أثناء جنازة حكايات رودي
المحتويات
سلّم المفتاح، وإلا هنفتح الباب بنفسنا.
محمود قرب من الأب وهمس
ما تردش.
نعمل إيه؟
محمود أشار لأرضية المخزن.
في مخرج تحت الطاولة.
الأب بص له باستغراب.
إنت عايزني أهرب؟
مش نهرب نرجع لابنك.
رفع محمود قطعة خشب من الأرض، وظهر تحتها باب صغير.
لكن قبل ما ينزلوا، سمعوا صوت كسر الباب الخارجي.
دَخ!
ثم صوت خطوات دخلت المخزن.
الأب ومحمود نزلوا بسرعة وأغلقوا الباب فوقهم.
الممر كان ضيقًا ومظلمًا.
فضلوا يمشوا لحد ما ظهر ضوء خافت في نهايته.
وفجأة
سمع الأب صوت ابنه من بعيد.
بابا!
الأب اتجمد.
ابني؟!
جرى ناحية الصوت.
فتح بابًا صغيرًا
ولقى غرفة تحت الأرض.
وفي الغرفة كانت موجودة امرأة عجوز، جالسة بجوار سرير صغير.
وعلى السرير
كان طفل آخر.
الأب بص للطفل، ثم للمرأة.
مين ده؟
العجوز قالت
الولد اللي كنت بتدور عليه من غير ما تعرف.
الأب قرب خطوة.
الطفل كان شبه ابنه بشكل مخيف.
نفس العينين.
نفس شكل الشعر.
حتى نفس العلامة الصغيرة الموجودة فوق حاجبه.
الأب همس
ده
محمود قال
أخوه.
الأب التفت له بسرعة.
ابني كان له أخ؟
العجوز هزت رأسها.
توأم.
الأب حس إن الأرض بتتحرك تحته.
لكن مراتي ولدت طفل واحد.
العجوز ردت
هي كانت فاكرة كده.
ثم مدت له ورقة قديمة.
كانت شهادة ميلاد.
فيها اسمان.
اسمان لطفلين وُلدا في نفس اليوم.
الأب قرأهما أكثر من مرة.
ثم قال
مين اللي أخفى الطفل التاني؟
العجوز بصت ناحية الباب بخوف.
الشخص اللي كان مسؤول عن السجلات وقتها.
محمود أضاف
والشخص نفسه كان عارف إن الطفلين مرتبطين بسر أكبر.
الأب سأله
إيه السر؟
قبل أن يجيب
صدر صوت قوي من فوقهم.
دَخ!
الباب الخارجي للممر اتفتح.
العجوز وقفت بسرعة.
وصلوا.
الأب حمل الطفل الصغير بين ذراعيه.
لكن الطفل فتح عينيه فجأة وقال
ما تخافش يا بابا الذئاب هتحمينا.
الأب بص ناحية الممر.
ومن بعيد
بدأ يُسمع صوت عواء.
واحد.
ثم الثاني.
ثم الثالث.
لكن هذه المرة، العواء لم يكن بعيدًا.
كان يقترب بسرعة.
ومحمود ابتسم لأول مرة.
دلوقتي بس فهمت ليه الذئاب كانت بتحفر.
ثم أشار إلى جدار الغرفة.
كان عليه رسم قديم لثلاثة ذئاب تحيط بطفلين.
وتحت الرسم جملة واحدة
حين يضيع أحد الطفلين، ستقود الذئاب الطريق إلى الآخر.
الأب لمس الجملة بيده.
وفجأة
سمع صوت ابنه الآخر من فوق الأرض يصرخ
بابا!
رفع الأب رأسه.
كان ابنه الذي أنقذوه من القبر يناديه.
لكن صوته كان يأتي من مكان قريب جدًا
خلف الجدار.
ومحمود قال
إحنا ما عندناش وقت لأن اللي فوق مش جاي يدور علينا.
وسكت لحظة.
