اختي بوظت الكمان
أختي بوّظت الكمان بتاعي قبل أكبر حفلة في حياتي بعشرين دقيقة لمجرد إني رفضت أديها الفستان الجديد بتاعي.
كانت فاكرة إنها كده دمّرت فرصتي الوحيدة.
لكن بعد أقل من عشرين دقيقة
هي نفسها كانت بتترجاني أساعدها.
قبل ما أطلع على المسرح بأكبر حفلة في حياتي بحوالي عشرين دقيقة، أختي اتعمدت تبوّظ الكمان بتاعي وإحنا بنتخانق بسبب فستان.
وبعدين بصت للكمان وهو واقع على أرض أوضة تبديل الملابس وقالت
يمكن دلوقتي تبطلي أنانية أخيرًا.
فضلت واقفة كام ثانية مش قادرة أتحرك.
الكمان ده كان بتاع جدي.
هو أول واحد حط القوس في إيدي وأنا عندي أربع سنين.
علّمني أول سلم موسيقي أعزفه.
وكان بيعدل وضعي وأنا عندي تمن سنين.
وقعد يسمعني وأنا بتدرب سنين، حتى في أسوأ أيام العزف، من غير ما عمره يخليني أحس إني وحشة أو أحرجني.
ولما مات، ساب الكمان ليا.
كان واحد من الحاجات القليلة اللي لسه بتخليني أحس إن جدي قريب مني.
الليلة دي، كان المفروض أعزف الحركة الأخيرة من كونشيرتو سيبيليوس مع أوركسترا شباب متروبوليتان في نيويورك.
والجمهور كان هيكون فيه متبرعين كبار، ونقاد موسيقى، ومديرين من تلات معاهد موسيقية.
كانت أهم فرصة للعزف جاتلي في حياتي.
ودلوقتي
كمان جدي كان متبهدل قدام رجلي.
وكل ده عشان فانيسا كانت عايزة الفستان بتاعي.
كانت لسه ماسكة الفستان الأخضر الزمردي على جسمها، وكأن مفيش أي حاجة حصلت.
قالت
عندك هدوم كتير يا كلير.
رديت
وإنتِ كمان عندك.
قالت
بس الفستان ده لايق عليا أكتر.
أنا شاريّاه مخصوص لليلة دي.
في اللحظة دي، تعبير وشها اتغير.
فانيسا عمرها ما كانت بتتقبل كلمة لأ.
وإحنا صغيرين، كل ما كانت تعجبها واحدة من هدايا عيد ميلادي، بابا وماما كانوا يقولولي شاركيها.
ولما قررت إنها عايزة أوضتي، كانوا يفكروني إني الأكبر ولازم أتنازل وأوصل لحل وسط.
ولما كانت تستلف مني فلوس وماترجعهاش، ماما كانت دايمًا تقولي ماكبرش الموضوع.
واحدة واحدة، فانيسا اتعلمت درس واحد كويس جدًا
لو ضغطت كفاية
في الآخر حد هيستسلم ويديها اللي هي عايزاه.
وغالبًا كنت أنا.
لكن الليلة دي، رفضت.
وهي ماقدرتش تستحمل.
فانيسا شالت جزء من الكمان اللي اتبهدل، وبصتلي وقالت
خلاص شكلك مش هتعزفي النهارده.
ماما كانت واقفة على باب الأوضة.
لثانية واحدة، استنيت إنها تتصرف.
تزعق.
تطلب تفسير.
وأخيرًا تقول لفانيسا إنها عدّت كل الحدود.
لكن ماما بصت للكمان.
وبعدين بصت لفانيسا.
وبعدين رجعت بصتلي.
وقالت
كلير، والنبي ماتكبريش الموضوع وتعملي خناقة كبيرة.
بصيتلها مش مصدقة.
نعم؟!
قالت
فانيسا اتعصبت. إنتِ عارفة هي حساسة قد إيه.
كنت على وشك أضحك من كتر الصدمة.
قلت
هي لسه مبوّظة آلة تمنها تقريبًا تمانين ألف دولار!
فانيسا قلبت عينيها وقالت
بجد يعني؟ كمان جدو القديم ده؟
ماقلتش حاجة.
ودي كانت أول غلطة منهم.
كانوا فاكرين إن قيمة الكمان جاية بس من عمره.
لكن غلطتهم التانية كانت أكبر بكتير.
كانوا فاكرين إن ده الكمان الوحيد اللي ممكن أعزف بيه الليلة دي.
فجأة موبايلي اهتز.
كانت رسالة من المايسترو أدريان كول.
خمس دقايق. إنتِ جاهزة؟
فانيسا عقدت دراعاتها وقالت
قولي له إنك مش هتقدري تعزفي.
