قبل ماامشي

لمحة نيوز

اللي دفنته كان شخصًا آخر.
سارة حطت إيدها على بوقها.
نادين رجعت خطوة لورا.
أما جمال، فكان واقف ساكت وكأنه كان متوقع ظهوره.
بصيت له.
إنت كنت عارف؟
قال
كنت شاكك.
قلت
شاكك؟!
رد
من زمان.
دخل الراجل إلى المخزن.
قعد على كرسي قديم، وبص لنا واحد واحد.
قبل ما أقول أي حاجة، لازم تعرفوا إن اللي حصل من سنين ما كانش مجرد خلاف عائلي.
قلت
أمال كان إيه؟
قال
كان فيه شراكة كبيرة، وأموال، ومستندات اتخبّت، وأشخاص حاولوا يستولوا على كل حاجة.
حمدي قاطعه
وأنت اختفيت ليه؟
بص له.
لأنهم كانوا هيقتلوا محمود لو عرفوا إني لسه عايش.
أنا ضربت بإيدي على الترابيزة.
مين هم؟
سكت.
وبعدين قال
الشخص اللي كان قريب منكم أكتر مما تتخيلوا.
بصيت لنادين.
وبعدين لجمال.
وبعدين لعمي فؤاد.
فقال
ولا واحد منهم.
اتصدمت.
أمال مين؟
أبويا أخرج ظرفًا قديمًا من جيبه.
الشخص ده هو اللي كان بيمسك كل الأوراق من ورا الستار.
مد الظرف لي.
فتحته.
كان جواه صورة قديمة جدًا.
صورة عائلية.
أنا وأخويا حمدي وأبويا وأمي وعمي فؤاد
وفي الخلفية كان واقف شخص آخر.
رجل لم أتعرف عليه في البداية.
لكن لما قلبت الصورة، لقيت اسمًا مكتوبًا بخط أمي
الأستاذ سامح المحامي.
اتجمدت.
سامح؟
حمدي قال
أيوه.
قلت
المحامي اللي كان ماسك ملفات الشركة؟
أبويا هز رأسه.
هو نفسه.
جمال قال
لكن سامح مات من سنين.
أبويا بص له.
لا.
ساد الصمت.
ثم قال
سامح عايش.
حسيت إن القصة كلها بتعيد نفسها.
كل شخص ظننّاه مات ظهر فجأة.
قلت
طب ليه كل الناس دي كانت بتختفي؟
أبويا رد
لأن كل واحد فيهم كان يعرف جزءًا من الحقيقة.
ثم نظر إلى الدفتر الأزرق.
لكن الدفتر ده فيه الجزء الأخير.
فتحته أمامه.
أشار إلى الصفحة الناقصة.
الصفحة دي هي اللي كل الناس بتدور عليها.
قلت
وإنت عارف كانت بتقول إيه؟
هز رأسه.
أيوه.
قول.
نظر إليّ طويلًا.
كانت بتقول إن نصيبك في الشركة ما كانش ملكك وحدك.
استغربت.
أمال ملك مين؟
قال
ملك أولادك.
سكت الجميع.
وأضاف
أبوك كتب إن نصيبك لا يجوز بيعه أو التصرف فيه إلا بموافقة أبنائك جميعًا.
بصيت لمنى.
ثم إلى ياسين.
فهمت فجأة ليه كانوا مهتمين بابنتي.
ليه كانوا عايزين توقيعي.
وليه كانوا عايزين منى تمضي.
قلت
يعني لو أخدوا توقيعي
أبويا أكمل
كانوا يقدروا يحاولوا نقل الملكية بعيدًا عن أولادك.
نادين قالت بصوت منخفض
عشان كده كنت بحاول أوصل للمستندات.
بصيت لها.
وإنتِ ليه ما قولتيليش؟
قالت
لأن الشخص اللي كان بيراقبني هددني.