هو جاي يدور على الطفلين الأب فضل واقف مكانه، مش قادر يستوعب كلام محمود.
الدليل في بيتي؟
محمود هز رأسه.
أيوه. وعلشان كده لازم نرجع قبل ما حد يوصل له.
الأم قربت وهي ماسكة الطفلين.
إحنا مش هنسيبهم لوحدهم.
الدكتور قال
خدوا الشرطة معاكم.
لكن محمود رد بسرعة
لو مشينا كلنا، هنلفت النظر. لازم شخص واحد بس يروح.
الأب رفض فورًا.
أنا هروح.
محمود قال
وأنا معاك.
الأب بص للطفلين، ثم قال للأم
خليكي هنا مع الدكتور والشرطة. مهما حصل، ما تسيبيش الولدين.
الأم هزت رأسها، والدموع في عينيها.
خرج الأب ومحمود من المخزن.
الذئاب الثلاثة تحركت خلفهما.
لكن بعد خطوات قليلة، وقف الذئب الأكبر فجأة.
رفع رأسه وشم الهواء.
ثم أطلق عواءً قصيرًا.
محمود بص له.
هو في حد هناك.
الأب قال
مين؟
محمود لم يرد.
بدأ يجري ناحية البيت.
الأب جرى خلفه.
لما وصلوا، الباب الخارجي كان مفتوحًا.
الأب اتجمد.
أنا متأكد إني قفلته.
دخلوا ببطء.
كل حاجة كانت مكانها
لكن درج المكتب كان مفتوحًا.
الأب قرب منه.
حد فتش هنا.
محمود أشار للأرض.
كان فيه آثار طين.
آثار أقدام حديثة.
تتبعت الآثار لحد غرفة الطفل.
الأب فتح الباب بسرعة.
السرير كان مرتبًا.
والألعاب مكانها.
لكن صورة قديمة كانت معلقة على الحائط اختفت.
محمود قال
الصورة دي مهمة.
الأب سأله
إيه اللي كان وراها؟
محمود لم يرد.
الأب مد إيده مكان الصورة، فحس بقطعة معدنية صغيرة مثبتة داخل الحائط.
شدها
فانفتح جزء من الحائط ببطء.
ظهر تجويف صغير.
وفي داخله صندوق زجاجي.
الأب قرب منه.
جواه كان فيه سواران متطابقان تمامًا.
واحد عليه اسم الطفل الأول.
والثاني عليه اسم الطفل الثاني.
وبين السوارين ورقة مطوية.
الأب فتحها.
أول سطر كان
لو وصلت للورقة دي، يبقى محمود فشل في حمايتكم.
الأب بص لمحمود.
إنت كنت عارف إن الصندوق هنا؟
محمود سكت.
الأب صرخ
كنت عارف؟!
محمود قال بهدوء
كنت أعرف إن فيه دليل لكن ما كنتش أعرف مكانه.
الأب رجع للورقة.
وفي أسفلها كان مكتوب
أبوك لم يكن أول شخص يحاول حمايتكم
ثم توقفت الرسالة فجأة.
الأب قلب الورقة.
الجزء الخلفي كان فاضي.
لكن محمود لاحظ شيئًا.
حطها قدام النور.
الأب رفع الورقة أمام مصباح الغرفة.
وببطء ظهرت كلمات باهتة كانت مكتوبة بالحبر السري.
قرأها الأب
ابحثوا تحت الأرضية في غرفة النوم القديمة.
في نفس اللحظة
صدر صوت قوي من الطابق السفلي.
دَخ!
الأب ومحمود بصوا لبعض.
ثم جاء صوت خطوات بطيئة تصعد السلم.
خطوة
ثم خطوة
ثم توقفت أمام باب الغرفة.
محمود همس
محدش يتحرك.
مقبض الباب بدأ يتحرك ببطء.
لكن قبل أن يُفتح
سمعوا عواء الذئاب من خارج البيت.
