ثم جاء صوت رجل كبير
لو رايح المخزن... متفتحش الخزنة لوحدك.
ياسر سأله
إنت مين؟
الرجل قال
واحد كان موجود يوم أبوك كتب الرسالة.
ياسر سأله
إنت تعرفني؟
الصوت رد
أنا أعرف أبوك... وأعرف ليه اختار بنتك بالذات.
ثم أغلق المكالمة.
بنتي بصت لي.
اختارني ليه؟
ماحدش رد.
وصلنا المخزن.
كان المكان مهجور، والباب عليه طبقة تراب تقيلة.
ياسر دخل المفتاح في القفل.
لفه.
صدر صوت طقطقة.
الباب اتفتح.
دخلنا.
وفي آخر المخزن...
كانت فيه خزنة حديد قديمة.
عليها نفس الرقم
17
ياسر قرب منها.
دخل المفتاح.
وقبل ما يلفه...
سمعنا صوت باب المخزن بيتقفل من ورانا.
التفتنا كلنا.
مافيش حد.
ياسر جرى ناحية الباب.
لكن الباب كان اتقفل من الخارج.
وبعدين سمعنا صوت خطوات بتبعد.
بنتي قالت
إحنا اتحبسنا هنا!
ياسر حاول يفتح الباب.
وفجأة...
صوت طقطقة جاي من ناحية الخزنة.
الخزنة نفسها...
اتفتحت لوحدها.
جريت ناحيتها.
ولما بصينا جواها...
لقينا صندوق خشب صغير.
وفوقه ورقة مكتوب عليها
قبل ما تعرفوا الحقيقة عن ياسر... اعرفوا الحقيقة عن أبو البنت.
أنا اتجمدت.
بنتي بصت لي.
ماما...
وأنا لأول مرة...
حسيت إن الحكاية كلها ما كانتش عن ياسر أصلًا.
كانت عن أبو بنتي.
والسر اللي أخفاه قبل ما يموت إيدي كانت بتترعش وأنا ماسكة الورقة.
بنتي قربت مني وقالت
ماما... بابا كان مخبي إيه؟
ما قدرتش أرد.
لأن أبوها طول عمره كان بالنسبالي أهدى وأطيب إنسان أعرفه.
عمره ما حكى لي عن مشكلة كبيرة.
ولا مرة حسيت إن فيه سر ضخم في حياته.
ياسر قرب من الصندوق الخشب.
قال
لازم نعرف.
فتح الغطا.
كان جواه ملف قديم، ومفتاح تاني، وصورة أبيض وأسود.
أخد ياسر الصورة.
وبص لها.
وفجأة قال
ده أبويا.
أنا أخدت الصورة منه.
وكان واقف جنب والد بنتي.
لكن الغريب إن الاتنين كانوا أصغر بكتير.
وفي الخلفية كان فيه مبنى كبير.
بنتي قالت
المكان ده إيه؟
ياسر قلب الصورة.
وكان مكتوب خلفها
المخزن رقم 17 قبل التسليم بأسبوع.
عم حسن، اللي كان واقف جنبنا، أخد نفسًا عميقًا.
وقال
أنا كنت خايف اليوم ده ييجي.
بصيت له.
إنت عارف حاجة؟
قال
أعرف جزء.
قول.
سكت شوية.
ثم قال
والد بنتك ووالد ياسر كانوا شركاء زمان.
بنتي اتصدمت.
بابا كان شريك أبو ياسر؟
هز رأسه.
أيوه.
ياسر بص للصورة.
بس أبويا عمره ما قال لي.
عم حسن رد
لأن الشراكة انتهت بطريقة صعبة.
قلت
إزاي؟
قال
كان فيه مشروع كبير، والأرض اللي اتبنى عليها المشروع كانت باسم والد بنتك.
بنتي سألت
يعني بابا كان صاحب الأرض؟
أيوه.
ياسر قال
وأبويا كان شريك في المشروع؟
بالضبط.
ثم أضاف
لكن قبل ما المشروع يكتمل، ظهرت مشكلة في الأوراق.
قلت
مشكلة إيه؟
عم حسن بص للصندوق.
حد حاول يبيع الأرض من غير علم أصحابها.
سألت بسرعة
مين؟
قال
ده اللي محدش عرفه وقتها.
ياسر فتح الملف.
كان فيه عقد قديم.
وتحت العقد توقيع والد بنتي.
لكن بنتي أول ما شافته قالت
ده مش توقيع بابا.
سكتنا.
ياسر بص لها.
متأكدة؟
أنا شفت توقيعه مئات المرات.
أخدت الورقة.
ده شبه توقيعه... بس مش هو.
عم حسن قال
عشان كده أبوك كان محتفظ بنسخة أصلية من توقيعه.
ياسر قلب الأوراق بسرعة.
وفي آخر الملف لقينا ورقة صغيرة.
كان عليها توقيع والد بنتي الحقيقي.
وتحته جملة
التوقيع الموجود في عقد البيع مزور.
بنتي حطت إيدها على فمها.
يعني حد زور توقيع بابا؟
عم حسن قال
أيوه.
