ابني الوحيد
ابني الوحيد تبرع بإحدى كليتيه لبنت صغيرة عندها خمس سنين وبعد كام يوم، فقدته بسبب مضاعفات نادرة.
لكن في الصبح، تاني يوم جنازته، ظهرت أم البنت قدام باب بيتي، وبصوت هادي سألتني
جوليان عمره ما قالك السبب الحقيقي اللي خلاه يقرر ينقذ بنتي صح؟
الجزء الأول
جوليان كان بيكره الإبر من وهو صغير.
من سنين، أخوه الكبير مات في المستشفى، ومن يومها وجوليان بيحاول يبعد عن الدكاترة والمستشفيات على قد ما يقدر.
حتى الكشف العادي كان بيخليه متوتر.
عشان كده، لما دخل المطبخ عندي في يوم من الأيام وقال
ماما، أنا هتبرع بكلية من كليتي.
بصيت له وأنا مش مصدقة اللي سمعته.
إنت هتعمل إيه؟
من غير ما يرد عليا على طول، قعد وحط صورة قدامي على الترابيزة.
كانت صورة بنت صغيرة، ابتسامتها خجولة.
عندها خمس سنين.
اسمها نورا.
وهي بنت كلوي، واحدة جوليان كان يعرفها من أيام المدرسة.
نورا كانت تعبانة جدًا.
كليتها كانت بتفشل، وبعد ما كذا حد من قرايبها عمل تحاليل، محدش فيهم طلع مناسب ليها.
لكن جوليان كان مناسب.
بصيت للصورة.
وبعدين بصيت لابني.
إنت فعلًا عملت التحاليل؟
هز راسه بالموافقة.
وده لوحده كان صدمة بالنسبة لي.
ده نفس الشخص اللي كان ممكن بالكاد يستحمل سحب عينة دم عادية.
جوليان زق الصورة ناحيتي وقال بهدوء
دي المفروض تكون بره بتتعلم تركب عجلة مش تقضي طفولتها وهي بتبص في سقف المستشفى.
قلبي وجعني.
جوليان كان ابني الوحيد.
وأنا أكتر واحدة عارفة قد إيه المستشفيات كانت بتخوفه.
كل غريزة جوايا كانت بتقول لي أقوله ما يعملش كده.
لكن إزاي أطلب منه يتراجع وهو عنده فرصة ينقذ طفلة محتاجة له بشكل كبير؟
عشان كده، رغم خوفي، وقفت جنبه وساندته في قراره.
عملية نقل الكُلى تمت بنجاح.
وفي البداية، كل حاجة كانت ماشية كويس.
نورا بدأت تتحسن تقريبًا على طول.
اللون بدأ يرجع لوشها واحدة واحدة.
وحيويتها رجعت.
وجوليان كان بيسأل عنها باستمرار.
قال لي بابتسامة
هي بتقوى وبتتحسن.
وللحظة قصيرة، صدقت إن أصعب جزء عدى.
بدأت أتخيل إني هرجعه البيت.
وأساعده في فترة النقاهة.
ونضحك بعدين على حكاية إن الراجل اللي بيخاف من الإبر، بقى متبرع بعضو!
لكن جوليان ما رجعش البيت.
بعد العملية بأربع أيام، حصلت حاجة فظيعة.
مضاعفات نادرة.
من الحاجات اللي الدكاترة بيضطروا يقولوا عليها قبل أي عملية، لكن عمرنا ما بنتخيل إنها ممكن تحصل لحد بنحبه.
فجأة، أوضة جوليان اتمَلَت بأصوات الأجهزة والإنذارات.
الممرضين دخلوا وخرجوا بسرعة.
والدكاترة بقوا بيتكلموا مع بعض بسرعة.
وأنا قعدت جنب سريره، ماسكة إيده، ومرعوبة إني أسيبها.
صوابعه كانت ساقعة جوه إيدي.
ومع ذلك، حتى في اللحظة دي، جوليان كان لسه بيحاول يطمني.
ماما
قربت منه.
أنا هنا.
عينيه دورت على عيني.
مهما حصل أوعي تلومي نورا.
قلبي اتقبض.
جوليان، ما تقولش كده.
قال بصوت ضعيف
ولا كلوي.
وبعدين سكت لحظة وأضاف
وعديني.
ضغطت على إيده أكتر.
إنت هترجع معايا البيت.