سألتها
مين؟
نادين سكتت.
أبويا بص لها.
قولي يا نادين.
نادت دموعها.
سامح.
جمال اتنفس بصدمة.
سامح؟
نادين هزت رأسها.
أيوه.
في اللحظة دي، موبايل أبويا رن.
بص للشاشة، وبعدها قال
هو عرف إننا اتجمعنا هنا.
قلت
سامح؟
هز رأسه.
رد على المكالمة ووضعها على السماعة.
جاء صوت رجل هادئ
واضح إنك قررت تظهر يا محمود الكبير.
أبويا قال
انتهى كل شيء يا سامح.
ضحك الرجل.
لا، لسه البداية.
قلت
سامح! إنت عايز إيه؟
قال
عايز حقي.
حقك إيه؟
الورقة اللي معاك.
بصيت للدفتر.
قال
الدفتر الأزرق.
قلت
مش هديهولك.
ضحك.
مش محتاج منك تديهولي.
سكت لحظة.
ثم قال
لأن عندي نسخة من الصفحة الناقصة.
بصيت لأبويا.
وشه اتغير.
قال سامح
والنسخة دي فيها اسم الشخص اللي خان عيلته من البداية.
قلت
مين؟
قال
افتح الدفتر على الصفحة رقم 47.
فتحتها.
كان فيه سطر مكتوب بخط أبي
لو حصل لي شيء، لا تثقوا في...
والجملة كانت مقطوعة.
لكن تحتها كان فيه أثر كتابة ممسوحة.
قربت الورقة من الضوء.
وبدأت تظهر حروف باهتة.
حرف وراء حرف.
م... ح... م...
بصيت لحمدي.
محمد؟
حمدي هز رأسه.
مش محمد.
قربت الورقة أكتر.
ظهر باقي الاسم.
محمود.
اتجمدت.
اسمي؟
أبويا قال بسرعة
لأ.
أخذ الورقة مني.
وبص لها طويلًا.
ثم قال
دي مش كتابة أبوك.
رفعنا كلنا عيوننا إليه.
إزاي؟
قال
لأن الشخص اللي كتب الجملة دي كان بيحاول يقلد خطه.
قلت
مين؟
أبويا نظر إلى نادين.
نادين بدأت تبكي.
ثم قالت
أنا عارفة مين.
سألتها
مين؟
قالت بصوت مرتعش
الشخص الوحيد اللي كان عنده كل المستندات القديمة وكل توقيعاتكم وكان يقدر يقلد خط والدك.
سكتت لحظة.
ثم نطقت الاسم
أمي.
اتجمدت.
أمك كانت تعرف أبويا؟
نادين هزت رأسها.
مش بس كانت تعرفه.
أمال؟
نظرت إلى أبي.
ثم قالت
أمي كانت شريكته السرية في الشركة.
ساد صمت مرعب.
لكن قبل ما أقدر أسألها أي سؤال
سمعنا صوت زجاج بيتكسر من خارج المخزن.
حمدي صرخ
الكل يبعد عن الشبابيك!
ضممت ياسين إلى صدري.
وأبويا وقف بسرعة.
جمال اتجه للباب.
ثم سمعنا صوت سيارة تبتعد بسرعة.
وبعد ثوانٍ، دخل شيء صغير من تحت الباب.
ظرف أبيض.
أبويا انحنى ورفعه.
فتحه.
كان بداخله صورة واحدة.
صورة نادين وهي طفلة
واقفة بجانب أمي.
وخلفهما رجل أعرفه جيدًا.
والدي.
لكن على ظهر الصورة كانت جملة واحدة
نادين لم تدخل حياة محمود صدفة اسألها مين والدها الحقيقي فضلت باصص للصورة كأني مستني ملامحها تتغير.
نادين وهي طفلة
واقفة جنب أمي.
وأبويا واقف وراهم.
قلبت الصورة مرة تانية.