والشخص الموجود خلف الباب قال بصوت هادئ
واضح إنكم لقيتوا الرسالة.
الأب اتعرف على الصوت فورًا.
كان صوت الرجل الذي قبضت عليه الشرطة قبل قليل.
لكن الرجل كان المفروض إنه تحت الحراسة في المخزن.
الأب بص لمحمود في رعب.
إزاي وصل هنا؟
محمود قرب من الباب، وهمس
إحنا مش قدام نفس الراجل.
ثم نظر للأب وقال
في أكتر من شخص كان عارف السر الأب قرب من الجدار، وحط ودنه عليه.
ابني! إنت سامعني؟
جاءه صوت الطفل من الناحية التانية
أيوه يا بابا بس أنا مش لوحدي.
الأب اتوتر.
معاك مين؟
سكت الطفل لحظة.
ثم قال
الراجل اللي كان في المستشفى.
محمود اتغيرت ملامحه.
مستحيل
الأب بص له
مين الراجل ده؟
قبل ما محمود يرد، سمعوا صوت ارتطام قوي من فوق.
ثم صوت الدكتور
ابعدوا عن الولد!
الأب صرخ
الدكتور!
محمود أشار ناحية جدار آخر.
في ممر تاني.
كسروا جزءًا من الخشب القديم، وظهر ممر ضيق.
خرجوا منه واحدًا وراء الآخر.
وفي نهايته وجدوا بابًا يؤدي مباشرة إلى غرفة التخزين القديمة.
الأب فتحه بسرعة.
ولما خرج
تجمد مكانه.
كان ابنه واقفًا في منتصف الغرفة، والدكتور أمامه، بينما رجل آخر كان يحاول الاقتراب منه.
أول ما شاف الأب، الطفل جرى عليه.
بابا!
الأب احتضنه بقوة.
أنا هنا.
الدكتور قال بسرعة
لازم نمشي حالًا.
لكن محمود وقف أمامه.
إنت لسه ما قلتش الحقيقة كلها.
الدكتور سكت.
الأب بص له
هو مين؟
الدكتور أشار للطفل الآخر الموجود بين ذراعي الأب.
الطفلين اتولدوا في نفس الليلة لكن واحد منهم اختفى من السجلات بعد ساعات من الولادة.
الأب قال
ليه؟
الدكتور تنهد.
لأن والد الطفلين كان شاهدًا على حادثة حصلت هنا قبل سنين وكان فيه ناس عايزين يمنعوه من الكلام.
الأب اتصدم.
والدهم؟
الدكتور أشار إليه.
إنت.
ساد الصمت.
الأب هز رأسه بعنف.
أنا؟ أنا ما فاكرش أي حاجة من دي!
محمود قال
لأنك اتعرضت لحادثة قبل ولادة الطفلين بشهور ومن وقتها ذاكرتك عن الفترة دي اختفت.
الأب بدأ يفتكر صورًا متقطعة.
غابة.
ثلج.
ثلاثة ذئاب.
وصوت امرأة بتصرخ.
ثم صورة طفلين صغيرين.
الأم كانت واقفة عند باب الغرفة، وقد سمعت كل شيء.
قالت وهي تبكي
يعني كل السنين دي كان عندنا طفل تاني؟
محمود رد
أيوه.
وفجأة سمعوا صوت سيارة تقترب.
الدكتور نظر من النافذة.
لازم نخرج من هنا.
الأب سأله
مين اللي جاي؟
الدكتور لم يجب.
لكن الطفل الصغير أمسك إيد أبيه بقوة وقال
بابا هو جاي.
مين؟
الطفل بص ناحية الباب.
الراجل اللي قفل عليا المكان زمان.
في نفس اللحظة
مقبض الباب بدأ يتحرك ببطء.
مرة.
ثم مرتين.
ثم توقف.
وجاء صوت رجل هادئ من الخارج
افتح يا محمود.
محمود بص للأب.
ثم قال
دلوقتي هتعرف مين
متابعة القراءة