جابو راهبة حكايات زيزي
جابوا راهبة ميتة للمشرحة، لكن أول ما الدكتور قصّ الزي بتاعها، ظهرت جملة مكتوبة على جسمها
ماتعملش التشريح
واللي اكتشفوه بعد كده مكنش معجزة زي ما ممكن حد يتخيل، لكنه كان كابوس قادر يدمّر دير كامل.
دكتور دكتور، تعالى شوف ده!
قالها كاميلو وصوته مكسور، وهو بيرجع خطوتين لورا، كأنه شاف حاجة خلت الترابيزة اللي عليها الجثة تبعد عنه.
الدكتور إستيبان فونسيكا رفع عينه من على ترابيزة الأدوات.
كان شغال في المشرحة المركزية في بويبلا بقاله أكتر من خمستاشر سنة، وشاف خلال السنين دي حاجات كتير جدًا.
ومع ذلك، كان لسه فيه حاجات قليلة تقدر تهزه.
قليلة جدًا.
لكن الجثة اللي كانت ممددة فوق الترابيزة المعدنية الباردة في الليلة دي مكنتش مجرد جثة عادية.
دي كانت راهبة.
البنت كانت لسه لابسة الزي الأسود بتاعها، مترتب بعناية على جسمها النحيف.
وشها كان هادي بشكل غريب بل كان فيه نور غريب، كأنها مش ميتة أصلًا، وكأنها نايمة بعد ساعات طويلة من الصلاة.
كانوا جابوها من دير سانتا كلارا، الموجود على أطراف المدينة، بأمر مباشر بإجراء تشريح للجثة.
موتها حصل فجأة بشكل مخيف.
ومحدش من أطباء الدير قدر يفسر إزاي حصل ده.
إيه اللي حصل؟
سأل فونسيكا وهو بيقرب منها.
كاميلو بلع ريقه بصعوبة وقال
فيه قطع في القماش عند ضهرها. في الأول افتكرت إنه وشم.
فونسيكا عقد حواجبه وقال
بتحصل مش كل الراهبات بيدخلوا الدير وهم صغيرين.
لكن حتى هو مكنش مقتنع بكلامه.
ولما انحنى وبص كويس، شاف علامة غامقة تحت القماش المقطوع.
بص بسرعة لكاميلو، وكاميلو بص له.
وبعدين الاتنين لفّوا جسم الراهبة بحذر.
فونسيكا همس بصلاة تلقائية، وبعدها طلب المقص وبدأ يفتح الزي الأسود.
وفي ثانية واحدة
نَفَسه اتقطع.
دي مكنتش علامة ولا وشم.
دي كانت رسالة.
كلمات مكتوبة مباشرة على جلد البنت، بخط مهزوز لكن واضح جدًا
ماتعملش التشريح. استنى ساعتين. اللي محتاجه موجود في جيب الزي بتاعي.
كاميلو مد إيده بسرعة ناحية الجيب، لكن إيده كانت بتترعش.
وقال بصوت واطي
لأ لأ، ده مستحيل ووووو
حكايات زيزي
كاميلو سحب إيده من جيب الزي بسرعة، كأنه لمس حاجة سخنة.
استنى ما تلمسش حاجة.
فونسيكا قرب منه، لكن قبل ما يمد إيده، سمعوا صوت معدني خفيف جاي من الجيب.
تك تك
الاتنين بصوا لبعض.
فونسيكا قال بهدوء
طلّع الجيب من غير ما تدخل إيدك.
كاميلو استخدم الملقط، وبدأ يسحب محتويات الجيب واحدة واحدة.
مسبحة صغيرة.
مفتاح حديد قديم.
وبعدين
ظرف بني صغير، مقفول بالشمع الأحمر.
كان عليه ختم الدير.
فونسيكا أخده، وقلبه بدأ يدق أسرع.
مين اللي حط ده هنا؟
كاميلو هز راسه.
مش عارف.