الجملة كانت واضحة
نادين لم تدخل حياة محمود صدفة اسألها مين والدها الحقيقي.
رفعت عيني لنادين.
إنتِ تعرفي الصورة دي؟
وشها اصفر.
أيوه.
وإنتِ تعرفي مين والدك الحقيقي؟
سكتت.
نادين، أنا بسألك.
بدأت تعيط.
عارفة.
حمدي قرب منها.
يبقى قولي.
نادين مسحت دموعها وقالت
أبويا الحقيقي هو الرجل اللي كان بيشتغل مع والدك زمان.
سألتها
مين؟
قالت
سامح.
المكان كله سكت.
أنا حسيت إني مش قادر أتنفس.
سامح المحامي؟
هزت رأسها.
أيوه.
بصيت لأبويا.
وإنت كنت عارف؟
أبويا نزل عينيه.
وده كان كفاية.
صرخت
إنت كنت عارف؟!
قال بهدوء
كنت عارف إن سامح هو والدها.
نظرت لنادين.
وإنتِ عارفة من إمتى؟
من وأنا صغيرة.
وأمك؟
أمي ماتت وهي سايبة لي ظرف قالتلي ما أفتحهش غير لما أكون في خطر.
قلت
والظرف فين؟
نادين مدت إيدها للشنطة الجلد اللي كانت معاها.
طلعت ظرف قديم.
حطته قدامي.
ده.
فتحته.
كان جواه خطاب بخط امرأة.
بدأت أقرأ
نادين، لو وصلتي لليوم ده، يبقى سامح بدأ يدور على الأوراق من جديد.
كملت
أبوك الحقيقي مش هو الرجل اللي الناس فاكرينه. لكنه هو الوحيد اللي كان يعرف سر الاتفاق بين عيلتي وعيلة محمود.
وقفت.
أي اتفاق؟
نادين قالت
كمّل.
رجعت للخطاب.
كان والد محمود ووالدك شريكين في مشروع قديم. لكن بعد خلاف كبير، اتفقا على إن جزءًا من الأرباح يفضل محفوظًا لأبناء العائلتين.
رفعت عيني.
أبناء العائلتين؟
هزت نادين رأسها.
كملت القراءة
والأموال لم تختفِ. هي ما زالت موجودة.
حمدي قال
فين؟
بصيت لباقي الخطاب.
لكن الجزء الأخير كان ممزقًا.
الصفحة ناقصة.
نادين قالت
أمي قالت إن سامح أخد الجزء الأخير.
أبويا قال
لأ.
بصينا له.
قال
أنا أعرف مكانه.
اقتربت منه.
فين؟
قال
في البيت القديم.
سألته
بيت مين؟
رد
بيت سامح.
في اللحظة دي، موبايل منى رن.
ردت.
سمعنا صوت رجل من الطرف الآخر.
منى؟
منى قالت
أيوه، مين؟
الصوت رد
أنا عادل، محامي والدك.
اتنفسنا كلنا براحة.
لكن صوته كان متوترًا.
محمود موجود عندك؟
منى قالت
لأ، هو في المخزن.
سكت عادل لحظة.
ثم قال
خلي بالك فيه شخص قدم مستندات جديدة ضد والدك.
منى سألت
مين؟
رد
نادين.
كلنا بصينا لها.
نادين صرخت
مستحيل!
عادل كمل
فيه إفادة مكتوبة باسمك يا نادين، وبتقولي فيها إن محمود أجبرك على توقيع مستندات مالية.
نادين قربت مني بسرعة.
والله ما عملت كده!
بصيت لها.
أنا مصدق إنك ما عملتيش.
لكن السؤال كان
مين زور إفادتها؟
وفجأة حمدي قال
سامح.
أبويا هز رأسه.
أكيد.
قلت
لازم نلاقي البيت القديم.
خرجنا من المخزن، واتجهنا للبيت القديم.