لكنه فضل باصص لي.
وعديني.
حسيت إن حلقي اتقفل.
فقلت له
أوعدك.
وقتها جوليان هدي شوية.
وقبل شروق الشمس، ابني راح.
كان عنده تلاتين سنة.
ابني.
ابني الوحيد.
الناس قالت لي إنه كان شجاع.
وإنه ضحّى بنفسه.
وإن اللي عمله حاجة عظيمة.
وفي ناس حتى قالوا عليه بطل.
كنت عارفة إنهم بيحاولوا يهونوا عليا.
لكن كنت مستعدة أدي كل الورد، وكل كلمات العزاء، وكل التكريمات مقابل إني أسمع صوته وهو بيناديني ماما مرة واحدة بس.
الجنازة عدت عليا كأنها حلم.
فاكرة ناس كتير حضنتني.
فاكرة إني سمعت نفس كلمات العزاء مرة ورا مرة.
وفاكرة إني فضلت باصة لصورة جوليان، وبسأل نفسي
إزاي الدنيا هتكمل عادي، وأنا دنيتي كلها وقفت؟
تاني يوم الصبح، بعد ما دفنت ابني، سمعت حد بيخبط على باب البيت.
في الأول كنت هتجاهل الخبط.
ما كنتش عايزة أشوف حد.
ما كنتش عايزة أسمع كلام مواساة.
وما كنتش عايزة حد تاني يقولي قد إيه جوليان كان إنسان عظيم.
أنا كنت عايزة ابني يرجع.
لكن الخبط اتكرر.
وفي الآخر، جمعت قوتي وروحت فتحت الباب.
كانت كلوي واقفة قدامي.
عرفتها فورًا.
وجنبها كانت نورا.
البنت الصغيرة كانت لسه خارجة من المستشفى قريب.
كانت صغيرة جدًا جوه معطفها، وحاضنة أرنب لعبة في إيديها جامد.
مجرد ما شوفتها، اتوجعت أكتر مما كنت متوقعة.
في مكان ما جوا البنت الصغيرة دي، كان فيه جزء من ابني لسه بيشتغل.
لسه بيساعدها تعيش.
حاولت أبتسم.
أهلًا.
وبعدين بصيت لكلوي.
أنا آسفة، بس أنا فعلًا مش مستعدة أستقبل حد دلوقتي جوليان لسه
ما قدرتش أكمل الجملة.
كلوي حطت إيدها على بوقها.
ونزلت منها شهقة بكاء.
أنا عارفة.
عينيها اتمَلَت دموع.
وعشان كده أنا جيت.
قطبت حواجبي.
يعني إيه؟
أخدت نفس مهزوز.
فيه حاجة لازم أقولها لك.
صوتها خلاني أحس إن معدتي اتقبضت.
إيه هي؟
كلوي بصت لنورا، وبعدين رجعت بصت لي.
أنا ما كنتش أتمنى إنك تعرفي بالطريقة دي.
إيدي شدت أكتر على طرف الباب.
أعرف إيه؟
سكتت لحظة.
وبعدين قالت
بعد كل اللي جوليان عمله، ما ينفعش أسيبك تفضلي مصدقة حاجة مش هي الحقيقة كاملة.
بصيت لها وأنا مش فاهمة.
أنا مش فاهمة حاجة.
كلوي دخلت إيدها جوه معطفها.
ولما طلعتها، كانت ماسكة ورقة قديمة مطوية.
أطرافها كانت مهترئة، كأنها اتفتحت واتقفلت مرات كتير.
مسكتها بحرص.
وبعدين بصت في عيني مباشرة وقالت
ابنك عمره ما قالك السبب الحقيقي اللي خلاه يقرر ينقذ نورا صح؟
ما قدرتش أتحرك.
فضلنا كذا ثانية من غير ما حد يتكلم.
نورا حضنت الأرنب بتاعها أكتر.
وأخيرًا، سألت بصوت واطي
سبب حقيقي إيه؟
كلوي نزلت عينيها على الورقة.
وبعدين بدأت تفردها ببطء.
وفي اللحظة دي، وأنا واقفة على باب بيتي، بعد أقل من أربع وعشرين ساعة من دفن ابني، فهمت إن فيه حاجة عن قرار جوليان الأخير أنا عمري ما كنت أعرفها.
حاجة هو تعمد يخبيها عني.
