استنيت خمس سنين حكايات منال علي
استنيته خمس سنين وهو كاتب كتابه على بنتي... ولما رجع من السفر اكتشفنا إن في واحدة تانية بتقول إنه جوزها! والأسوأ؟ إنها كانت حامل... لكن الحقيقة اللي ظهرت بعد كده قلبت كل حاجة!
أنا عمري ما كنت أتخيل إن بنتي هتعيش الوجع ده.
ولا كنت أتخيل إن راجل كنت بحسبه ابني، هيختفي خمس سنين ويرجع شايل سر يخلي حياتنا كلها تتقلب في يوم وليلة.
أنا أرملة، وأبو بنتي متوفي من سنين.
ومن يوم ما مات وأنا شايلة مسؤولية بنتي لوحدي.
كنت بخاف عليها من الدنيا، وخصوصًا إنها كانت بنت هادية وطيبة، وبتصدق الناس بسرعة.
لما كانت في الجامعة، اتعرفت على شاب اسمه ياسر.
كان زميلها.
وأول ما اتقدم لها، دخل البيت من بابه.
أهله جم معاه، واتكلموا معايا بكل احترام، وطلبوا إيد بنتي رسمي.
وقتها ارتحت.
مش عشان كان غني أو عنده إمكانيات كبيرة...
بالعكس.
كان لسه في بداية حياته.
لكن كان محترم، وبيشتغل، وعنده طموح.
وبعد فترة قصيرة، اتفقنا إنهم يكتبوا الكتاب، والفرح يتأجل شوية لحد ما يجهز نفسه.
وفعلًا...
كتبوا الكتاب.
وبعدها بشهور، جاله عقد شغل بره مصر.
قال
أنا مش هقدر أعمل فرح دلوقتي، بس السفر ده هيفتح لنا باب رزق كويس. أشتغل كام سنة، وأرجع أجيب شقة وأجهزها، وبعدها نعيش مع بعض.
بنتي وافقت.
وأنا وافقت.
وكنت كل يوم أدعي
يا رب يكون السفر ده بداية خير ليهم.
سافر.
ومن أول يوم، كان بيتواصل مع بنتي باستمرار.
مكالمات فيديو.
رسائل.
صور من شغله.
وكان كل شهر تقريبًا يبعت مبلغ يساعدها في تجهيز البيت.
خمس سنين عدوا...
وبنتي فضلت مستنياه.
كل ما حد يسألها
مش زهقتي؟
كانت تبتسم وتقول
ده جوزي، وأنا مستنياه.
حتى الشبكة اللي بعتها من السفر كانت محتفظة بيها كأنها كنز.
وكانت بتقول لي
لما يرجع، هلبسها قدامه.
وأنا كنت بضحك وأقول
ربنا يتمم لكم على خير.
لحد ما في يوم...
اتصل ياسر وقال
أنا نازل مصر خلاص.
البيت كله اتقلب فرحة.
بنتي بدأت تجهز.
وأنا بدأت أطلع حاجات كانت متخزنة من سنين.
واتفقنا على معاد الفرح.
كل حاجة كانت ماشية زي الحلم.
لكن أول ما ياسر وصل...
حسيت إن فيه حاجة غريبة.
كان ساكت.
متوتر.
وبيتهرب من أسئلة بسيطة.
وبدأ يقول كلام مكنتش فاهمه.
مرة يقول
الفرح لازم يتأجل.
ومرة
الشقة نستنى عليها.
ومرة
أنا لازم أحل مشكلة الأول.
بنتي كانت بتسأله
مشكلة إيه؟
فيقول
لما أعرف هقولك.
ومرت الأيام...
وبنتي بدأت تعيط.
وفي ليلة، دخلت أوضتي وقالت
ماما... أنا حاسة إن ياسر مخبي عني حاجة.
حاولت أهديها.
وقلت لها
يمكن حصلت له مشكلة في السفر.
لكن الحقيقة إن إحساسي أنا كمان كان بيقول إن فيه سر كبير.
وفي صباح يوم...
وأنا قاعدة في البيت، الباب خبط.
