ابوها ومرات ابوها

لمحة نيوز

الصورة كانت ألما واقفة قدام محطة قطار صغيرة، وفي إيدها شنطة جلد.
وبجانبها طفلة صغيرة.
فاليريا قربت من الصورة.
مين الطفلة دي؟
الرجل قال
إنتِ.
فاليريا هزت رأسها.
مستحيل. الصورة دي أنا عمري ما شفتها.
لأن أبوكي خبّاها.
مارينا قاطعته
متكملش هنا.
لكن فاليريا قالت
لا. خليه يتكلم.
الرجل أخذ نفسًا.
أمك ما كانتش هربانة. كانت بتحاول تبعدك عن ناس كانوا بيدوروا على مستندات تخص عيلتها.
مستندات إيه؟
مستندات تثبت إن الأرض اللي حوالي الكوخ كانت فيها ملكية أكبر بكتير من اللي اتقالك.
فاليريا بصت له باستغراب.
يعني كل ده بسبب أرض؟
الرجل هز رأسه.
الأرض كانت البداية بس.
فتح الصندوق وطلع كاسيت تاني.
ده آخر تسجيل عملته أمك.
فاليريا أخدته.
لكن قبل ما تشغله، الرجل قال
فيه حاجة لازم تعرفيها الأول.
إيه؟
الشخص اللي سلّم شهادة وفاة أمك لأبوكي... كان توماس أورتيجا.
فاليريا شهقت.
المحامي اللي جدها قال إنه المسؤول عن المستندات.
الرجل كمل
وجوليان ما استلمهاش لأنه صدق إنها ماتت.
أمال ليه؟
الرجل بص لها مباشرة.
لأنه كان بيحاول يخلي الكل يصدق إنها ماتت.
فاليريا سكتت.
ليه؟
الرجل رد
عشان يقدر يخبي مكانها الحقيقي.
وفجأة...
صوت محرك عربية ظهر من بعيد.
مارينا بصت ناحية الطريق.
لازم نتحرك.
لكن فاليريا كانت لسه ماسكة الكاسيت.
ومكان أمي فين؟
الرجل قال
لو مشيتي معايا، هتعرفي.
ولو ما مشيتش؟
ابتسم بحزن.
هتفضلي طول عمرك مصدقة إن أمك ماتت.
ثم فتح باب سيارة قديمة كانت واقفة بين الأشجار.
فاليريا بصت لمارينا.
مارينا قالت
القرار قرارك.
فاليريا مسكت كف كانيلو، وبصت للكوخ البعيد.
ثم قالت
أنا مش ههرب تاني.
ركبت السيارة.
وفي اللحظة اللي الرجل شغل المحرك...
اهتز هاتف قديم داخل صندوق الصور.
فاليريا فتحته.
كانت فيه رسالة واحدة وصلت للتو
لو خرجتي من الجبل مع الرجل ده، مش هتوصلي لأمك أبدًا.
وتحت الرسالة...
اسم المرسل
جوليان ريوس فاليريا ما نزلتش من العربية.
بصت لتوماس، ثم لمارينا.
أنا تعبت من إن كل واحد فيكم يقولي نص الحقيقة.
توماس قال
وأنا الوحيد اللي معايا الدليل الكامل.
مارينا ردت بسرعة
لا تصدقيه.
توماس أخرج ملفًا شفافًا من معطفه، ورفعه أمامها.
شهادة ميلادك الأصلية.
فاليريا اتجمدت.
إيه؟
النسخة اللي معاكي مزورة.
مارينا بصت لتوماس بحدة.
مش من حقك تفتح الموضوع بالطريقة دي.
فاليريا مدّت إيدها.
هاتها.
توماس اقترب ووضع الملف في إيدها.
فتحت الورقة.
اسم الأم كان
ألما ريوس.
اسم الأب
جوليان ريوس.
كل شيء يبدو طبيعيًا.
لكن تحت خانة الملاحظات كان فيه ختم أحمر صغير.
فاليريا قربت الورقة من عينيها.
وكان مكتوب
تعديل رسمي بعد التسجيل.
رفعت رأسها.
يعني إيه؟
توماس قال
يعني إن شهادة ميلادك اتعدلت بعد ولادتك.
مارينا قالت
لأن الاسم الحقيقي للشخص اللي كان مسؤول عنك وقتها ماكانش جوليان.
فاليريا اتسمرت.
مين؟
توماس فتح الملف على صفحة تانية.
كان فيها سجل قديم للمستشفى.
ثم قال
الشخص المسجل كولي أمر وقت ولادتك هو...
توقف.
وفي نفس اللحظة، دوى صوت إطلاق نار في الخارج.
الجميع انخفضوا.
الرجل اللي كان بيسوق السيارة صرخ
انزلوا!
فاليريا وقعت منها الأوراق.
مارينا سحبتها إلى أسفل المقعد.
توماس احتمى خلف السيارة.
وبعد ثوانٍ، عمّ الصمت.
فاليريا رفعت رأسها بحذر.
مين بيضرب؟
توماس بص ناحية العربيات السوداء.
مش عارف.
ثم فجأة وصل صوت من بين الأشجار
فاليريا!
صوت امرأة.