وحاجة ليها علاقة بالبنت الصغيرة دي.
وأيًا كان المكتوب على الورقة اللي كانت في إيد كلوي
كان على وشك يغيّر كل حاجة كنت فاهمها عن آخر موقف عمله ابني في حياته وو
حكايات زيزي
كلوي فضلت تفرد الورقة بإيديها المرتعشة، وأنا واقفة قدامها مش قادرة أستوعب اللي بيحصل.
بصيت لنورا، لقيتها بتبصلي بخوف، وكأنها حاسة إن وجودها هو السبب في الوجع اللي أنا فيه.
مديت إيدي ومسحت على شعرها بحنان.
إنتِ مالكيش ذنب يا حبيبتي.
البنت الصغيرة هزت راسها، لكن دموعها بدأت تنزل.
كلوي قالت بصوت مكسور
نورا مش عارفة كل حاجة وأنا مش عايزة أخليها تعرف بالطريقة دي.
بصيت لها بحدة.
طب قوليلي إنتِ. إيه اللي جوليان كان مخبيه عني؟
كلوي بصت للورقة، وبعدين مدت إيدها ناحيتي.
دي رسالة كتبها جوليان من سنين قبل ما نورا تتولد أصلًا.
اتجمدت مكاني.
رسالة؟!
هزت راسها.
أيوه. وأنا احتفظت بيها كل السنين دي، لأنه طلب مني ما أديهاش لحد غير لما ييجي الوقت المناسب.
خدت الورقة منها، وفتحتها بحذر.
كان الخط خط جوليان.
عرفته من أول كلمة.
إيدي بدأت ترتعش، وقلبي بيدق بسرعة وأنا بقرأ
إلى الشخص اللي ممكن ييجي يوم ويحتاج يفهم ليه أنا مش قادر أنسى اللي حصل في المستشفى
وقفت عند الجملة دي.
رفعت عيني لكلوي.
إيه علاقة المستشفى بالموضوع؟!
كلوي غمضت عينيها، وكأنها بتحاول تمنع نفسها من الانهيار.
جوليان ما حكيش لك كل اللي حصل يوم وفاة أخوه الكبير، صح؟
حسيت إن الأرض بتتهز من تحتي.
أنا كنت معاه! إحنا كلنا كنا هناك!
كلوي هزت راسها.
عارفة بس فيه حاجة حصلت بعد ما إنتِ خرجتي من الأوضة.
رجعت بصيت للرسالة.
وتحت الجملة الأولى، كان مكتوب
أنا فاكر صوت الطفل وهو بيعيط في الممر وفاكر إني وعدت نفسي يومها إني لو قدرت أنقذ حياة حد، مش هتردد.
حطيت إيدي على بوقي.
أخو جوليان مات وهو طفل.
وجوليان كان وقتها صغير، لكنه عمره ما نسي اللي حصل.
سألت كلوي بصوت بالكاد طالع
هو كان بيتكلم عن أخوه؟
أيوه بس مش عن أخوه لوحده.
سكتت لحظة، وبعدين كملت
جوليان كان شايل جواه سر من اليوم ده، سر ما قدرش يحكيه لأي حد.
حسيت بغضب مفاجئ.
حتى أنا؟ أمه؟!
كلوي نزلت عينيها.
كان خايف يوجعك أكتر.
رجعت بصيت للرسالة، وقلّبت الورقة.
كان فيه سطر تاني مكتوب بخط أصغر
لو في يوم قابلت نورا، افتكريني وافتكري إن الحياة ساعات بتدينا فرصة نصلح حاجة افتكرنا إنها ضاعت للأبد.
رفعت عيني بسرعة.
يصلح إيه؟! هو كان يعرف نورا من قبل ما تتولد إزاي؟
كلوي اتنهدت، وبصت لبنتها.
نورا مش أول طفلة جوليان حاول يساعدها.
اتسعت عيني.
يعني إيه؟
من سنين، قبل ما أتجوز وأخلف نورا، كنت بشتغل متطوعة في مستشفى الأطفال. وجوليان كان بييجي معايا أوقات كتير.
افتكرت فجأة إن ابني كان بيغيب ساعات طويلة، ويقول إنه مشغول في شغل تطوعي.
لكن عمري ما تخيلت إن الموضوع له علاقة بالمستشفى اللي مات فيه أخوه.
