أثناء جنازة حكايات رودي
المحتويات
بص للأرض.
وكان واضح إن فيه سر قديم عمره سنين طويلة.
وقبل ما حد يسأله، جاء صوت من ناحية الغابة.
صوت خطوات سريعة فوق الثلج.
الذئاب التلاتة اختفت فجأة.
والراجل الغريب بص ناحية الأشجار وقال
وصلوا.
الأب سأله
مين؟
لكن الراجل ما ردش.
فجأة ظهرت أضواء عربيتين بين الأشجار.
العربيتان قربتا من المقابر.
والأب لاحظ إن واحدة منهما
كانت عربية الإسعاف اللي نقلت ابنه للمستشفى قبل أسبوع.
الأم أول ما شافتها، قالت
دي عربية المستشفى!
الباب اتفتح.
ونزل منه شخص يعرفه الأب جيدًا.
الدكتور اللي أعلن وفاة الطفل.
الدكتور وقف قدام القبر، وبص للأب، وقال بصوت متوتر
أنا جيت أقولك الحقيقة قبل ما حد تاني يوصل.
الأب قرب منه.
أي حقيقة؟
الدكتور نظر للتابوت.
ثم قال
ابنك ماكانش المفروض يتدفن هنا أصلًا.
سادت لحظة صمت مرعبة.
الأب قال
يعني إيه؟
الدكتور رد
لأن الجثمان اللي خرج من المستشفى
وسكت لحظة.
ماكانش عليه اسم ابنك.
الكل اتجمد.
والأم صرخت
إنت بتقول إيه؟!الأم حطت إيديها على بُقها، وكأنها مش قادرة تصدق اللي سمعته.
الأب قرب من الدكتور خطوة.
كرر كلامك.
الدكتور بص حواليه، وبعدها قال
الجثمان اللي استلمتوه من المستشفى كان عليه سوار باسم ابنك لكن بطاقة التعريف الموجودة في غرفة حفظ الجثامين كانت باسم طفل تاني.
الأب صرخ
وإنت سكت؟!
الدكتور اتوتر
ما سكتش أنا حاولت أراجع السجلات، لكن في حد دخل بعدها ومسح جزء من البيانات.
الراجل الغريب قاطعه
مش حد شخص واحد بعينه.
الدكتور بص له بخوف.
إنت عرفت؟
الراجل رد
لأن اللي حصل ده اتكرر قبل كده.
الأب مسك الدفتر وفتحه على آخر صفحة.
يعني ابني فين؟
الدكتور هز رأسه.
مش عارف.
الأم انهارت على الأرض.
لا ابني مات قدامي أنا شفته!
الدكتور قال بسرعة
اللي شوفتيه كان طفل فعلًا لكن ماقدرش أأكد إنه ابنك.
في اللحظة دي، واحد من العمال صرخ
افتحوا التابوت!
الأب اتجه ناحيته فورًا.
الدكتور حاول يمنعه.
استنى!
لكن الأب ما سمعش.
أمسك أدوات العامل، وبدأ يزيل المسامير.
صوت كل مسمار كان بيزود توتر الناس.
طَق
الأول.
طَق
الثاني.
وأخيرًا
انفتح غطاء التابوت.
الأم غمضت عينيها، والأب وقف فوقه وهو يحاول يستوعب اللي قدامه.
الطفل كان موجودًا بالفعل
لكن الأب لاحظ حاجة غريبة.
الطفل كان لابس نفس الملابس اللي ودّعوه بيها.
نفس الحذاء.
نفس الجوانتي.
لكن على معصمه
ماكانش فيه السوار اللي كانت أمه متأكدة إنها شافته.
الأب لمس إيده.
وفجأة اتجمد.
استنوا
الدكتور قرب.
الأب قال بصوت مرتعش
إيده دافية.
الناس كلها سكتت.
الدكتور حط أصابعه على رقبة الطفل.