وفجأة...
اتسمع صوت خبط قوي على باب المخزن.
ياسر جري ناحية الباب.
مين؟
جاء صوت رجل من الخارج
أنا سامح.
ياسر اتجمد.
فتحنا الباب بعد ما اتأكدنا إن مفيش خطر.
دخل سامح.
كان باين عليه التعب.
بص لبنتي وقال
أنا آسف.
هي ردت
على إيه؟
قال
على خمس سنين من السكوت.
ياسر قال بعصبية
إنت كنت عارف كل حاجة؟
سامح هز رأسه.
مش كل حاجة.
طب ليه ما قلتليش؟
لأن أبوك طلب مني أحميك.
تحميني من مين؟
سامح سكت.
ثم قال
من الشخص اللي زور توقيع والد مراتك.
بنتي شهقت.
إنت تعرفه؟
سامح قال
أيوه.
سألته
مين؟
بص ناحية الملف.
وقال
محمود.
بنتي قالت
بس محمود مات من عشر سنين!
سامح رد
محمود مات فعلًا.
ثم أضاف
لكن قبل ما يموت... سلّم المستندات لشخص تاني.
ياسر سأله
مين؟
سامح ما ردش فورًا.
ثم مد إيده في جيبه وطلع ورقة صغيرة.
وقال
اسمه موجود هنا.
ياسر فتحها.
وقرأ الاسم.
وفجأة...
وقع المفتاح من إيده.
بنتي سألته
مين؟
ياسر رفع عينه لنا.
وقال
الشخص ده... هو اللي كان بيبعت لي كل شهر الفلوس اللي كنت فاكر إن أبويا هو اللي بعتها.
ساد الصمت.
بنتي بصت له.
يعني كل الهدايا اللي كنت بتبعتها لي...؟
ياسر هز رأسه.
كنت ببعتها من فلوس كنت باخدها من مصدر ما كنتش أعرف حقيقته.
سامح قال
والشخص ده كان عايز يفضل قريب منك... عشان يضمن إن المستندات ما تظهرش.
وفي اللحظة دي...
وصلت رسالة على موبايل ياسر.
فتحها.
وكان فيها سطر واحد
دلوقتي عرفت مين اللي كان بيمولك... لكن لسه ما عرفت مين اللي طلب منه يعمل كده.
وتحت الرسالة...
كان فيه اسم واحد فقط.
اسم شخص موجود في حياتنا من سنين.
اسم جعل بنتي تصرخ
مستحيل!بنتي كانت بتبص على شاشة الموبايل وهي مش مصدقة.
صرخت
مستحيل!
أنا قربت منها.
مين الاسم؟
لكنها كانت مشلولة من الصدمة.
ياسر أخد الموبايل منها، وبص للاسم مرة تانية.
وبعدين قال
أنا كمان مش مصدق.
سامح سأل
مين؟
ياسر رفع عينه وقال
الحاج فريد.
أنا اتجمدت.
فريد؟ صاحب أبو بنتي القديم؟
بنتي هزت رأسها.
أيوه... هو نفسه.
فريد كان رجل كبير نعرفه من سنين.
كان قريب من والد بنتي.
وكان دايمًا بيظهر وقت الأزمات.
حتى بعد وفاة أبوها، كان بيسأل علينا من وقت للتاني.
وعمرنا ما شكينا فيه.
سامح قال
عشان كده بالضبط.
سألته
عشان إيه؟
قال
لأن محدش كان هيشك فيه.
ياسر قال بعصبية
بس الرسالة ممكن تكون كذبة.
سامح هز رأسه.
ممكن.
ثم أشار للصندوق.
وعشان كده لازم نلاقي الدليل، مش نصدق رسالة مجهولة.
بدأنا نقلب في محتويات الخزنة.
كان فيها عقود قديمة، إيصالات، صور، ومظاريف مقفولة.
وفجأة بنتي لقت ظرف مكتوب عليه اسم والدها.
فتحت الظرف.
جواه ورقة واحدة.
قرأتها بصوت مرتعش
لو وصلت الورقة دي لبنتي، يبقى أنا ما لحقتش أقول لها الحقيقة بنفسي.
دموعها نزلت.
وكملت
يا بنتي... لو في يوم سألتي ليه أبوكي كان مصر إنك تكملي تعليمك وما تتجوزيش بدري، فالإجابة مش إني كنت ضد الجواز.
وقفت لحظة.
ثم كملت
كنت عايزك تبقي قوية، لأن فيه ناس هتحاول تستغل اسمك بعد وفاتي.
أنا حطيت إيدي على كتفها.
وهي كملت
وأهم شخص لازم تثقي فيه هو الشخص اللي هيثبت لك بالأفعال إنه مستعد يحمي حقك، مش بكلامه.
بنتي بصت لياسر.
ياسر كان ساكت.
ثم قالت
بابا كان يقصدك؟
ياسر رد
مش عارف.
سامح قال
فيه باقي.
قلبنا الورقة.
كان مكتوب في ظهرها
فريد
متابعة القراءة