كان بيتًا مهجورًا على أطراف القاهرة، المكان اللي كان سامح يستخدمه مكتبًا خاصًا قبل سنوات.
وصلنا بالليل.
الباب كان مفتوحًا.
دخلنا بحذر.
المكان مليان ملفات وصناديق.
نادين كانت ماشية جنبي، وساكتة.
قلت لها
إنتِ ليه وافقتي تتجوزيني؟
وقفت.
لأنك كنت الشخص الوحيد اللي أمي قالتلي أثق فيه.
يعني الجواز كان له علاقة بكل ده؟
هزت رأسها.
في البداية، كنت عايزة أوصل للحقيقة.
ثم قالت
لكن بعد ما عرفتك الموضوع اتغير.
بصيت لها.
اتغير إزاي؟
قالت
بقيت فعلًا أتمنى إنك تعيش حياة هادية.
سكت.
لكن قبل ما أرد، سمعنا صوت حركة في الدور العلوي.
حمدي رفع إيده.
محدش يتحرك.
ثم صعد السلم ببطء.
سمعنا بابًا يُفتح.
وبعد لحظات ناداني
محمود! تعالى!
طلعت بسرعة.
كان واقف داخل غرفة مليانة ملفات.
وفي وسط الغرفة، كان فيه مكتب قديم.
فوقه ظرف كبير.
فتحته.
طلع منه مستند رسمي.
قرأته.
ثم رفع عيني إليّ.
محمود دي وصية أبوك الأصلية.
أخذتها منه.
وقرأت أول سطر.
أوصي بأن تؤول ملكية المشروع إلى محمود وأولاده، بشرط ألا يتم التصرف فيها إلا بموافقة...
توقفت.
الاسم بعد كلمة بموافقة كان واضحًا.
نادين سامح.
بصيت لنادين.
وشها كان مصدومًا.
إيه ده؟
قالت
أنا؟
حمدي قال
أبوك كان رابط حقك بحقها.
نادين بدأت تبكي.
بس ليه؟
قلبت الصفحة.
وفي آخر الوصية، كان فيه تفسير قصير
لأن الحقيقة الكاملة لا يعرفها إلا ابن محمود وابنة سامح.
سكتنا كلنا.
وفجأة
انطفأت أنوار البيت.
سمعنا صوت باب بيتقفل من تحت.
ثم صوت خطوات.
خطوة
خطوة
خطوة
حد كان طالع السلم.
حمدي همس
هو هنا.
قلت
مين؟
جاء صوت رجل من أسفل السلم
أنا.
تجمدت.
الصوت كان واضحًا.
سامح.
قال
محمود لو عايز تعرف الحقيقة عن أبوك، وعن أخوك، وعن نادين انزل لوحدك.
ثم أضاف
لكن خد بالك
اللي هيحصل بعد الليلة دي، هيغير كل حاجة في عيلتك للأبد محمود فضل ثابت مكانه، وإيده ماسكة الوصية.
سامح كان واقف تحت السلم، لكن النور كان ضعيف لدرجة إن ملامحه مش واضحة.
حمدي همس
ما تنزلش.
سامح ضحك ضحكة قصيرة.
حمدي إنت لسه بتخاف علي أخوك بعد كل السنين دي؟
حمدي اتجمد.
إنت عرفت إني موجود؟
أنا اللي خلتك تستخبى.
نزلت درجة واحدة.
يعني إيه؟
سامح رفع عينه ليّا.
يعني لو كنت عايز أأذيك، كنت عملت كده من زمان.
أبويا اتقدم فجأة.
كفاية يا سامح.
سامح بص له طويلًا.
إنت بالذات ما تتكلمش.
سكت أبويا.
قلت
إنت عايز إيه؟
سامح أشار للوصية اللي في إيدي.
الورقة دي مش هي الأصل.
بصيت لها.
إيه؟
دي نسخة اتعملت من غير الصفحة الأخيرة.