كلوي كملت
في يوم، كان فيه طفل صغير محتاج متبرع بالدم، وجوليان كان من أوائل الناس اللي عرضوا يساعدوا. بس لما وصلنا، حصلت مشكلة
صوتها بدأ يرتعش.
مشكلة إيه؟
قبل ما ترد، نورا شدت طرف معطف أمها وقالت بصوت صغير
ماما هو ينفع أقول لها؟
كلوي بصتلها بقلق.
مش دلوقتي يا حبيبتي.
نورا حضنت الأرنب بتاعها، وبصتلي.
بس أنا وعدت جوليان إني أحكيلك لما تبقي زعلانة.
قلبي وقف للحظة.
نزلت لمستواها، ومسكت إيديها الصغيرتين.
جوليان قالك إيه يا نورا؟
البنت بصت لأمها، وبعدها رجعت بصتلي.
قال لي إنك بتحبي الحكايات اللي فيها ناس بترجع لبعض وإنك لما تعرفي الحقيقة، هتفهمي هو ليه اختارني أنا بالذات.
حسيت بدموعي بتنزل من غير ما أقدر أمنعها.
كلوي طلعت من شنطتها ظرف أبيض صغير.
كان عليه اسمي.
اسمي أنا، بخط ابني.
وقالت
دي آخر حاجة جوليان سابهالك وأنا كنت مستنية اللحظة اللي أقدر أسلمها لك فيها.
مسكت الظرف، وقلبي بيدق بعنف.
لكن قبل ما أفتحه، كلوي مسكت إيدي وقالت
فيه طلب واحد لازم أطلبه منك الأول.
بصيت لها.
إيه هو؟
قالت بصوت مرتعش
مهما قرأتي في الرسالة أو مهما عرفتي عن اللي حصل زمان أوعي تفتكري إن جوليان كان بيحاول يعوضك عن حاجة.
قطبت حواجبي.
يعوضني عن إيه؟!
كلوي سكتت.
وبعدين قالت الجملة اللي خلتني أحس إن كل اللي عرفته عن ابني طول عمري كان ناقص
لأن جوليان كان فاكر إنه السبب في وفاة أخوه الكبير.
شهقت، ورجعت خطوة لورا.
إنتِ بتقولي إيه؟!
كلوي بدأت تعيط.
هو عاش سنين طويلة وهو مقتنع إنه لو كان اتصرف بشكل مختلف في اليوم ده، أخوه كان ممكن يعيش.
هزيت راسي بعنف.
مستحيل! جوليان كان طفل! إزاي يقدر ينقذ أخوه؟!
كلوي مدت إيدها ناحيتي، لكني رجعت خطوة تانية.
كنت محتاجة أفهم.
كنت محتاجة أعرف ليه ابني عاش كل السنين دي وهو شايل إحساس بالذنب، وليه قرر يتبرع بكليته لبنت صغيرة ما كانتش مجرد بنت صديقة قديمة.
فتحت الظرف بسرعة.
جواه صورة قديمة، ورسالة قصيرة.
الصورة كانت لجوليان وهو عنده حوالي عشر سنين، واقف قدام باب مستشفى، وماسك إيد طفل صغير.
وعلى ظهر الصورة، كان مكتوب
اليوم اللي وعدت فيه أخويا إني مش هسيب حد يموت لو قدرت أساعده.
لكن الصدمة الحقيقية كانت في الرسالة.
لأن أول سطر فيها كان
ماما، لو وصلتك الرسالة دي، يبقى كلوي أخيرًا حكتلك عن الطفل اللي كان موجود معانا يوم وفاة أخويا الطفل اللي محدش فينا عرف اسمه وقتها.
رفعت عيني لكلوي.
طفل إيه؟!
كلوي مسحت دموعها، وقالت
الطفل ده كان موجود في نفس المستشفى يوم وفاة أخوه وجوليان فضّل يدور عليه سنين طويلة.
حسيت إن نفسي اتقطع.
وليه كان بيدور عليه؟!
كلوي بصت لنورا.
وبعدين قالت
لأن الطفل ده هو اللي جوليان افتكر إنه السبب في كل اللي حصل.
نورا قربت مني، ومدت إيدها الصغيرة تمسك إيدي.
طنط جوليان قال لي إنك لازم تعرفي إن مفيش حد كان غلطان.
بصيت لها وأنا مش قادرة أتكلم.
وفي اللحظة دي، كلوي طلعت ورقة تانية من شنطتها.
