بقالى ست سنين

لمحة نيوز

البداية.
المحامي قال
أيوه.
لكن كان فيه مستند تاني.
المحامي قرأه بتركيز.
وبعدين رفع عينه.
فيه حاجة غريبة.
قلت
إيه؟
والدتك باعت جزءًا من ملكية البيت من زمان.
طارق قال
مستحيل.
المحامي أشار للعقد.
هنا اسم المشتري.
طارق قرب.
وفجأة سكت.
أنا بصيت للاسم.
كان
عبد الرحيم محمود.
قلت
مين ده؟
طارق ما ردش.
المحامي قال
ده اسم والدك.
اتصدمت.
الحاجة فاطمة كانت متجوزة والد طارق سنين طويلة.
لكن الغريب إن المستند كان بيقول إن والد طارق امتلك نصف البيت، بينما النصف الآخر ظل باسم الحاجة فاطمة.
ثم وجدنا ورقة أحدث.
كانت وصية والد طارق.
المحامي قرأها ببطء.
وبحسبها، كان نصف البيت المفروض يروح لطارق بعد وفاة والده.
لكن الحاجة فاطمة كانت محتفظة بنصفها هي.
طارق قال
يبقى أنا ليا نص البيت.
المحامي رد
كان ليك حق في جزء من ملك والدك، لكن والدتك تصرفت في نصيبها هي.
طارق بدأ يتوتر.
تصرفت إزاي؟
المحامي رفع آخر ورقة.
وهنا المفاجأة.
الورقة كانت عقد تبرع رسمي.
الحاجة فاطمة كانت قد نقلت ملكية نصف البيت قبل وفاتها بسنوات.
لكن مش لطارق.
ولا لأي قريب.
ولا حتى لنفسها.
الاسم الموجود في العقد كان اسمي أنا.
نادية.
فضلت واقفة مش قادرة أنطق.
قلت
هي نقلت الملكية لي من إمتى؟
المحامي قال
من أربع سنين.
بصيت له.
أربع سنين؟
هز رأسه.
بالضبط.
وفجأة فهمت.
أربع سنين
يعني تقريبًا من نفس الوقت اللي بدأت فيه أدفع فواتير الميه.
لكن الحاجة فاطمة ما كانتش بتديني البيت مقابل الفلوس.
لأن العقد كان مسجل قبل ما أعرف أصلًا إنها نقلته باسمي.
طارق ضرب بإيده على الترابيزة.
ليه عملت كده؟
المحامي رد
لأن والدتك كانت عارفة إنك هتحاول تبيع البيت بعد وفاتها.
طارق سكت.
المحامي أكمل
وكانت عارفة إنك هتتهم أي شخص يساعدها إنه بيستغلها.
بصيت للورقة.
وتحت العقد كان فيه سطر مكتوب بخط الحاجة فاطمة
أنا لا أعطي نادية البيت مقابل ما دفعته. أنا أعطيها نصف البيت لأنها الوحيدة التي ساعدتني دون أن تنتظر أن تعرف.
سكتنا كلنا.
لكن طارق ما اقتنعش.
قال
والنصف التاني؟
المحامي ابتسم.
ده لسه ما اتحددش.
طارق بص له.
يعني إيه؟
المحامي أخرج ورقة أخيرة من الصندوق.
والدتك كتبت شرطًا في وصيتها.
شرط إيه؟
قال
إن النصف الثاني من البيت لا يذهب لك إلا إذا أثبتَّ أنك لم تستغل والدتك ماليًا.
طارق اتغير لونه.
وإزاي أثبت ده؟
المحامي رد
بالحسابات البنكية.
ثم فتح الملف.
وكل التحويلات موجودة.
طارق فضل ساكت.
وأنا كنت لسه ببص لشجرة الياسمين من الشباك.
ساعتها فهمت إن الحاجة فاطمة ما كانتش بس بتسيب لي بيت.
كانت بتحاول تمنع البيت من إنه يتحول لمشكلة جديدة.
لكن كان فيه شيء واحد لسه مش مفهوم
ليه اختارتني أنا تحديدًا؟
وليه بدأت تسجل كل شيء قبل وفاتها بأربع سنين؟
الإجابة كانت في آخر سطر من رسالتها.
سطر واحد فقط
لكن لما قريته، عرفت إن علاقتي بالحاجة فاطمة بدأت قبل ست سنين بكتير، من غير ما أعرف قعدت ماسكة الورقة وأنا مش فاهمة.
رجعت قريتها مرة تانية.
كان مكتوب
نادية ما تعرفش إن أبوها كان سببًا في إنقاذ بيتي من الضياع.
رفعت عيني للمحامي.
أبويا؟
طارق بص لي باستغراب.
إيه علاقة أبوها بأمي؟
المحامي بدأ يقلب في الأوراق القديمة.
وبعد ثواني طلع صورة فوتوغرافية صغيرة.
ناولني إياها.
أول ما شفت الصورة
اتجمدت.
كان أبويا واقف جنب الحاجة فاطمة قدام نفس البيت.
لكن الصورة كانت قديمة جدًا.
يمكن من أكتر من عشرين سنة.
قلت
أنا أول مرة أشوف الصورة دي.
المحامي قال
والدتك كانت محتفظة بيها.
سألته
أبويا كان يعرفها؟
رد
أكتر مما تتخيلي.
فضلت ساكتة.
أنا كنت فاكرة إن علاقة أبويا بجيراننا كانت مجرد سلام وسؤال.
لكن الحاجة فاطمة كانت كاتبة تفاصيل تانية.
قبل حوالي خمسة وعشرين سنة، حصل خلاف على ملكية جزء من الأرض اللي ورا البيت.
