بقالى ست سنين
المحتويات
المحامي
ترجع الأموال اللي أخذتها بدون حق، وتسيب وصية والدتك تنفذ زي ما هي.
طارق سكت فترة طويلة.
ثم قال
هعمل كده.
ما رديتش.
لأني كنت لسه ماسكة رسالة الحاجة فاطمة.
وفي آخر سطر منها كانت جملة قصيرة
ومتنسيش يا نادية فاتورة الميه اللي كنتِ بتدفعيها في السر كانت أول فاتورة أنا عرفتها عنك، لكنها مش أول مرة أشوف فيها قلبك.
ابتسمت رغم دموعي.
وفهمت أخيرًا
إن الحاجة فاطمة كانت عارفة كل شيء.
لكنها اختارت تسكت.
مش عشان تختبرني
لكن عشان تسيب لي درسًا عمره أطول من البيت نفسه
الخير الحقيقي مش محتاج شاهد، ولا محتاج مقابل.
وبعد شهور، اتصل بي المحامي.
قال
نادية، المشروع بدأ.
سألته
طارق؟
قال
رجّع جزءًا كبيرًا من الأموال، وباقي المبلغ اتعمل له جدول سداد رسمي.
سألته
والبيت؟
قال
زي ما طلبت الحاجة فاطمة.
ابتسمت.
قفلت المكالمة.
وبصيت لشجرة الياسمين.
كان أول فرع جديد طالع بعد سنين.
وقتها افتكرت الحاجة فاطمة وهي بتقول
البيت اللي يتبني على الخير، عمره ما يتهد.
ومن يومها
بقى بيت الحاجة فاطمة مكانًا صغيرًا لكل ست كبيرة محتاجة حد يسمعها ويساعدها.
أما أنا
ففضلت أدفع فاتورة الميه.
لكن المرة دي
ما كانتش فاتورة جارتي.
كانت فاتورة المكان كله.
وكنت بدفعها وأنا مبتسمة.
لأنها كانت آخر حاجة تربطني بذكرى ست علّمتني إن أحيانًا
أجمل معروف هو اللي تعمله من غير ما تنتظر حتى كلمة شكر نكمّل
وقفت قدام باب المخزن وأنا ماسكة المفتاح.
المكان كان صغير، قديم، ومقفول من سنين.
طارق وقف جنبي.
أمي قالت لي إن تحت الأرض فيه حاجة.
المحامي كان موجودًا هو كمان.
قال
نفتحه سوا.
دخلنا المخزن.
شيلنا بعض الصناديق القديمة، لحد ما ظهر جزء من الأرضية مختلف عن باقي البلاط.
كان فيه غطاء حديد صغير.
طارق حط المفتاح.
لفه.
واتفتح.
ظهر سلم ضيق نازل لتحت.
بصيت للمحامي.
هو البيت فيه قبو؟
قال
مفيش أي مخطط رسمي بيذكر قبو.
نزلنا بحذر.
تحت كان فيه مكان صغير، جدرانه حجر قديم، وفي آخره صندوق خشب.
طارق قرب منه.
لكن قبل ما يلمسه، لفت نظرنا ورقة معلقة على الحائط.
كانت مكتوبة بخط الحاجة فاطمة
لو وصلتوا هنا، يبقى البيت اتفتح للخير، ووقتها بس الصندوق ده له معنى.
فتحنا الصندوق.
لقينا دفاتر قديمة.
مش فلوس.
مش ذهب.
دفاتر بأسماء سيدات من المنطقة.
كل اسم تحته ملاحظات
احتاجت علاج.
ابنها مسافر.
معاشها اتأخر.
محتاجة إصلاح في البيت.
فهمت فجأة.
الحاجة فاطمة كانت طوال سنين بتساعد ناس كتير في السر.
وأنا كنت فاكرة إني الوحيدة اللي بتعمل كده.
لقيت دفترًا مكتوبًا عليه
أعمال الخير.
فتحته.
