بقالى ست سنين

لمحة نيوز

من غير ما حد يقرب من جذعها.
وبمساعدة ناس من المنطقة، بدأنا نجهز المكان لاستقبال السيدات الكبيرات اللي محتاجين رعاية بسيطة.
ما كانش دار رعاية كبيرة.
كان بيتًا هادئًا.
مطبخ صغير.
غرفة للراحة.
مكان للجلوس.
وحديقة بسيطة تحت شجرة الياسمين.
وعلى باب البيت حطينا لوحة صغيرة
بيت فاطمة.
ما كتبتش اسمي.
لأن البيت كان فضلها هي.
في يوم، وأنا براجع حسابات المكان، دخل عليّ المحامي سامح.
كان ماسك ملف.
أول ما شفته، قلت
خير؟
قال
عندي حاجة أخيرة من الحاجة فاطمة.
ضحكت.
لسه فيه حاجات؟
قال
واضح إن الست دي كانت عاملة حساب لكل شيء.
قعد قدامي وطلع ظرف.
لكن المرة دي كان الظرف مختلف.
عليه تاريخ قبل وفاتها بيومين.
فتحته.
وكانت أول جملة
لو المكان بدأ يشتغل، يبقى نادية نفذت وعدها.
بصيت له.
وعد؟
قال
كملي.
قرأت
أنا عارفة إن طارق ممكن في يوم يراجع نفسه، وعارفة إن الفلوس اللي أخدها مني مش هي أكبر خسارة حصلت في حياته.
وقفت.
وبعدين كملت
أكبر خسارة حصلت له إنه كان فاكر إن قيمة الإنسان في اللي يملكه.
حسيت إن الرسالة مش مجرد وصية.
كانت درسًا لطارق.
ثم قرأت
لو طارق رجع يصلح غلطه، ما تمنعيش عنه الخير. لكن ما ترجعيش له أي حق في البيت إلا بالقانون.
بصيت للمحامي.
هو رجع الفلوس؟
قال
رجع معظمها.
والباقي؟
ملتزم بالسداد.
سكت شوية.
ثم قال
لكن فيه شيء حصل الأسبوع اللي فات.
إيه؟
طارق جه للمكان.
اتوترت.
عمل مشكلة؟
لأ.
قال إيه؟
المحامي ابتسم.
قال إنه عايز يشتغل معاكم.
استغربت.
يشتغل؟
أيوه.
في بيت والدته؟
قال إنه عايز يصلح جزء من اللي عمله.
ما رديتش فورًا.
كنت فاكرة كلام الحاجة فاطمة
ما تمنعيش عنه الخير.
لكن ده مش معناه إني أثق فيه بسهولة.
قلت
لو هيشتغل، يبقى له دور واضح وقواعد واضحة.
المحامي هز رأسه.
ده اللي قلته له.
بعدها بأيام، بدأ طارق يساعد في تجهيز المكان.
ما كانش بياخد فلوس.
وكان بيروح يشتري الاحتياجات، يصلح الحاجات البسيطة، ويتابع الفواتير.
وفي مرة، لقيته واقف تحت شجرة الياسمين.
قربت منه.
قال
عارف إيه أكتر حاجة وجعتني؟
ما رديتش.
قال
إن أمي كانت واثقة فيكي أكتر مني.
قلت
الثقة بتتبني.
رد
وأنا ضيعتها.
قلت
وتقدر تصلح اللي تقدر عليه.
بص للشجرة.
كانت بتحبها أوي.
قلت
كانت بتقول إن أبوك هو اللي زرعها.
ابتسم لأول مرة.
لأ.
بصيت له باستغراب.
إزاي؟
قال
أمي هي اللي زرعتها.
سكت.
أبويا جابها لها، لكنها هي اللي زرعتها بإيدها.
ثم أضاف
وكانت بتقول إن الشجرة دي هتفضل شاهدة على كل اللي حصل في البيت.
افتكرت الصندوق.
والأوراق.
والوصية.
وفواتير الميه.
كل حاجة كانت مرتبطة ببعض.