فتحت...
لقيت راجل كبير واقف قدامي.
وشه كان متوتر.
قال
معلش يا حاجة... ممكن أدخل؟
دخل وقعد.
وبعد لحظات صمت، قال
أنا عارف إن اللي هقوله صعب... بس لازم تعرفي.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
سألته
خير؟
طلع من جيبه ظرف كبير.
وحطه قدامي.
وقال
الظرف ده فيه مستندات تخص ياسر.
بصيت له باستغراب.
قلت
مستندات إيه؟
قال
حاجة حصلت له قبل ما يسافر بخمس سنين... وهو مخبيها عن بنتك.
فتحت الظرف بإيد بتترعش.
ولما شفت أول ورقة...
اتجمدت مكاني.
كان فيها اسم ياسر...
وتاريخ قديم...
وتحت الاسم جملة واحدة
إقرار مسؤولية عن طفل لم يولد بعد.
رفعت عيني للرجل وأنا مش فاهمة.
قلت
يعني إيه الكلام ده؟
وقبل ما يرد...
سمعت مفتاح الباب.
بنتي دخلت.
وكان ياسر معاها.
بص لي، وبعدين بص للظرف المفتوح قدامي.
وفجأة...
وشه اتغير.
وقال بصوت مرتعش
مين جاب لك الظرف ده؟!
الرجل الكبير قام من مكانه وقال
أنا.
ياسر سكت.
وبنتي بصت له وهي مش فاهمة.
قالت
إيه اللي مكتوب في الورقة دي يا ياسر؟
فضل ساكت.
ولأول مرة من خمس سنين...
شوفت في عينه خوف حقيقي.
وبعدين قال
أنا كنت مستني الوقت المناسب عشان أقول لكم.
بنتي ردت
خمس سنين مش وقت كفاية؟
سكت.
وبعد لحظات...
مد إيده ناحية الظرف وقال
لو قريتي باقي الورق... هتعرفي إن الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.
لكن قبل ما يلمس الورق...
الرجل الكبير قال جملة خلتنا كلنا نبص له
لأ... خليها تقرأ.
وبعدين أضاف
لأن اللي حصل من خمس سنين... هو السبب الحقيقي إن ياسر سافر أصلًا.
بنتي فتحت أول ورقة تانية...
وبمجرد ما قرأت أول سطر...
شهقت وقالت
ماما...
وبصت لي بعينين مليانين دموع
أنا مش مصدقة...
يتبع...سكتنا كلنا.
الجملة اللي قالها ياسر فضلت معلقة في الجو
الشخص اللي كنا فاكرين إنه مات من خمس سنين... رجع.
بنتي قربت منه خطوة.
مين؟
ياسر ما ردش.
قالت بعصبية
أنا بقالي خمس سنين مستنياك! كل مرة كنت بتقول لي اصبري، وأنا صبرت. دلوقتي مش هتقول لي اصبري تاني. عايزة أعرف الحقيقة.
ياسر غمض عينيه للحظة، وبعدين قال
اسمه فؤاد.
الرجل الكبير هز رأسه.
أيوه... فؤاد.
سألته
مين فؤاد ده؟
قال
كان شريك والد الست اللي ياسر ساعدها بعد الحادث.
أنا ما فهمتش.
قلت
وإيه علاقته بالموضوع كله؟
ياسر رد
قبل الحادث، كان فيه مشروع كبير بينهم. وبعد ما حصلت المشكلة، فؤاد اختفى.
الرجل الكبير أضاف
وبعد اختفائه، اتقال إنه مات في حادثة سفر.
بنتي سألت
طيب ليه رجوعه مخوفكم بالشكل ده؟
ياسر سكت.
وبعدين قال
لأن فؤاد هو الشخص الوحيد اللي كان عارف الحقيقة الكاملة عن الأوراق اللي وقعتها.
قلت
يعني إيه؟
قال
أنا كنت فاكر إني ساعدت الست دي، لكن بعد ما سافرت اكتشفت إن فيه مستندات اتحط عليها توقيعي من غير علمي.
بنتي اتصدمت.