نزلت على الأرض بحذر.
ولمّيت قطع كمان جدي واحدة واحدة، وحطيت كل حاجة جوه الجراب المبطن بالمخمل.
وبعدين قفلته.
بهدوء.
وبعناية.
وقفت.
ماما بصتلي باستغراب.
إنتِ رايحة فين؟
رديت
رايحة أعزف.
ابتسامة فانيسا المتعجرفة اختفت.
هتعزفي بإيه؟
بصيت في عينيها مباشرة.
ولأول مرة من ساعة ما بوّظت الكمان، ابتسمت.
بآلة إنتِ ماتعرفيش عنها حاجة.
قبلها بسنتين، كنت كسبت مسابقة دولية لموسيقى الحجرة في فيينا.
والأداء ده أدى لحاجة عمري ما شرحتها لعيلتي بالتفصيل.
رعاية خاصة.
إليانور هايز، واحدة من كبار داعمي الفنون ورئيسة مؤسسة الأوركسترا، اهتمت بموهبتي ومسيرتي الفنية.
مؤسستها كانت بتحتفظ بمجموعة من الآلات الموسيقية التاريخية عشان تديها لموسيقيين موهوبين في بداياتهم.
وفي بعض الحفلات المهمة، كان مسموحلي أستخدم واحدة منها.
كمان ستراديفاريوس صنع سنة 1718.
وقيمته التقديرية كانت قريبة من تسعة ملايين دولار.
والليلة دي
كان موجود بالفعل ورا المسرح.
محطوط في أوضة مؤمنة ومقفولة.
مستني إني آخده.
ولأول مرة، فانيسا ماعرفتش تقول حاجة.
ملامح وشها اتغيرت تمامًا.
لكن لثانية واحدة بس.
وبعدين رفعت الفستان الأخضر شوية وهزت كتفها وقالت
عادي. إنتِ برضه مش هتاخدي الفستان ده.
بصيت للفستان.
وبعدين بصيتلها.
وقلت
خليه معاكي.
ابتسامتها رجعت فورًا.
كانت فاكرة إنها كسبت حاجة.
تاني.
كانت فاكرة إني خسرت كمان جدي، وخسرت الفستان، وبرغم كده خرجت من الموقف وأنا المهزومة.
لكن ماكانتش تعرف إيه اللي هيحصل.
لأن الفستان اللي أخدته للتو
كان مرتبط بحاجة أكبر بكتير مما تتخيل.
وبعد أقل من عشرين دقيقة، وأنا بستعد أطلع على المسرح وفي إيدي كمان قيمته تسعة ملايين دولار
فانيسا جريت عليّا ورا المسرح.
الابتسامة المتعجرفة اختفت.
والغرور اختفى.
وكان شكلها مرعوب.
وأول كلمة خرجت من بقها كانت
كلير والنبي ساعديني. لازم تساعديني ووو
حكايات زيزي
فضلت ماسكة الصورة، وإيدي بتترعش.
ماكانش ينفع أكون غلطانة.
الشخص اللي واقف جنب جدي كان دانيال هايز
والد إليانور هايز.
نفس الراجل اللي عيلتي قالتلي طول عمري إنه مات قبل ما أولد بسنين.
رفعت الصورة قدام فانيسا.
إنتِ تعرفي الراجل ده؟
بصت للصورة.
وبمجرد ما شافته، حطت إيدها على بقها.
مستحيل
إنتِ تعرفيه؟
هزت راسها بسرعة.
لا بس أنا شفت صورته قبل كده.
فين؟
قبل ما تجاوب، سمعنا صوت المايسترو من آخر الممر
كلير! لازم نبدأ!
بصيت للساعة.
باقي أقل من دقيقة.
كنت واقفة بين حاجتين
أطلع على المسرح وأعزف أهم أداء في حياتي
أو أبدأ أدور على سر ممكن يقلب كل حاجة أعرفها عن جدي وعيلتي.
فانيسا مسكت دراعي.
اطلعي.
بصيت لها.
إيه؟
قالت
لو جريتِ دلوقتي ورا الراجل، الحفلة هتضيع.
وبعدين بصت للكمان القديم اللي في الجراب.
وجدو ماكانش هيحب إنك تضيعي حلمك عشاني.
كانت أول مرة في حياتي أسمع فانيسا تقول جملة بالشكل ده.
مدت إيدها للظرف.
بعد الحفلة نفتح الباقي سوا.
ترددت.
لكن صوت المايسترو جه تاني
كلير!
قفلت الظرف وحطيته في جيبي.
ومسكت كمان ستراديفاريوس.
دخلت المسرح.
الأضواء ضربت عيني.