ورقة عليها اسم المستشفى، وتاريخ قديم جدًا.
وقالت
دي نسخة من سجل الزيارة اللي جوليان قدر يوصله قبل ما يدخل عملية التبرع بأيام قليلة.
وبمجرد ما شوفت الاسم المكتوب في آخر الورقة
حسيت إن قلبي وقع.
لأن الاسم ما كانش اسم طفل غريب.
كان اسم حد أنا أعرفه كويس جدًا.
حد كنت فاكرة إنه خرج من حياتنا من سنين طويلة
وما كنتش أتخيل أبدًا إن رجوعه هيكون له علاقة بآخر قرار أخده ابني في حياته.
فضلت باصة للاسم المكتوب في آخر الورقة، وعيني مش قادرة تصدق اللي شايفاه.
يوسف عبد الرحمن
اسم جوز أختي الراحلة.
الراجل اللي اختفى من حياتنا من أكتر من عشرين سنة، بعد وفاة أختي بفترة قصيرة، ومحدش عرف عنه أي حاجة بعدها.
إيدي بدأت ترتعش، والورقة وقعت مني على الأرض.
بصيت لكلوي وقلت
إنتِ متأكدة إن الاسم ده كان موجود في سجل المستشفى؟
هزت راسها.
جوليان هو اللي اكتشفه بنفسه، وكان متأكد إنه مش مجرد تشابه أسماء.
حطيت إيدي على صدري.
بس يوسف ملوش أي علاقة بأخو جوليان! ده كان جوز أختي، وأختي ماتت قبل وفاة أخوه بسنين!
كلوي قربت مني وقالت
عشان كده جوليان كان محتاج يعرف الحقيقة.
نورا كانت واقفة ساكتة، بتبص لنا وهي حاضنة الأرنب بتاعها.
دخلت كلوي ونورا البيت، وقعدنا في الصالة.
أنا كنت لسه مش مستوعبة إن اسم يوسف رجع يظهر في حياتنا بالطريقة دي.
فتحت الرسالة تاني، وكملت قراءة.
ماما، أنا عارف إنك هتزعلي لما تعرفي إني كنت بدور على يوسف، بس فيه حاجة لازم تفهميها.
في يوم وفاة أخويا، حصل موقف في المستشفى أنا عمري ما نسيته.
كنت واقف في الممر، وسمعت صوت حد بينادي على ممرضة، وبيطلب منها تساعد طفل صغير.
ولما قربت، شفت يوسف.
كان شايل طفل رضيع، وبيصرخ من الخوف.
الطفل كان تعبان جدًا، ويوسف كان بيحاول يوصل للدكتور المسؤول عنه.
أنا كنت صغير، ومكنتش فاهم إيه اللي بيحصل.
لكن قبل ما أرجع لأوضة أخويا، يوسف مسكني من إيدي وقال لي
خليك جنب أخوك، وما تسيبوش لوحده.
الجملة دي فضلت في دماغي سنين.
ولما أخويا مات، فضلت أسأل نفسي لو كنت فضلت جنبه، هل كان ممكن يحصل شيء مختلف؟
وقفت عن القراءة.
دموعي نزلت على الورقة.
أنا فاكرة اليوم ده كويس.
فاكرة المستشفى.
فاكرة خوفنا.
وفاكرة إن جوليان كان طفل صغير، مش فاهم ليه أخوه بيموت.
لكن مكنتش أعرف إنه شاف يوسف في نفس اليوم.
رفعت عيني لكلوي.
طيب، وإيه علاقة نورا بكل ده؟
كلوي أخدت نفس طويل.
جوليان اكتشف إن الطفل الرضيع اللي كان يوسف شايله في المستشفى هو
وسكتت.
بصيت لها بقلق.
هو مين؟!
كلوي بصت لبنتها، وبعدها قالت
هو أنا.
حسيت إني مش قادرة أتنفس.
إنتِ؟!
هزت راسها.
أيوه. أنا كنت رضيعة وقتها، وأمي كانت في المستشفى بسبب ولادتي، ويوسف كان موجود لأنه قريبنا من بعيد.
حطيت إيدي على رأسي.
يعني إنتِ كنتِ موجودة يوم وفاة أخو جوليان؟!
أيوه، بس أنا مكنتش أعرف أي حاجة عن الموضوع ده غير من جوليان