فاليريا تجمدت.
مارينا همست
ما ترديش.
لكن الصوت جاء مرة ثانية
أنا ألما.
فاليريا اتسعت عيناها.
الصوت كان مطابقًا لصوت أمها في التسجيل.
ثم ظهر ظل امرأة بين الأشجار.
واقفة بعيدًا...
ولابسة نفس المعطف اللي ظهرت به ألما في آخر صورة قبل اختفائها.
فاليريا همست
ماما؟!فاليريا فضلت واقفة مكانها، مش قادرة تتحرك.
المرأة خرجت من بين الأشجار خطوة وراء خطوة.
وكانت ملامحها واضحة دلوقتي.
فاليريا حطت إيدها على بوقها.
ماما...
المرأة عيطت، ومدت إيديها.
فاليريا.
البنت جريت عليها، وحضنتها بقوة.
لأول مرة من تمان سنين، سمعت صوت أمها من غير تسجيل قديم ولا صورة.
ألما فضلت تحضن بنتها وهي بتبكي.
سامحيني إني سيبتك.
فاليريا ردت وهي بتعيط
أنا كنت فاكرة إنك موتي.
عارفة.
ليه عملتي كده؟
ألما بصت لمارينا، ثم لتوماس.
لأن الناس اللي كانوا بيطاردوني كانوا عايزين يوصلوا ليكي من خلالي.
وبدأت الحقيقة تظهر كاملة.
قبل ثمان سنين، اكتشفت ألما أن والدها إستيبان سجّل جزءًا كبيرًا من ممتلكاته باسمها وباسم فاليريا، وأن هناك أشخاصًا حاولوا تزوير أوراق الملكية والاستيلاء عليها.
جوليان اكتشف الأمر وساعد ألما على إخفاء المستندات.
أما شهادة الوفاة، فكانت جزءًا من خطة لإقناع هؤلاء الأشخاص أن ألما ماتت، بينما كانت مختبئة في مكان آمن.
جوليان اضطر يبعد فاليريا عنهما حتى لا يعرف أحد مكانها.
لكن الخطة خرجت عن السيطرة.
لورينا اكتشفت جزءًا من الحقيقة، وبدلًا من حماية فاليريا، أخفت عنها خطابات جدها وأموالها وبعض مقتنيات أمها، لأنها كانت تريد السيطرة على الكوخ والممتلكات.
أما مارينا، فكانت واحدة من الأشخاص الذين ساعدوا ألما على الاختباء.
والرجل العجوز الذي ظهر عند الكوخ كان شاهدًا على الأيام الأخيرة قبل اختفاء ألما.
فاليريا بصت لأمها.
طب ليه رجعتي دلوقتي؟
ألما ابتسمت وسط دموعها.
لأن جدك ترك لي رسالة قبل موته، وقال فيها إن الوقت هييجي اللي لازم ترجعي فيه للكوخ بنفسك.
ثم أخرجت من جيبها مفتاحًا صغيرًا.
والوقت ده جه.
بعد أيام، وصلت الشرطة والجهات المختصة إلى الكوخ، وتم فحص المستندات الأصلية.
ثبتت ملكية الأرض باسم فاليريا وفقًا للوصية القانونية التي تركها جدها.
أما المستندات المزورة، فتم تسليمها للجهات المختصة للتحقيق.
لورينا لم تستطع إنكار ما فعلته بعد ظهور الخطابات والإيصالات والأدلة.
وجوليان، رغم كل الأسرار التي أخفاها، اعترف لفاليريا بأنه أخطأ عندما سمح للخوف أن يجعله يصمت سنوات طويلة.
قال لها
كنت فاكر إني بحميكي.
فاليريا ردت
الحماية من غير الحقيقة بتوجع أكتر من الخطر نفسه.
وبعد عدة أشهر، عادت فاليريا إلى الكوخ.
لكن المرة دي لم تكن وحيدة.
كانت ألما معها.
وكانيلو ينام بجوار المدفأة.
فاليريا أعادت فتح ورشة جدها، وعلقت الكرسي الهزاز الذي صنعه لها قبل سنوات.
وفوقه وضعت صورة جدها، وصورة أمها، وصورتها وهي طفلة.
أما الطائر الطنان الزجاجي، فوضعته في مكان واضح بجوار النافذة.
وفي أول ليلة، جلست فاليريا على الكرسي الهزاز وفتحت آخر خطاب تركه جدها.
كان مكتوبًا فيه
يا فاليريا...
لو وصلتي للنهاية، يبقى عيلتنا أخيرًا بطلت تخاف من الحقيقة.
افتكري دايمًا
البيت مش هو الحيطان.
البيت هو المكان اللي محدش يقدر يطردك منه.
وده مكانك.
من أول يوم.
ابتسمت فاليريا، ونظرت إلى أمها.
وخارج الكوخ، كان الثلج بيتساقط بهدوء.
لكن لأول مرة...
ماكانش الثلج علامة على الوحدة.
كان بداية حياة جديدة.

تم نسخ الرابط