الجمهور كله قام تقريبًا في نفس اللحظة.
أخدت نفس عميق.
وبدأت أعزف.
الغريب إن أول نغمة خرجت من الكمان خلتني أنسى كل حاجة.
كان صوته مختلف.
أعمق.
أدفى.
كأن الآلة نفسها بتحكي حكاية قديمة.
وبعد أول حركة، بدأت ألاحظ حاجة غريبة.
إليانور هايز كانت قاعدة في الصف الأول.
لكنها ماكانتّش بتبص للكمان.
كانت بتبص لي أنا.
طول الوقت.
وفي نص الحركة الأخيرة، رفعت إيدها وحطتها على صدرها.
وبعدين قالت كلمة من غير صوت.
أنا قدرت أقراها من حركة شفايفها.
أخيرًا.
اتجمدت للحظة.
لكن كملت العزف.
انتهت الموسيقى.
الجمهور انفجر بالتصفيق.
وقفت وأنا بحاول ألتقط نفسي.
إليانور ماصفقتش.
كانت واقفة مكانها، ووشها شاحب.
وبمجرد ما نزلت من المسرح، لقيتها مستنياني ورا الستارة.
مسكت إيدي وقالت
فين المفتاح؟
قلبي وقع.
إنتِ تعرفي عنه؟
بصت ورايا تتأكد إن محدش سامع.
كنت أتمنى ما توصليش له بالشكل ده.
قلت
مين حطه في الفستان؟
ماجاوبتش.
ومين الراجل اللي كان واقف جنب جدي في الصورة؟
وشها اتغير.
سكتت ثواني طويلة.
وبعدين قالت
أبويا.
بس أبوكي مات قبل ما أولد.
هزت راسها ببطء.
دي كانت الحكاية اللي اتقالت لنا.
قربت مني أكتر.
لكن الحقيقة إن أبويا اختفى.
سألتها
اختفى إمتى؟
قالت
في نفس الليلة اللي جدو سلّم فيها الكمان لحد من عيلتك.
حسيت إن الأرض بتتحرك تحت رجلي.
لحد من عيلتي؟
قبل ما تكمل، ظهر صوت فانيسا.
كلير!
لفيت.
كانت واقفة في آخر الممر، ماسكة ظرف تاني.
لكن المرة دي
ماكانش الظرف أسود.
كان عليه ختم أحمر.
وبمجرد ما شافته إليانور، وشها اتبدل تمامًا.
قالت بصوت منخفض
مين اداكي الظرف ده؟
فانيسا قالت
كان جوه جراب الكمان.
إليانور اتقدمت خطوة.
ماتفتحيهوش.
بصيت لها.
ليه؟
ردت
لأن لو اللي جواه هو اللي أنا فاكرة
وسكتت.
إيه؟
بصت لفانيسا.
وبعدين لي.
وقالت
يبقى الشخص اللي بوّظ كمان جدك الليلة دي ماكانش عايز يمنعك من الحفلة.
بلعت ريقي.
أمال كان عايز إيه؟
إليانور بصت للكمان اللي في إيدي.
وقالت
كان عايزك تستخدمي الكمان ده تحديدًا.
وفي نفس اللحظة
سمعنا صوت خبطة قوية جاية من أوضة الآلات.
جرينا كلنا ناحية الباب.
فتحناه.
وكانت الكارثة.
الكمان القديم بتاع جدي
اللي كنت حطيته في الجراب وقفلته بنفسي
كان الجراب مفتوح.
والكمان اختفى فضلنا واقفين قدام الجراب المفتوح كأن الزمن وقف.
فانيسا كانت أول واحدة اتكلمت
أنا ماخدتوش.
بصيت لها.
أنا ماقلتش إنك خدتِه.
بس عارفة إنك فكرتي فيها.
إليانور نزلت على ركبتها وفحصت الجراب.
وبعدين رفعت عيني وقالت
محدش لمس القفل.
إزاي؟ أنا قفلته بنفسي.
أشارت للجراب.
لأن القفل اتفتح من جوه.
سكتنا كلنا.
من جوه؟!
هزت راسها.
شوفي.
قربت.
كان فيه خدش صغير جدًا على الجزء الداخلي من الجراب، وكأن حد حاول يفتح مكان مخفي.
فانيسا قالت
يعني الكمان كان فيه حاجة؟
إليانور ما ردتش.
بدل كده، مدت إيدها ناحية البطانة.
ضغطت على زاوية صغيرة.
وفجأة
جزء من البطانة اتحرك.
ظهر تجويف صغير.
فارغ.
بصيت لها بصدمة.
إيه ده؟
قالت
مكان سري.