يعني ممكن يكون حد استعمل اسمك؟
أيوه.
الرجل الكبير قال
وده سبب إننا فضلنا سنين بنحاول نثبت إن ياسر مالوش علاقة بالموضوع.
سألت
طيب إيه اللي حصل دلوقتي؟
ياسر طلع موبايله.
ورانا الرسالة.
كانت قصيرة جدًا
أنا رجعت... ومعايا النسخة الأصلية من العقد.
بنتي بصت لي.
أي عقد؟
ياسر قال
العقد اللي ممكن يثبت براءتي... أو يورطني أكتر.
أنا حسيت إن الموضوع أكبر من مجرد ورق.
قلت
وليه ما تروحش للشرطة؟
ياسر رد
لأن فؤاد مش بيطلب فلوس.
بنتي سألت
أمال عايز إيه؟
ياسر سكت.
الرجل الكبير هو اللي جاوب
عايز ياسر يتنازل عن حق قانوني مهم.
قلت
حق إيه؟
قال
الأرض اللي والد ياسر سايبها له.
ياسر بص له بسرعة.
عم حسن...
لكن الرجل كمل
الأرض دي قيمتها كبيرة، وفؤاد بيحاول يثبت إن جزء منها من حقه.
بنتي قالت
يعني كل اللي حصل ده بسبب الأرض؟
ياسر هز رأسه.
مش بس الأرض.
وبص لي مباشرة.
في حاجة أهم.
قلت
إيه؟
قال
أبويا قبل ما يموت، سلمني صندوق وقال لي ما أفتحهش غير لما أكون مستعد أعرف الحقيقة.
بنتي قالت
وفتحته؟
ياسر سكت.
ثم قال
فتحته من شهرين.
الرجل الكبير تنهد.
وكان جواه مفتاح.
قلت
مفتاح إيه؟
ياسر قال
خزنة.
سألته
والخزنة فيها إيه؟
بص لياسر لبنتي.
وبعدين قال
فيها مستندات من خمس وعشرين سنة.
وفجأة...
سمعنا صوت عربية وقفت قدام البيت.
ياسر بص من الشباك.
وشه اتغير.
قال
هو وصل.
بنتي قالت
فؤاد؟
ياسر ما ردش.
لكن بعد ثواني...
خبط حد على الباب.
ثلاث خبطات متتالية.
الرجل الكبير قام.
وقال
محدش يفتح.
الخبط اتكرر.
وبعدين جه صوت راجل من ورا الباب
ياسر... أنا مش جاي أعمل لك حاجة.
ياسر قرب من الباب.
والرجل كمل
أنا جاي أرجع لك حاجة أبوك كان مخبيها عنك.
ياسر اتجمد.
وبص لنا.
ثم قال
مستحيل...
أنا سألته
إيه؟
قال بصوت مرتعش
الصوت ده... مش صوت فؤاد.
وفجأة...
دخلت بنت صغيرة من باب الشقة الداخلي، كانت بنت الجيران، وقالت
يا طنط... الراجل اللي بره قال لي أقول لكم إن معاه صورة قديمة جدًا.
سألتها
صورة لمين؟
قالت
قال صورة والد الأستاذ ياسر... ومعاه شخص تاني.
بنتي سألت
مين الشخص التاني؟
البنت رفعت كتفها وقالت
مش عارفة... بس الراجل قال إن الصورة دي هتخليكم تعرفوا مين اللي كذب عليكم كل السنين دي.
وسابتها ومشيت.
ياسر فضل واقف مكانه.
وبعدين مد إيده ناحية الباب...
لكن قبل ما يفتحه، الرجل الكبير مسكه وقال
استنى.
ثم نظر لي وقال
قبل ما نفتح الباب... لازم أقول لك حاجة.
قلت
إيه؟
قال
أنا عارف مين الشخص اللي في الصورة.
وبص لياسر.
وهو السبب الحقيقي في كل اللي حصل من خمس سنين بصيت لعم حسن وأنا حاسة إن قلبي هيقف.
إنت تعرف الشخص اللي في الصورة؟
هز راسه.
أيوه.