افتحه.
الدكتور لو الرسالة قالت نستنى ساعتين
قالت إن اللي محتاجينه موجود في جيبها. وإحنا لازم نعرف إيه هو.
قطع فونسيكا الشمع.
فتح الظرف.
في البداية، كان جواه ورقة واحدة بس.
لكن أول ما فردها، وشه اتغير.
كاميلو سأله
مكتوب إيه؟
فونسيكا ماردش.
فضل يقرأ السطور مرة واتنين.
وبعدين قال بصوت منخفض
دي مش رسالة للشرطة.
أمال لمين؟
فونسيكا رفع عينه وقال
للِّي هي عارفة إنه هييجي بعد موتها.
كاميلو قرب منه.
وفي اللحظة دي، سمعوا صوت جرس المشرحة.
جرس الباب الخارجي.
مرة.
مرتين.
وبعدين تلات مرات متتالية.
كاميلو بص ناحية الباب.
مين هييجي هنا الساعة دي؟
فونسيكا حط الورقة بسرعة تحت المصباح.
اقفل الباب.
ليه؟
اقفله يا كاميلو.
كاميلو جري ناحية الباب وقفله بالمفتاح.
وبعد ثواني، سمعوا صوت طرق خفيف.
ثم صوت امرأة من الناحية التانية
دكتور فونسيكا افتح.
فونسيكا تجمد مكانه.
لأنه عرف الصوت.
دي كانت الأخت مارتا.
رئيسة دير سانتا كلارا.
والأغرب
إنه قبل ساعات قليلة، كانت هي بنفسها اللي سلمت له أمر نقل جثة الراهبة للمشرحة.
فونسيكا بص ناحية الجثة.
وبعدين بص للباب.
وقال
مستحيل تكون عارفة باللي حصل هنا
لكن صوتها رجع من خلف الباب
دكتور أنا عارفة إنك فتحت الظرف.
سكت فونسيكا تمامًا.
كاميلو قرب منه وهمس
إزاي عرفت؟
ومن الناحية التانية، قالت الأخت مارتا جملة خلت الدم يبرد في عروق الاتنين
لأن الأخت إيلينا ما ماتتش وهي بتحاول تنقذ نفسها
هي ماتت وهي بتحاول تمنعكم من اكتشاف اللي تحت الدير فونسيكا حس إن رجليه اتقلوا فجأة.
بص لكاميلو، وبعدين للباب.
تحت الدير؟
صوت الأخت مارتا جه من الناحية التانية
افتح يا دكتور مفيش وقت.
كاميلو هز راسه بسرعة
متفتحش.
فونسيكا بص له باستغراب.
ليه؟
لأنها عرفت إننا فتحنا الظرف من غير ما تشوفنا.
فونسيكا سكت.
كان عنده حق.
لو الأخت مارتا واقفة برا فعلًا، إزاي عرفت إن الظرف اتفتح؟
قرب فونسيكا من الباب من غير ما يفتحه، وقال
لو إنتِ فعلًا الأخت مارتا قوليلي إيه آخر حاجة قلتيها للأخت إيلينا قبل ما تموت؟
سكت الصوت.
ثواني طويلة مرت.
وبعدين جاء الرد
قلت لها إن السر لازم يفضل مدفون.
فونسيكا رجع خطوة.
كاميلو همس
دي الإجابة؟
فونسيكا بص للجثة.
لأ.
ليه؟
لأن الأخت إيلينا ما كانتش هتكتب ماتعملش التشريح لو كانت عايزة السر يفضل مدفون.
وفجأة
سمعوا صوت ارتطام قوي بالباب.
مرة واحدة.
وبعدين سكون.
كاميلو قرب من الباب بحذر، وبص من العين الصغيرة.
وشه شحب.
الدكتور
إيه؟
مفيش حد.
فونسيكا فتح الباب بسرعة.
الممر كان فاضي.
لكن على الأرض
كان فيه شيء صغير موضوع أمام الباب.