كان فيه حسابات دقيقة لكل جنيه دفعته الحاجة فاطمة لمساعدة شخص محتاج.
المحامي قال
دي مش مجرد ملاحظات.
أمال إيه؟
دي سجلات كاملة.
طارق فضل ساكت.
قلبنا الصفحات.
وفي آخر الدفتر لقينا أسماء أكتر من خمسين أسرة.
ومبالغ صغيرة جدًا، لكنها كانت مستمرة لسنين.
وفي الصفحة الأخيرة
كان فيه اسم واحد.
اسمي أنا.
وتحته
نادية دفعت فاتورة الميه من غير ما تعرف إني عرفت.
بصيت للصفحة وأنا مش قادرة أمنع دموعي.
ثم وجدت جملة تحتها
دلوقتي فهمت إنها مش بتعمل الخير عشاني. هي بتعمله لأنها اتربت عليه.
المحامي قال
دي كانت رسالتها الحقيقية.
لكن طارق وجد ظرفًا آخر.
فتحه.
كان فيه مبلغ مالي كبير.
ومعه ورقة.
قرأها بصوت منخفض
ده آخر مبلغ عندي. لو المشروع اتفتح، استخدموه في شراء احتياجات السيدات اللي هييجوا هنا. ولو خلص، ما تستنوش تبرعات. خلي المكان يعتمد على نفسه.
ثم كانت هناك قائمة بأفكار بسيطة
مطبخ صغير.
مشغل يدوي.
حديقة.
ركن لبيع المنتجات التي تصنعها السيدات.
ومكتبة.
قال طارق
أمي كانت مخططة للمشروع ده من سنين.
قلت
وكانت مستنية حد يكمله.
المحامي هز رأسه.
وهي اختارتك.
سكتنا.
ثم قال طارق
أنا عايز أكمل معاكي.
بصيت له.
ليه؟
قال
عشان دي أول مرة أحس إني بعمل حاجة أمي كانت هتكون فخورة بيها.
ما جاوبتش.
لكنني وافقت بشرط واحد
كل شيء يبقى مكتوب وواضح. مفيش فلوس في إيد حد لوحده.
ابتسم.
موافق.
مرت الشهور.
المكان كبر.
السيدات بقوا يصنعوا منتجات بسيطة، ويبيعوها.
دخل المكان بقى يكفي مصاريفه.
وبدأت الناس تعرف قصة بيت فاطمة.
لكننا ما قلناش كل الأسرار.
احتفظنا بالدفاتر في مكان آمن.
وفي يوم، جاء المحامي ومعه رسالة أخيرة.
قال
دي كانت في صندوق الأمانات باسم الحاجة فاطمة.
فتحت الرسالة.
يا نادية
لو وصلتي للرسالة دي، يبقى المكان نجح.
بس عندي حاجة أهم أقولها لك.
أنا ما كنتش بدور على حد يرث بيتي.
كنت بدور على حد يحافظ على المعنى اللي البيت اتبنى عشانه.
البيت مش طوب.
البيت ناس.
والخير مش فلوس.
الخير إنك تسيب الدنيا أهدى وأرحم مما لقيتها.
ولو طارق قدر يصلح غلطه، ساعديه، لكن ما تشيليش عنه مسؤولية أخطائه.
ولو أنا كنت علمتك حاجة واحدة، فلتكن دي
ما تخليش معروفك يتحول إلى دين على حد.
اعملي الخير، وسيبيه لله.
قفلت الرسالة.
وبصيت حولي.
كانت واحدة من السيدات بتضحك وهي بتجهز شغلها.
واحدة تانية بتسقي الياسمين.
وطارق كان بيصلح رفًا قديمًا في المكتبة.
وقتها فهمت إن الحاجة فاطمة ما سابتش لي بيتًا.
هي سابت لي حكاية كاملة.
وحكايتها ما انتهتش يوم ماتت.