وبعد ثوانٍ قليلة، عينيه اتسعت.
مستحيل
الأب صرخ
فيه نبض؟!
الدكتور ما ردش.
كان بيحاول يسمع.
ثم قال
هاتوا بطانية بسرعة!
الأم انهارت من البكاء.
ابني عايش؟!
الدكتور رفع عينيه إليها.
أنا مش عارف بس فيه حاجة واحدة أكيدة.
بص ناحية الذئاب اللي كانت واقفة عند أطراف المقابر.
الذئاب ما جتش هنا عشان تحفر القبر.
ثم أشار للطفل.
هي جت عشان تنقذه.
وفي نفس اللحظة
الطفل حرّك أصابع إيده.
مرة واحدة.
وببطء شديد فتح عينيه.
لكن أول كلمة قالها
خلّت الأب ينسى إنه كان واقف وسط عشرات الناس.
الطفل بص له وقال بصوت ضعيف
بابا متخليش الراجل ده ياخدني تاني.
الأب لف بسرعة ناحية الراجل الغريب.
لكن الراجل كان اختفى.
والصندوق الخشبي القديم
كان مفتوحًا على الأرض.
والصفحة الأخيرة من الدفتر اختفت الأب لف حوالين نفسه بجنون.
الراجل اختفى فين؟!
محدش رد.
كل الناس كانت واقفة مصدومة، لكن الأم ماكانش يهمها غير ابنها.
انحنت عليه وهي بتبكي
حبيبي أنا هنا، ماما هنا.
الطفل فتح عينيه بصعوبة، وبص حواليه.
أول ما شاف الذئاب، ماخافش.
بالعكس
مد إيده الصغيرة ناحيتها.
الأب لاحظ إن أكبر ذئب قرب من حافة الحفرة، ثم وقف مكانه.
الطفل همس
هما كانوا بيحاولوا يلاقوني.
الأب اتجمد.
يعني إيه؟
الطفل غمض عينيه لحظة، وكأنه بيحاول يفتكر.
أنا كنت في مكان ضلمة وكان في راجل بيقول لي ما تتكلمش.
الأم شهقت.
راجل مين؟
الطفل بدأ يرتجف.
مشفتش وشه كان لابس قفاز أسود.
الدكتور بص للأب.
لازم ننقله للمستشفى فورًا.
لكن قبل ما يرفعوه، الأب لاحظ شيئًا تحت رأس الطفل.
ورقة صغيرة مطوية.
فتحها بسرعة.
كانت مكتوبة بخط يد الطفل نفسه.
ثلاث كلمات فقط
المخزن المفتاح محمود.
الأب رفع رأسه ببطء.
محمود
الدكتور قال
المخزن القديم؟
الأب هز رأسه.
أيوه.
وفجأة، واحد من أهل القرية صرخ من بعيد
العربية السودا رجعت!
الجميع التفتوا.
كانت العربية تقف عند البوابة.
لكن هذه المرة لم ينزل منها الرجل الغريب.
نزل شخص آخر.
الأب حدق فيه، ثم قال
مستحيل
كان محمود نفسه.
الشخص الذي قيل لهم إنه مات منذ سنوات.
محمود وقف بعيدًا، ورفع يده.
وفي إيده كان المفتاح الصدئ الذي كان داخل الصندوق.
وقال بصوت واضح
لو عايزوا تعرفوا مين حط ابنكم في التابوت تعالوا ورايا.
الأب وقف بينه وبين ابنه.
مش هتتحرك من هنا.
محمود ابتسم بحزن.
أنا مش جاي آخده.
وأشار ناحية الغابة.
أنا جاي أرجعلك اللي اتسرق منك من سبع سنين.
الأب اتصدم.
سبع سنين؟ ابني عمره سبع سنين!
محمود رد
بالضبط.
ثم استدار ومشى ناحية الأشجار.
وفي اللحظة نفسها، الذئاب الثلاثة تحركت خلفه.