مفتاح.
نفس شكل المفتاح اللي خرج من جيب الراهبة.
فونسيكا انحنى وأخده.
كان مربوط فيه رقم معدني صغير
17
كاميلو قال
رقم أوضة؟
فونسيكا هز راسه.
في الدير مفيش أوضة رقم 17.
وبعدين افتكر حاجة.
اتجه ناحية الجثة، وفتح الورقة مرة تانية.
في أسفل الرسالة كان فيه سطر صغير جدًا، مكتوب بحبر باهت
لو وصلت للمفتاح متروحش لوحدك.
فونسيكا بص لكاميلو.
هنروح الدير.
كاميلو اتوتر
دلوقتي؟
دلوقتي.
لكن قبل ما يتحركوا، سمعوا صوتًا خافتًا خلفهم.
صوت احتكاك معدن بمعدن.
التفتوا ناحية ترابيزة التشريح.
الدرج اللي كانوا حاطين فيه متعلقات الراهبة
كان بيتفتح ببطء لوحده.
فونسيكا اقترب.
وبينما الدرج بينفتح، ظهرت ورقة ثانية لم تكن موجودة قبل دقائق.
وعليها أربع كلمات فقط
ابدأوا بالكنيسة القديمة فونسيكا فضل واقف قدام الورقة ثواني، مش قادر يستوعب اللي بيحصل.
كاميلو قال
بس إنت كنت واقف هنا من شوية الورقة دي ما كانتش موجودة.
فونسيكا ما ردش.
مسك الورقة بقفازاته، وقلبها على الناحية التانية.
مفيش حاجة.
لكن لما قربها من الضوء، ظهرت آثار ضغط على الورق، كأن حد كان كاتب فوقها ورقة تانية.
فونسيكا حط قلم رصاص على سطحها ومرره برفق.
بدأت الكلمات تظهر تدريجيًا.
لو لقيتوا الباب متفتحوش قبل ما تلاقوا الجرس.
كاميلو اتراجع.
أي باب؟
فونسيكا بص له.
واضح إننا هنكتشفه في الدير.
بعد أقل من ساعة، كانت العربية بتتحرك في الطريق المؤدي لدير سانتا كلارا.
الليل كان ساكت بشكل غير طبيعي.
الدير ظهر من بعيد، محاط بسور حجري قديم، وفوقه برج الكنيسة.
لكن حاجة واحدة شدت انتباه فونسيكا.
الكنيسة القديمة كانت منورة.
مش قالوا إن المكان مقفول من سنين؟
كاميلو بص من الشباك.
قالوا إنهم بيستخدموها كمخزن.
فونسيكا ركن العربية.
نزلوا الاتنين.
الباب الرئيسي للدير كان مفتوح.
وده كان أغرب من كل حاجة.
فونسيكا نادى
يا أخوات!
مفيش رد.
دخلوا.
الممرات كانت واسعة، والإضاءة ضعيفة.
على الحيطان صور قديمة لراهبات عاشوا في الدير على مدار عشرات السنين.
كاميلو وقف فجأة قدام صورة.
دكتور
فونسيكا قرب.
الصورة كانت لثلاث راهبات واقفين أمام الكنيسة القديمة.
واحدة منهم كانت الأخت مارتا.
والتانية
كانت الأخت إيلينا.
أما الثالثة، فوشها كان مخدوش بالكامل.
كاميلو قال
ليه حد يشيل وشها من الصورة؟
فونسيكا قرب أكتر.
وتحت الصورة كان مكتوب تاريخ قديم.
منذ 23 عامًا.
وفجأة
سمعوا صوت جرس.
جرس واحد.
دون أن يتحرك أي شخص.
كاميلو همس
الجرس
فونسيكا بص للمفتاح اللي في إيده.
وعلى بعد أمتار منهم، ظهر باب خشبي صغير في نهاية الممر.
فوقه لوحة معدنية صدئة.