بدأت يوم قررت إن البيت اللي عاشت فيه عمرها كله
يبقى بعد وفاتها سببًا في إن ناس تانية تعيش بكرامة.
ومن يومها، كل ما أدفع فاتورة الميه
أفتكر أول فاتورة دفعتها للحاجة فاطمة.
وأقول لنفسي
الحمد لله إني يومها ما قلتش دي مش مشكلتي.
لأن قرار صغير في يوم عادي
ممكن يغيّر حياة ناس كتير.
والأجمل
إن الخير اللي عملته في السر
رجع لي في صورة بيت مليان ناس، ودعوات، وذكريات.
أما الحاجة فاطمة
ففضلت شجرتها واقفة في مكانها.
كل ربيع كانت تزهر من جديد.
وكأنها بتقول لي
أنا مشيت لكن اللي بدأناه لسه عايش أكيد، نكمّل ونفتح خط جديد في الأحداث، مع الحفاظ على القصة من غير خيانة أو أحضان
بعد سنة كاملة، بقى بيت فاطمة معروف في المنطقة.
مش مجرد مكان للسيدات الكبيرة.
بقى مكان كل واحدة تدخل منه وهي شايلة هم، وتخرج وهي حاسة إن لسه فيه أمل.
أما أنا، فكنت مسؤولة عن الحسابات.
وطارق كان بيتابع الإصلاحات والمشتريات.
كنا حاطين قاعدة واضحة
مفيش جنيه يدخل أو يخرج من غير إيصال.
ومفيش قرار فردي.
كل حاجة كانت مكتوبة.
لكن في صباح يوم هادي، دخل علينا المحامي سامح ومعاه رجل غريب.
قال
نادية، ده الأستاذ حمدي، موظف الشهر العقاري.
استغربت.
خير؟
رد حمدي
فيه مشكلة ظهرت في ملكية الأرض الخلفية.
قلبي وقع.
مشكلة إيه؟
فتح ملفًا كبيرًا.
ظهر شخص بيقول إن جزءًا من الأرض ملكه، وعنده عقد قديم.
طارق قال
مين؟
الرجل رد
اسمه محمود عبد الرحيم.
اتجمد طارق.
بصيت له.
تعرفه؟
قال
ده ابن عم أبويا.
المحامي قال
المشكلة إن العقد اللي معاه مؤرخ قبل عقد والد الحاجة فاطمة.
قلت
يعني الأرض ممكن تروح؟
المحامي هز رأسه.
مش بالضرورة.
ثم أخرج نسخة من العقد.
لأن فيه توقيع مختلف.
طارق قرب.
يعني إيه؟
العقد اللي معاه بيقول إن الأرض اتباعت سنة 1984.
ثم أشار إلى سجل قديم.
لكن عندنا مستندات تثبت إن والد الحاجة فاطمة كان بيتصرف في الأرض بعد التاريخ ده بسنين.
بدأنا نراجع الأوراق.
كل مستند كان بيقودنا لمستند أقدم.
لحد ما المحامي قال
لازم نرجع للأصل.
سألته
أصل إيه؟
دفتر التسجيل القديم.
قال طارق
موجود فين؟
المحامي رد
في الأرشيف العقاري.
وبعد أيام من البحث، حصلنا على صورة من الدفتر.
وكانت المفاجأة
التوقيع الموجود على العقد اللي مع محمود لم يكن مطابقًا لتوقيع والد الحاجة فاطمة.
لكن ده ما كانش كفاية.
محمود أصر على موقفه.
وقال
أنا مش هسيب حقي.
وقررنا نرفع الأمر للجهة المختصة.
وأثناء مراجعة المستندات، لاحظ المحامي حاجة غريبة.
قال
استنوا.
كلنا بصينا له.
كان ماسك نسخة من العقد القديم.
وقال
التاريخ المكتوب هنا مش منطقي.
طارق سأل
ليه؟
لأن الشخص اللي وقع شاهدًا على العقد كان متوفي قبل التاريخ المكتوب
متابعة القراءة