نادين قالت
الصفحة الأخيرة عندك؟
سامح رد
لأ.
ثم بص لها وقال
الصفحة الأخيرة عند أمك.
نادين شهقت.
أمي ماتت من سنين.
أنا عارف.
يبقى إزاي عندها؟
سامح قال
لأنها خبّتها قبل ما تموت.
سألت
فين؟
سامح أخرج مفتاحًا صغيرًا من جيبه.
في مكان واحد محدش منكم فكر يدور فيه.
حمدي قال
فين؟
سامح بص لنادين.
في بيتك.
نادين رجعت خطوة.
بيتي؟
أيوه.
أنا فتشت البيت كله.
سامح ابتسم.
فتشتي الأماكن اللي كنتِ تعرفيها.
ثم قال
أمك كانت أذكى من كده.
وفجأة سمعنا صوت خبط شديد على الباب الخارجي.
مرة.
مرتين.
ثلاث مرات.
سامح بص ناحية الباب وقال
اتأخروا.
قلت
مين؟
رد
الناس اللي كانوا مستنيين إنكم توصلوا للحقيقة.
حمدي اتجه للباب.
سامح صرخ
ما تفتحش!
لكن حمدي كان سبق وفتح القفل.
وفجأة
دخل رجلين ومعاهم ملف كبير.
واحد منهم قال
إحنا من النيابة.
قلبي وقع.
النيابة؟
الرجل أخرج بطاقة.
فيه بلاغ ضد محمود عبدالسلام، وعايزين ناخده معانا للتحقيق.
نادين قربت مني.
البلاغ اللي قال عليه عادل؟
الرجل قال
فيه أكتر من بلاغ.
حمدي بص لسامح.
إنت اللي بلغت؟
سامح رد
لأ.
الرجل فتح الملف.
البلاغ مقدم من شخص اسمه
وتوقف لحظة.
ثم قال
محمود عبدالسلام نفسه.
بصيت له مصدوم.
إيه؟
فيه إقرار رسمي باسمك بتتهم فيه أفراد من عيلتك بالتزوير والاستيلاء على أموالك.
قلت
أنا ما قدمتش أي بلاغ!
الرجل أخرج ورقة.
والتوقيع توقيعك.
أخذت الورقة.
نظرت للتوقيع.
كان مطابقًا لتوقيعي.
لكن تحت التوقيع كان فيه تاريخ.
التاريخ كان قبل يومين من زفافي.
نادين قالت
يعني حد كان مخطط لكل ده قبل الفرح.
سامح قال بهدوء
لأ.
ثم نظر إليّ.
المخطط بدأ من سبعة وعشرين سنة.
اتجمدت.
سبعة وعشرين سنة؟
أبويا غمض عينيه.
وساعتها فهمت إن في حاجة هو مخبيها.
بصيت له.
إنت تعرف حاجة.
ما ردش.
قربت منه.
بابا إنت تعرف إيه؟
فضل ساكت.
لحد ما سامح قال
اسأله عن اليوم اللي اختفى فيه أخوك.
حمدي قال بعصبية
إنت قلتلي إنك هتحميني!
سامح رد
حميتك من الحقيقة، مش من الناس.
بصيت لحمدي.
إيه الحقيقة؟
حمدي نزل عينه.
وبصوت مكسور قال
أنا ما اختفيتش لوحدي يا محمود.
أمال مين أخدك؟
رفع عينه ليّا.
أبوك.
ساد الصمت.
أنا بصيت لأبويا.
هو ما أنكرش.
بس قال جملة واحدة
كنت بحاول أنقذك.
قلت
من مين؟
أبويا بص لنادين.
وبعدين لسامح.
وقال
من الشخص اللي كان بيحركنا كلنا من غير ما نعرف.
سامح شد على فكه.
خلاص يا محمود
ثم أشار للوصية في إيدي.
افتح الدرج اللي تحت المكتب.