17
فونسيكا قرب منه.
دخل المفتاح.
المفتاح لف بسهولة.
لكن قبل ما يفتح الباب، لمح شيئًا محفورًا على الخشب.
نفس الجملة المكتوبة على جسد الراهبة.
ماتعملش التشريح.
كاميلو قال بسرعة
دكتور استنى.
فونسيكا وقف.
إيه؟
كاميلو أشار للأرض.
كان فيه تراب جديد أمام الباب
وعليه آثار أقدام.
آثار أقدام صغيرة.
والأغرب أنها كانت خارجة من الغرفة
مش داخلة إليها.
فونسيكا رفع عينه للباب.
ثم سمعوا من الداخل
ثلاث دقات.
دق دق دق
وبعدها صوت امرأة عجوز
اتأخرتوا جدًا كاميلو اتجمد مكانه.
سمعتِ؟!
فونسيكا رفع إيده يسكتّه.
الصوت رجع من جوه
افتحوا قبل ما يرجعوا.
فونسيكا حط إيده على المفتاح.
مين هم؟
مفيش رد.
كاميلو قرب من الباب وقال
حضرتك مين؟
جاء الرد بعد لحظات
أنا آخر واحدة فضلت حية.
فونسيكا بص لكاميلو.
وببطء شديد، لف المفتاح.
تك.
الباب اتفتح.
الغرفة كانت ضيقة ومظلمة، وفي آخرها شمعة واحدة مولعة فوق ترابيزة حجرية.
لكن مفيش أي شخص.
كاميلو دخل خطوة.
مفيش حد.
فونسيكا أشار للشمعة.
الشمعة لسه مولعة.
قربوا منها.
وفجأة، لاحظ فونسيكا وجود درج صغير تحت الترابيزة.
فتحه.
جواه دفتر قديم، ومفتاح تاني، وصورة بالأبيض والأسود.
رفع الصورة.
وكانت الصدمة
نفس الثلاث راهبات اللي في الصورة اللي شافوها برا.
الأخت مارتا.
الأخت إيلينا.
والراهبة اللي وشها كان مخدوش.
لكن في الصورة الجديدة، ظهر شيء لم يكن موجودًا في الصورة المعلقة.
خلف الراهبات
كان فيه طفل صغير واقف عند باب الكنيسة.
كاميلو قرب عينه.
مين الطفل ده؟
فونسيكا قلب الصورة.
على ظهرها كان مكتوب
لا تبحثوا عن الطفل ابحثوا عن المكان الذي أُخفي فيه.
سكت الاتنين.
وفجأة سمعوا صوت خطوات في الممر.
خطوة
ثم خطوة
ثم خطوة.
حد كان بيقرب من الباب.
فونسيكا طفى الشمعة بسرعة.
هو وكاميلو استخبوا خلف الحائط الحجري.
الباب اتحرك ببطء.
ودخل شخص لابس الزي الأسود.
ماشي بهدوء.
وقف في منتصف الغرفة.
وبعدين قال
كنت عارف إنكم هتيجوا.
كاميلو حبس نفسه.
الشخص مد إيده ناحية الترابيزة
وحط عليها ورقة.
وبدون ما يلتفت، قال
إيلينا ماتت لأنها حاولت تقول الحقيقة.
فونسيكا شد نفس طويل.
الشخص كمل
لكن اللي أخطر من موتها إن الحقيقة نفسها لسه عايشة.
وبعدين خرج وأغلق الباب.
فونسيكا انتظر ثواني.
ثم خرج من مخبئه وجرى ناحية الباب.
فتحه.
الممر كان فاضي.
لكن الورقة اللي تركها الشخص كانت لسه فوق الترابيزة.
فونسيكا فتحها.
وفي أول سطر قرأ
الطفل الموجود في الصورة لم يكن طفلًا غريبًا عن الدير
وتحتها مباشرة
كان واحدًا من أبناء المكان كاميلو