ابوها ومرات ابوها

لمحة نيوز

في رقبتها...
نفس دلاية الطائر الطنان اللي كانت أمها ترتديها في آخر صورة لها فاليريا فضلت تحدق في الدلاية.
وبعدين رفعت عينيها لوش المرأة.
كان فيه شبه بسيط جدًا من ألما... مش في الملامح، لكن في نظرة العين.
المرأة قالت بهدوء
عارفة إنتِ بتفكري في إيه.
فاليريا همست
إنتِ مين؟
المرأة قربت خطوة.
اسمي مارينا.
الرجل وقف بينها وبين فاليريا.
ما تقربيش منها.
مارينا بصت له وقالت
لو كنت عايزة أؤذيها، ماكنتش استنيت كل السنين دي.
فاليريا قاطعته
إنتِ تعرفي أمي؟
مارينا سكتت.
ثم أخرجت من جيب معطفها صورة قديمة ومدتها لفاليريا.
الصورة كانت لألما...
وإلى جانبها مارينا.
وفي الخلفية كان نفس الكوخ.
فاليريا قلبت الصورة.
على ظهرها تاريخ يعود إلى قبل وفاة ألما بعام كامل.
وتحت التاريخ جملة بخط أمها
مارينا هي الشخص الوحيد اللي أعرف إنه مش هيبيع سري.
فاليريا رفعت رأسها.
سري إيه؟
مارينا أخذت نفسًا طويلًا.
أمك اكتشفت حاجة ماكانش المفروض تعرفها.
إيه؟
اكتشفت إن ملكية الكوخ والأرض مش هي أهم حاجة جدك خبّاها.
فاليريا عقدت حاجبيها.
أمال إيه؟
مارينا أشارت للدفتر الأسود الموجود داخل الصندوق.
أسماء.
أسماء مين؟
ناس كانوا بيدفعوا فلوس عشان يختفي أي دليل على اللي حصل لألما.
فاليريا فتحت الدفتر بسرعة.
كانت الصفحات مليانة تواريخ وأرقام وحروف أولى لأسماء.
لكن في آخر صفحة...
كان فيه اسم واضح.
جوليان ريوس.
فاليريا تجمدت.
أبويا؟
مارينا هزت رأسها.
وجود اسمه هنا مش معناه إنه عمل كل اللي إنتِ فاكرة.
أمال معناه إيه؟
معناه إن لازم تسمعي التسجيل قبل ما تحكمي عليه.
وأخرجت شريط كاسيت صغير.
فاليريا بصت للشريط.
ده إيه؟
مارينا قالت
التسجيل اللي أمك سجلته قبل اختفائها.
الرجل الغريب تدخل بسرعة
التسجيل ده لازم يتسمع هنا.
ليه؟
قبل ما يرد...
اهتز جهاز اللاسلكي الموجود على المكتب.
ثم جاء صوت متقطع
اتحاصر المدخل الشرقي... مفيش طريق للخروج.
مارينا بصت لفاليريا.
واضح إنهم وصلوا.
فاليريا ضمت الشريط إلى صدرها.
مين هم؟
مارينا ردت
الناس اللي قضوا تمان سنين وهم متأكدين إن الحقيقة هتدفن مع أمك.
ثم انطفأ المصباح فجأة.
وفي الظلام...
سمعوا صوت باب الحديد وهو بيتفتح الظلام ابتلع المكان كله.
فاليريا سمعت صوت كانيلو وهو يزمجر، وبعده همسة مارينا
محدش يتحرك.
خطوات بدأت تنزل السلم الحجري.
خطوة...
ثم خطوة...
ثم توقفت.
صوت رجل من فوق قال
إحنا عارفين إن فاليريا هنا.
الرجل اللي معاها قرب منها وهمس
وطي صوتك، مهما سمعتي.
فجأة اتسمع صوت امرأة من فوق
فاليريا، أنا لورينا.
فاليريا اتجمدت.
مرات أبوها.
لورينا كملت
أبوكي بعتني آخدك. إحنا عرفنا إنك فتحتي المخزن.
مارينا قربت من فاليريا وقالت
ما تطلعيش.
فاليريا همست
دي مرات أبويا.
وأنا عارفة.
إزاي؟
مارينا ما ردتش.
بدلًا من كده، حطت إيدها على الحائط وضغطت على حجر صغير.
جزء من الأرض اتحرك.