كان فيه شخص حاول يثبت إن الأرض ملكه.
والحاجة فاطمة كانت وقتها كبيرة في السن، وزوجها كان مريض.
أبويا هو اللي ساعدها تجيب المستندات القديمة وتثبت حقها.
وما أخدش منها أي فلوس.
ولا حتى طلب منها تشكره.
الحاجة فاطمة كتبت
وقتها قلت لنفسي إن الدنيا لسه فيها ناس بتعمل الخير من غير حساب.
بصيت للمحامي.
وعشان كده كتبت البيت باسمي؟
هز رأسه.
مش بس عشان كده.
طلع ورقة أخرى.
كانت رسالة بخط الحاجة فاطمة.
بعد وفاة والد نادية، فضلت أراقبها من بعيد. كنت عايزة أعرف هل الخير اللي شفته في أبوها كان مجرد موقف، ولا تربية حقيقية.
قلبي اتقبض.
لأول مرة فهمت ليه كانت دايمًا بتسألني عن أحوالي.
ليه كانت تلاحظ تفاصيل صغيرة في حياتي.
وليه كانت ترفض أي مساعدة مني في البداية.
كانت بتختبرني من غير ما أعرف.
المحامي قال
والدتك بدأت تكتب ملاحظاتها عنك من حوالي عشر سنين.
طارق انفعل
عشر سنين؟
أيوه.
وكانت بتراقبها؟
المحامي رد
مش مراقبة بالمعنى اللي إنت فاهمه. كانت بتلاحظ تصرفاتها.
وبعدين فتح صفحة من دفتر قديم.
كان مكتوب فيها
نادية لما تشتري حاجة لنفسها، تسأل الأول إذا كنت محتاجة حاجة من السوق.
صفحة تانية
رفضت تاخد مني فلوس لما أصلحت لها باب بيتها.
صفحة ثالثة
دفعت فاتورة الميه من غير ما تقول لي.
وقفت عند آخر جملة.
هي كانت عارفة من أول مرة؟
المحامي ابتسم.
أيوه.
قلت
وأنا كنت فاكرة إنها مش عارفة.
طارق قاطعنا
يعني كل ده كان مخطط؟
المحامي قال
والدتك كانت بتقول إن الإنسان بيبان وقت ما يفتكر إن محدش شايفه.
طارق سكت.
وبعدين قال
طيب ليه ما قالتش لي الكلام ده وهي عايشة؟
المحامي بص له بجدية.
لأنها كانت مستنية تشوف هتتصرف إزاي بعد وفاتها.
طارق اتوتر.
يعني إيه؟
المحامي فتح آخر جزء من الملف.
فيه شرط أخير في الوصية.
سألته
إيه الشرط؟
قال
لو طارق حاول يبيع البيت أو يطعن في الوصية أو يتهم نادية زورًا، ينتقل الجزء المتبقي من البيت إلى جمعية خيرية لرعاية كبار السن.
طارق اتصدم.
أمي عملت كده؟
المحامي هز رأسه.
أيوه.
وبعدين أضاف
لكنها تركت لك فرصة.
طارق بص له.
فرصة إيه؟
والدتك كتبت إنك لو أثبت إنك ظلمتها أو أخذت أموالها بدون حق، ترجع الأموال لحساب التركة، وساعتها ممكن تحصل على نصيبك الشرعي من باقي الممتلكات.
طارق سكت فترة طويلة.
لأول مرة من وقت ما دخل البيت
ما كانش عنده رد.
أنا قربت منه وقلت
أنا مش عايزة حاجة منك يا طارق.
رفع عينه لي.
البيت ده مش مهم عندي قد ما مهم إن الحقيقة تظهر.
المحامي قال
وده بالضبط اللي كانت والدتك عايزاه.
خرجنا من البيت.
وقبل ما أقفل الباب، بصيت للمكتبة القديمة.
وفجأة افتكرت جملة الحاجة فاطمة من آخر مرة اتكلمنا فيها
يا نادية، الخير اللي بيتعمل في السر، ربنا بيطلعه في الوقت اللي هو عايزه.
وقتها ما فهمتش.
دلوقتي فهمت.
لكن وأنا بقفل الباب
المحامي ناداني.
نادية.
لفيت.
مد لي ظرفًا أبيض.
ده آخر شيء طلبت مني أسلمهولك.
فتحته.
كان جواه مفتاح آخر.
وتحته ورقة واحدة.
قرأتها.
لو وصل المفتاح ده لنادية، يبقى طارق عرف الحقيقة. لكن لسه فيه سر واحد ما يعرفوش.
بصيت للمحامي.
سر إيه؟
قال
مش مكتوب هنا.
أمال فين؟
أشار للبيت.
الحاجة فاطمة قالت إن الإجابة موجودة في المكان اللي زرع فيه جوزها أول شجرة ياسمين.
بصيت للشجرة من بعيد.
وفجأة
فهمت إن الحكاية لسه ما خلصتش.
لأن شجرة الياسمين كانت مزروعة في جزء من الأرض لم يكن ظاهرًا في أي خريطة أو عقد.
وكان تحتها صندوق قديم
الحاجة فاطمة أخفته طوال أكثر من ثلاثين سنة نكمّل، ونخلي الجزء ده فيه مفاجأة جديدة مرتبطة بالحاجة فاطمة، من غير خيانة أو أحضان
عدت ست شهور على وفاة الحاجة فاطمة.
البيت اتغير تمامًا.
اتصلحت السلالم، واتدهنت الحيطان، وشجرة الياسمين اتقصت أغصانها القديمة
تم نسخ الرابط