وكان جواه إيه؟
إليانور سكتت.
فانيسا صرخت
قولي!
إليانور بصت لنا الاتنين وقالت
مفتاح.
مفتاح إيه؟
ماعرفش.
وإنتِ عارفة منين إن فيه مفتاح أصلًا؟
بصت لي طويلًا.
لأن أبويا هو اللي عمل المكان ده.
حسيت إن كل الأسرار اللي بدأت تظهر الليلة دي مرتبطة ببعض.
جدي.
أبو إليانور.
الكمان.
الفستان.
والمفتاح.
لكن فجأة
فانيسا شهقت.
استني.
بصيت لها.
كانت بتبص على إيدي.
المفتاح اللي كان في الظرف
لمست جيبي.
لكن جيبي كان فاضي.
فتشت بسرعة.
مفيش مفتاح.
مستحيل.
إليانور قربت مني.
إنتِ متأكدة إنك حطيتيه هنا؟
أيوه!
فتشنا الأرض، والشنطة، والجراب، وحتى الورقة.
ولا أثر له.
فانيسا بصتلي وقالت
حد أخده وإنتِ على المسرح.
سكتنا.
ثم سمعنا صوت خطوات في الممر.
خطوات بطيئة.
حد كان بيقرب من الباب.
إليانور أشارت لنا نسكت.
الخطوات وقفت.
وبعدين جاء صوت رجل من الناحية التانية
كلير؟
قلبي اتقبض.
كان صوت المايسترو.
فتحت الباب.
كان واقف لوحده.
بص لي وقال
لازم تيجي معايا حالًا.
قلت
ليه؟
اتردد.
وبعدين قال
الشرطة وصلت.
الشرطة؟!
هز راسه.
فيه بلاغ اتقدم بسرقة آلة موسيقية تاريخية.
بصيت للكمان البديل اللي كان لسه في إيدي.
بس الآلة دي موجودة.
بص للآلة.
وبعدين قال
أنا مش بتكلم عن دي.
وسكت لحظة.
أنا بتكلم عن كمان جدك.
فانيسا قربت مني.
مين بلغ؟
المايسترو بص لها.
إنتِ.
فانيسا اتجمدت.
أنا؟!
البلاغ اتعمل من تليفونك.
فتحت عينيها.
مستحيل.
مد إيده بالموبايل.
الشاشة كانت مفتوحة على رسالة.
والرسالة كانت بتقول
تمت سرقة الكمان. كلير تعرف مكانه.
بصيت لفانيسا.
إنتِ بعتي الرسالة دي؟
هزت راسها وهي مرعوبة
لا.
لكن قبل ما نقدر نقول أي حاجة
إليانور أخدت الموبايل من إيد المايسترو.
وبصت للرسالة.
وبعدين قالت بهدوء مخيف
دي مش سرقة.
أمال إيه؟
رفعت عينيها لي.
دي محاولة لإجبارك على فتح مكان معين.
مكان إيه؟
إليانور بصت للجراب الفاضي.
المكان اللي كان الكمان بيخبي مفتاحه.
وفي نفس اللحظة، موبايل فانيسا اهتز.
رسالة جديدة وصلت.
فتحناها.
كانت من رقم مجهول.
وفيها صورة واحدة فقط.
صورة للكمان بتاع جدي.
وكان موجود فوق ترابيزة في مكان مظلم.
وتحته ورقة مكتوب عليها
لو عايزة تعرفي ليه جدو اختارِك إنتِ تعالي لوحدك.
وفي أسفل الصورة
كان ظاهر جزء من ساعة حائط.
عرفتها فورًا.
كانت الساعة الموجودة في بيت جدي القديم.
البيت اللي اتقفل من يوم وفاته
والمفتاح الوحيد ليه كان مع أمي بصيت لماما، اللي كانت واقفة بعيد عننا، وكأنها فهمت من نظرتي إن في حاجة حصلت.
قلت
ماما مفتاح بيت جدو معاكي؟
وشها اتغير.
ما ردتش.
فانيسا بصتلها وقالت
ماما؟
ماما قربت ببطء.
ليه بتسألي؟
طلعت موبايلي ووريتها الصورة.
أول ما شافت الساعة اللي في الخلفية
إيديها بدأت تترعش.
قالت بصوت واطي
البيت ده اتقفل من يوم وفاة أبويا.
أنا عارفة.
ومحدش دخله من وقتها.
إليانور قالت
حد دخله الليلة.
ماما بصتلها.
ولأول مرة، لاحظت إن الاتنين يعرفوا بعض.
قلت
إنتوا تعرفوا بعض؟
ماما ماجاوبتش.
سألتها تاني
تعرفي إليانور هايز؟
فضلت