ظهر ممر ضيق تاني.
مارينا قالت
الممر ده هيوصلك لمكان بعيد عن الكوخ.
لكن فاليريا ما تحركتش.
قبل ما أمشي، عايزة أعرف حاجة واحدة.
إيه؟
ليه أمي كانت بتثق فيكي؟
مارينا بصت لها للحظات.
ثم قالت
لأن أمك أنقذت حياتي.
سكتت قليلًا وأضافت
وبعدها طلبت مني وعد.
وعد إيه؟
لو حصل لها أي حاجة، أحافظ عليكِ مهما كلفني الأمر.
فاليريا حسّت بقشعريرة.
لكن صوت لورينا جاء أقرب
فاليريا! لو سمعتي كلام الست دي، هتندمي. هي السبب في كل اللي حصل لأمك!
مارينا غمضت عينيها للحظة.
ثم قالت
دي أول كذبة.
وفجأة ظهر ضوء مصباح عند نهاية الممر.
أحد الرجال دخل.
مارينا دفعت فاليريا للخلف.
اجري!
فاليريا مسكت كانيلو وجريت.
الرجل لحقهم، لكن الممر كان ضيقًا.
وبعد أمتار، خرجت فاليريا إلى غرفة حجرية صغيرة.
كان فيها باب واحد فقط.
فتحته...
فوجدت نفسها أمام نهر متجمد.
والثلج بيتساقط بكثافة.
خرجت مارينا والرجل خلفها.
لكن قبل ما يقفلوا الباب، سمعوا صوت لورينا من داخل النفق
فاليريا!
ثم قالت جملة جعلت البنت تتوقف مكانها
لو عايزة تعرفي الحقيقة عن أمك، اسألي أبوكي ليه استلم شهادة وفاتها قبل ما تموت بأربعة أيام فاليريا وقفت مكانها كأنها اتثبتت في الأرض.
شهادة وفاتها... قبل ما تموت؟
مارينا شدتها من إيدها.
ما تسمعيش لها دلوقتي.
لكن فاليريا سحبت إيدها.
أنا لازم أعرف.
الرجل الغريب قال بسرعة
مش هنا.
فاليريا بصت له.
إنت عارف؟
سكت.
وده كان كفاية.
فاليريا قالت
إنت عارف كل حاجة!
مارينا ردت بدلًا منه
عارف جزء... زيي بالضبط.
فاليريا ضحكت ضحكة قصيرة مليانة وجع.
كل واحد فيكم بيقول جزء. أنا الوحيدة اللي مش عارفة حاجة!
مارينا قربت منها.
عشان أمك كانت بتحاول تحميكي من الحقيقة لحد آخر لحظة.
الحقيقة إيه؟
مارينا أخرجت الشريط من جيبها.
اسمعيه.
كان معاهم جهاز تسجيل صغير.
شغلت الشريط.
في البداية كان فيه تشويش.
ثم ظهر صوت ألما.
هادئًا، لكنه متوتر
فاليريا... لو التسجيل ده وصل لك، يبقى الخطة فشلت.
فاليريا قربت من الجهاز.
أنا عارفة إنهم هيقولوا لك إني مت، لكن ما تصدقيش أي شهادة من غير ما تشوفي أصلها بنفسك.
صمت قصير.
ثم قالت ألما
والأهم... ما تثقيش في أي ورقة مكتوب عليها اسمي لو كانت موقعة بعد يوم 14 يناير.
فاليريا فتحت عينيها.
نظرت لمارينا.
يوم 14 يناير؟
مارينا هزت رأسها.
التسجيل استمر
لو وصلتِ للكوخ، دوري على الباب اللي تحت شجرة الصنوبر الكبيرة. هناك هتلاقي الحاجة اللي أبوكي أخفاها عنك طول عمرك.
وفجأة تغير صوت ألما.
بقى منخفضًا جدًا
ولو جوليان قال لك إنه كان مضطر... صدقيه.
فاليريا اتصدمت.
ليه؟
لكن التسجيل كمل
لأنه في الليلة الأخيرة... حاول ينقذني.
ثم ساد الصمت.
التسجيل انتهى.
فاليريا فضلت واقفة مش قادرة تستوعب.
أمي قالت إن أبويا حاول ينقذها؟
مارينا قالت
أيوه.