فتحت الدرج.
كان فاضي.
لكن في قاعه ورقة صغيرة ملزوقة.
نزعتها.
كان مكتوب عليها
لو وصلت للورقة دي، يبقى محمود عرف إن سامح موجود.
وتحتها اسم واحد فقط.
اسم خلاني أفقد القدرة على الكلام
محمود.
بصيت لسامح.
ليه اسمي مكتوب هنا؟
سامح رد بهدوء
لأن اللي كتب الورقة دي
كان محمود نفسه محمود فضل باصص للورقة، ومش قادر يستوعب اللي سامعه.
أنا اللي كتبتها؟
سامح رد بهدوء
أيوه.
بس أنا عمري ما شفت الورقة دي!
أبويا قرب منه وقال
لأنك كتبتها وإنت عندك خمسة وتلاتين سنة وبعدها نسيت كل حاجة.
محمود حس إن الأرض بتتحرك تحت رجليه.
أنسى إيه؟!
أبويا سكت.
حمدي قال
اليوم اللي اختفيت فيه أنا كان اليوم اللي حصلت فيه الحكاية دي.
نادين قربت من محمود.
محمود، لازم نعرف الحقيقة قبل ما حد يسبقنا.
محمود بص لسامح
إنت قلت إنك عارف كل حاجة. اتكلم.
سامح أخد نفس طويل.
من سبعة وعشرين سنة، والدك اكتشف إن جزء كبير من أموال الشركة اختفى من الحسابات.
مين أخدها؟
محدش سرقها.
أمال راحت فين؟
سامح بص لأبو محمود.
والدك نقلها لحساب أمان باسم أولادك.
محمود اتصدم.
أولادي كانوا أطفال!
عشان كده بالضبط.
نادين قالت
وإيه علاقة أمي؟
سامح رد
أمك كانت الشريكة التجارية الوحيدة اللي كانت تعرف مكان المستندات.
ثم بص لمحمود
وفي الليلة دي، أبوك طلب منك توقع على ورقة.
محمود حط إيده على رأسه.
بدأت صور متقطعة تيجي في دماغه
مكتب قديم
صوت أبوه
حمدي واقف عند الباب
وصندوق أزرق.
ثم صوت صراخ.
فتح عينيه فجأة.
الصندوق!
الجميع بص له.
صندوق إيه؟
محمود قال
أنا فاكر!
جرى ناحية المكتب القديم، وبدأ يدور في الأدراج.
كان هنا أنا شفته هنا!
نادين ساعدته.
وبعد دقائق، خبطت إيد محمود في قطعة خشب تحت المكتب.
رفعها.
كان فيه تجويف صغير.
وفي داخله
مفتاح وصورة قديمة وورقة مطوية.
فتح الورقة.
كان مكتوب
مفتاح الخزنة مع الشخص الذي ظننتم أنه مات.
حمدي قال
يعني مين؟
محمود رفع عينه ببطء.
وفي اللحظة نفسها، سمعوا صوت باب البيت بيتفتح.
دخل رجل مسن، ماسك عصاية.
نظر لمحمود وقال
أنا.
نادين شهقت.
سامح رجع خطوة.
وأبو محمود همس
مستحيل
الرجل ابتسم وقال
محدش مات يا محمود.
ثم أضاف
لكن اللي مات من سبعة وعشرين سنة
كان اسمك القديم محمود فضل واقف مكانه، مش قادر يستوعب آخر جملة.
اسمي القديم؟ يعني إيه؟
الرجل العجوز قرب منه وقال
أبوك غيّر هويتك بعد اللي حصل. مش
عشان يهربك من القانون عشان يحميك من الناس اللي كانوا عايزين يوصلوا لأموال أولادك.
محمود بص لأبوه.
وإنت كنت مخبي عليّا كل ده؟
أبوه رد بصوت مكسور
كنت فاكر إن النسيان هيحميك.