ياسر قرب منه.
مين؟
عم حسن بص له للحظات، وقال
عمك سامح.
ياسر رجع خطوة لورا.
عمي؟!
بنتي قالت
يعني إيه؟
عم حسن تنهد.
سامح كان شريك والدك زمان. وبعد وفاة والدك، حصل خلاف كبير بينهم قبل ما يتصالحوا بفترة قصيرة.
ياسر قال
بس عمي كان بره البلد وقتها.
وده اللي إحنا كلنا كنا فاكرينه.
سكت لحظة.
لكن الحقيقة إنه رجع قبل وفاة والدك بأيام.
أنا سألت
طيب وإيه علاقته بفؤاد؟
عم حسن رد
سامح هو اللي عرّف فؤاد على والد ياسر من البداية.
ياسر حط إيده على رأسه.
يعني كل السنين دي...
عم حسن قاطعه
لسه ما وصلناش لأهم حاجة.
في اللحظة دي...
الخبط على الباب رجع تاني.
لكن المرة دي كان أقوى.
صوت الرجل من الخارج قال
ياسر... افتح. الموضوع يخص أبوك.
ياسر قرب من الباب.
عم حسن قال
خليك هنا.
وبعدين فتح الباب فتحة صغيرة.
ظهر رجل في أواخر الخمسينات.
ملامحه هادية، لكنه كان شايل ملف قديم في إيده.
بص لي وقال
حضرتك والدة البنت؟
قلت
أيوه.
قال
أنا مش جاي أطلب حاجة من بنتك ولا من ياسر.
وبص لياسر.
أنا جاي أسلمه أمانة.
ياسر قال
أمانة إيه؟
الرجل مد له الملف.
أبوك سلمها لي قبل وفاته.
ياسر ما مدش إيده.
ليه ما سلمتهاليش وقتها؟
الرجل قال
لأن أبوك طلب مني ما أسلمهاش لك إلا بعد خمس سنين من زواجك.
بنتي شهقت.
خمس سنين؟
أنا بصيت لياسر.
هو نفسه كان مصدوم.
قال
بس أنا لسه ما اتجوزتش بنتك رسميًا.
الرجل رد
أنا عارف.
ثم نظر لبنتي.
وعشان كده الأمانة دي لازم توصل لها هي كمان.
فتح الملف.
كان جواه ظرف أبيض قديم.
مكتوب عليه بخط يد
إلى ابني ياسر... وإلى زوجته التي اختارها.
بنتي بدأت تبكي.
وقالت
كان يعرفني؟
ياسر رد
أبويا شافك مرة واحدة.
لكن الرجل هز رأسه.
لا... شافها أكتر من مرة.
كلنا بصينا له.
قال
وكان عنده سبب يخليه يكتب الظرف ده.
ياسر فتحه.
طلع منه جواب.
بدأ يقرأ.
وبعد أول سطر...
تغيرت ملامحه.
سألته
مكتوب إيه؟
ناولني الجواب.
قرأت
يا ياسر، لو أنت بتقرأ الرسالة دي، يبقى الخطة اللي اتعملت زمان بدأت تظهر.
وقفت عند الجملة دي.
بنتي قالت
خطة؟
كملت القراءة.
سامح مش عدوك... وفؤاد مش هو الشخص اللي لازم تخاف منه.
سكتنا كلنا.
ياسر قال
يعني عمي بريء؟
الرجل الغريب قال
اقرأ الباقي.
كملت.
أكبر غلطة عملتها في حياتي إني سكت. كنت فاكر إني بحمي ابني، لكن سكوتي خلّى ناس تانية تدفع الثمن.
إيدي بدأت تترعش.
ثم قرأت آخر سطر
والشخص الوحيد اللي أقدر أثق فيه عشان يصلح اللي أنا أفسدته... هو الشخص اللي هيتجوزك.
بنتي بصت لياسر.
يعني أبوك كان عايزني أكون جزء من الموضوع؟
ياسر ما ردش.
وفجأة...
سمعنا صوت عربية بتتحرك بسرعة من قدام البيت.
عم حسن جري