طب ليه سابني لوحدي في الكوخ؟
عشان يبعدك عن الناس اللي كانوا بيدوروا على أمك.
فاليريا هزت رأسها.
لأ... لأ، في حاجة مش راكبة.
وفجأة كانيلو بدأ ينبح ناحية الأشجار.
مارينا بصت هناك.
كان فيه ظل شخص واقف بعيد.
ثم ظهر رجل ببطء من بين الثلج.
فاليريا قربت من مارينا.
الرجل كان كبير في السن، ولابس معطف بني.
وفي إيده...
صندوق الصور اللي لورينا أخدته من الكوخ.
وقف على بعد أمتار وقال
فاليريا...
صوته كان مبحوحًا.
أنا جيت أرجعلك حاجة كان لازم توصلك من تمان سنين.
رفع الصندوق.
وأقولك الحقيقة اللي أبوكي نفسه ما قدرش يقولها.
ثم أضاف
أمك ما ماتتش في الجبل فاليريا فضلت باصة للشاشة.
اسم أبوها كان ظاهر قدامها بوضوح.
جوليان ريوس.
قالت
الرسالة وصلت دلوقتي.
الرجل اللي سايق بص لها من المراية.
اغلقي الهاتف.
ليه؟
لأن الشبكة هنا مقطوعة من سنين.
فاليريا رفعت عينيها بسرعة.
أمال الرسالة وصلت إزاي؟
الرجل ما ردش.
مارينا كانت قاعدة جنبها، ومدت إيدها للهاتف.
وريني.
فاليريا اديتهولها.
مارينا قرأت الرسالة، ووشها اتغير.
دي مش من أبوكي.
إزاي؟
مارينا أشارت لرقم المرسل.
الرقم ده اتوقف من تمان سنين.
سكتت فاليريا.
ثم قالت
يعني حد بيستخدم رقمه؟
الرجل قال
أو حد عايزك تفتكري إنه بيستخدمه.
السيارة كانت بتتحرك ببطء وسط الثلج.
فاليريا فتحت صندوق الصور مرة تانية.
وسط الصور لقت ظرف صغير.
عليه اسمها.
فتحته.
جواه ورقة قصيرة بخط جوليان
فاليريا، لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أنا ماقدرتش أوصلك قبلهم. اسمعي مارينا، لكن ما تثقيش فيها بالكامل. هي أنقذت أمك مرة... لكنها أخفت عنك سبب اختفاءها.
فاليريا رفعت رأسها.
مارينا...
مارينا ما اتكلمتش.
فاليريا كملت
إنتِ خبّيتي عني حاجة.
مارينا بصت من الشباك.
أيوه.
إيه؟
سبب إن أمك اضطرت تختفي.
قولي.
مارينا سكتت ثواني.
ثم قالت
لأن أمك اكتشفت إن الشخص اللي كان بيساعدهم يوصلوا ليها...
وتوقفت.
فاليريا اقتربت منها.
مين؟
مارينا ردت بصوت منخفض
كان شخصًا من عيلتك.
فاليريا حست بقشعريرة.
مين من عيلتي؟
قبل ما مارينا تجاوب، السيارة فرملت فجأة.
الرجل بص قدامه.
كان فيه حاجز خشبي قاطع الطريق.
وخلف الحاجز...
ثلاث عربيات سوداء واقفة.
أبوابها اتفتحت في نفس اللحظة.
رجال نزلوا منها.
والرجل اللي سايق قال
وصلوا قبلنا.
فاليريا بصت لمارينا.
مارينا فتحت الباب.
خدي الكاسيت واهربي ناحية الغابة.
وإنتِ؟
أنا هأخرهم.
لكن قبل ما فاليريا تنزل، ظهر شخص من بين العربيات.
كان رجلًا تعرفه جيدًا.
توماس أورتيجا.
رفع إيده وقال
فاليريا، ما تسمعيش لأي حد.
ثم نظر إلى مارينا وقال
لأنها مش هتقولك أبدًا مين كان أول شخص سلّم أمك لجوليان فاليريا حسّت إن الدنيا بتلف بيها.
إنت بتقول إيه؟
الرجل حط الصندوق على الثلج.
أنا كنت آخر شخص شاف أمك قبل ما تختفي.
مارينا بصت له بصدمة.
إنت رجعت؟
الرجل ما ردش عليها.
فتح الصندوق، وطلع صورة قديمة.
في
تم نسخ الرابط