سامح حط قدامه آخر ورقة من الوصية.
والحقيقة إن محمود ما كانش هو اللي كتب المستندات المزورة. هو كان بيحاول يكشفها، لكن حد استخدم توقيعه القديم عشان يلفق له كل حاجة.
نادين قالت
طب ومين الشخص ده؟
سامح بص لأبو محمود.
الشخص اللي كان ماسك كل مفاتيح الشركة وقتها.
الكل بص ناحية الرجل العجوز.
لكنه هز رأسه.
مش أنا.
ثم أشار إلى الصندوق الأزرق.
افتحوه.
محمود فتح الصندوق.
جواه كانت كل المستندات الأصلية، وإيصالات التحويل، ودفتر الحسابات القديم.
وفي آخر صفحة كان فيه توقيع واضح.
التوقيع لم يكن توقيع محمود.
كان توقيع شخص آخر من مجلس إدارة الشركة، ثبت أنه هو اللي نقل الأموال لحسابات وهمية واستخدم توقيعات قديمة لتغطية فعلته.
لكن المفاجأة الأكبر كانت إن الأموال نفسها لم تختفِ.
كانت محفوظة في حساب قانوني باسم أبناء محمود منذ سنوات، ولم يكن من حق أي شخص التصرف فيها دون موافقتهم.
ساعتها فهم محمود ليه كل الناس كانت بتحاول توصل للوصية.
وليه حد كان بيحاول يزوره.
وليه نادين دخلت حياته وهي عارفة جزءًا من الحقيقة.
نادين قالت له
أنا غلطت لما خبيت عليك الحقيقة. لكن عمري ما كنت عايزة أأذيك أو آخد منك حاجة.
محمود رد
كان لازم تقولي من البداية.
هزت رأسها
عارفة.
أما حمدي، فاقترب من أخوه.
أنا آسف إني اختفيت كل السنين دي.
محمود حضنه.
المهم إنك رجعت.
وبعد أسابيع، ظهرت المستندات أمام الجهات المختصة، واتكشف التزوير بالكامل، واتلغت كل الأوراق المزيفة اللي كانت باسم محمود.
أما قضية نادين، فاتضح إنها كانت ضحية لمحاولة استخدام اسمها هي كمان، فتم إسقاط الاتهامات عنها بعد ظهور المستندات الأصلية.
وبالنسبة لثروة العائلة، محمود قرر ما يحتفظش بيها لنفسه.
نفّذ وصية أبوه كما هي، وخلى حقوق أولاده محفوظة، وجزء من الأموال اتخصص لمشروع خيري باسم العائلة.
أما الزواج؟
محمود ألغاه.
مش لأنه كره نادين
لكن لأنه اكتشف إن الزواج لازم يبدأ بالثقة، والحقيقة بينهم كانت لسه مليانة أسرار.
وقبل ما يمشي، أعطاها الصورة القديمة.
وقال
دي مش ذكرى سيئة.
دي دليل إنك كنتِ جزء من الحكاية قبل ما تعرفيني.
نادين ابتسمت وسط دموعها.
وأنت كنت فاكر إن حياتك بدأت يوم قابلتني.
محمود ضحك لأول مرة من أيام.
طلعت حياتي بدأت قبل ما أعرف حتى اسمي الحقيقي.
وبعد شهور، اتقفل ملف الشركة نهائيًا.
ورجع محمود يعيش وسط أولاده وأحفاده، بعيد عن الأسرار والتهديدات.
أما الصندوق الأزرق، فاحتفظ بيه في مكتبه.
كل ما كان حفيده ياسين يسأله
جدو، إيه اللي جوه الصندوق؟
كان محمود يبتسم ويقول
حكاية طويلة يا ياسين
ثم يقفل الدرج.
بس أهم حاجة فيها إن الحقيقة ممكن تتأخر إنما عمرها ما بتموت.

تم نسخ الرابط