الأب بص لابنه
ثم للمفتاح
ثم للغابة.
وكان واضح إن الحقيقة اللي دفنوها من سبع سنين
بدأت أخيرًا تطلع للنور الأب ماقدرش يستنى أكتر.
سلّم الطفل للدكتور والأم، وجرى ناحية الغابة.
لكن قبل ما يدخل، وقف لحظة وبص وراه.
خليكم هنا. محدش يتحرك من غيري.
الدكتور هز رأسه، والأم ضمت ابنها لصدرها وهي بتبكي.
الأب دخل الغابة.
الثلج كان بيغطي الأرض، وآثار أقدام محمود والذئاب كانت واضحة قدامه.
فضل ماشي وراهم لحد ما وصل لمبنى قديم متهالك، مخبي بين الأشجار.
كان المخزن.
الباب كان مقفول.
الأب طلع المفتاح الصدئ.
دخل المفتاح في القفل
لكن قبل ما يلفه، سمع صوت من الداخل
اتأخرت.
الأب اتجمد.
الصوت كان مألوفًا جدًا.
لف المفتاح وفتح الباب.
الظلام كان كثيف، لكن ضوء الشمس الضعيف دخل من فتحة في السقف.
وفي منتصف المخزن، كانت فيه طاولة خشبية.
وعليها عشرات الملفات.
أسماء أطفال.
تواريخ ميلاد.
تقارير مستشفيات.
وصور.
الأب بدأ يقلبها بسرعة.
وفجأة لقى صورة ابنه.
لكن الصورة كانت متاخدة وهو رضيع.
وتحتها جملة
الحالة رقم 17 تم تبديل الملف.
الأب حس إن رجليه مش شايلاه.
يعني إيه تبديل الملف؟
محمود وقف عند الباب وقال
يعني ابنك دخل المستشفى من سبع سنين بسبب حادثة بسيطة ومن يومها بدأت أكبر غلطة حصلت في القرية دي.
الأب بص له بغضب
إنت كنت فين كل السنين دي؟
محمود سكت.
وبعدين قال
كنت بدور على الدليل.
أشار لملف قديم.
والنهارده لقيته.
الأب فتح الملف.
وكان فيه تقرير قديم باسم ابنه
وتحته اسم طفل آخر.
نفس تاريخ الميلاد.
نفس المستشفى.
لكن رقم الملف مختلف.
وفجأة فهم الأب شيئًا.
ابنه لم يكن هو الطفل الذي عاش معه طوال السنوات الماضية.
كان هناك طفلان تم تبديل ملفاتهما منذ سبع سنوات.
الأب تراجع خطوة.
إنت عايز تقول إن ابني الحقيقي
محمود قاطعه
لا.
ثم أشار ناحية الصورة.
أنا بقول إن الطفل اللي في المستشفى من سبع سنين كان ابنك فعلًا لكن حد حاول يزوّر سجله ويخلي الحقيقة تختفي.
الأب قلب الصفحات بجنون.
آخر صفحة كانت تحتوي على توقيع.
توقيع الطبيب الذي كان واقفًا معهم عند القبر.
الأب رفع رأسه ببطء.
لكن قبل ما يتكلم
سمعوا صوت سيارة توقفت أمام المخزن.
محمود بص من النافذة.
وشه اتغير.
هم وصلوا.
الأب سأله
مين؟
محمود رد
الناس اللي كانوا فاكرين إن الطفل مات.
وفي نفس اللحظة، انطفأ النور الوحيد داخل المخزن.
وسمعوا صوت باب المخزن بيتقفل من الخارج.
ثم جاء صوت رجل من وراء الباب
محمود سلّم المفتاح.
محمود بص للأب وقال بهدوء
دلوقتي بدأ الجزء اللي كنت خايف منه من سبع سنين الأب حط إيده على فمه، وحاول ياخد نفسه بهدوء.
من برّه، اتكرر الصوت
محمود
متابعة القراءة