وفي نفس الليلة، وأنا بقفل المكان، سمعت خبط على الباب.
فتحت.
كانت ست كبيرة واقفة قدامي، ماسكة شنطة صغيرة.
قالت
هو ده بيت فاطمة؟
قلت
أيوه.
قالت
أنا كنت صاحبة الحاجة فاطمة من زمان.
دخلتها.
قعدت تحت شجرة الياسمين.
وبعد دقائق قالت لي
فاطمة كانت بتقول لي إنك هتكملي اللي هي بدأته.
ابتسمت.
قالت لك كده؟
هزت رأسها.
ثم مدت لي ورقة صغيرة.
قالت لي أديها لك بعد وفاتها.
فتحت الورقة.
وكان مكتوب فيها
يا نادية، لو يوم من الأيام حد جه لك وقال إن الخير ملوش لازمة، خليه يشوف البيت ده.
رفعت عيني.
لكن الست الكبيرة كانت بتبص لي بابتسامة.
وفي اللحظة دي فهمت إن الحاجة فاطمة ما كانتش بتسيب لي بيت.
كانت بتسيب لي مسؤولية.
مسؤولية إن باب البيت يفضل مفتوحًا.
وبعدها بشهر، حصل شيء ما كنتش أتوقعه.
جاء طارق ومعه ورقة رسمية.
قال
دي تنازل عن أي مطالبة شخصية ليا في الجزء اللي والدتي خصصته للمشروع.
بصيت له.
ليه؟
قال
عشان أخيرًا فهمت هي كانت عايزة إيه.
ثم وضع الورقة على المكتب.
وقال
وفي حاجة تانية.
إيه؟
طلع مفتاحًا قديمًا.
ده مفتاح المخزن اللي ورا البيت.
استغربت.
المخزن ده أنا فتحته قبل كده.
هز رأسه.
لأ فيه جزء تحتي.
اتجمدت.
تحته؟
قال
أمي قالت لي عنه قبل وفاتها، لكنها طلبت مني ما أفتحهش إلا لو المكان اتأسس فعلًا.
بصيت للمفتاح.
ثم لشجرة الياسمين.
وفجأة حسيت إن الحكاية لسه مخبية سرًا جديدًا.
سرًا ما كانش موجودًا في الوصية
ولا في الصندوق
ولا حتى في الأوراق القديمة.
وكان السؤال الوحيد
إيه اللي الحاجة فاطمة كانت مخبياه تحت مخزن البيت، وليه انتظرت لحد ما المشروع يبدأ عشان تسمح بفتحه؟نكمّل 
رجعنا تاني ناحية شجرة الياسمين.
كانت الشجرة كبيرة جدًا، وجذعها سميك، وأغصانها مغطية جزء من البلكونة.
طارق وقف بعيد، بينما أنا والمحامي بدأنا ندور حوالين الجذع.
قال المحامي
الحاجة فاطمة قالت إن الصندوق موجود تحت الشجرة، لكن ما قالتش مكانه بالضبط.
فضلنا ندور لحد ما لاحظت إن فيه جزء من الأرض شكله مختلف.
قلت
هنا.
المحامي قرب.
استخدمنا أدوات بسيطة كانت موجودة في المخزن.
وبعد دقائق
ظهر طرف صندوق معدني قديم.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
طلعناه من الأرض.
كان مقفول بقفل صدئ.
استخدم المحامي المفتاح الثاني.
اتفتح الصندوق.
لكن بدل الفلوس أو الذهب
لقينا مجموعة أوراق وصور قديمة.
أول ورقة كانت عقدًا عمره أكتر من ثلاثين سنة.
المحامي قرأه بتركيز، ثم قال
دلوقتي فهمت.
طارق سأله
فهمت إيه؟
رد
والدتك ما كانتش خايفة على البيت بس.
قلب الورقة.
كانت خايفة على الأرض اللي وراه.
اتضح إن جزءًا من الأرض الخلفية لم يكن مسجلًا ضمن ملكية البيت بشكل واضح.
لكن والد الحاجة فاطمة كان قد اشترى الأرض بعقد عرفي قديم، واحتفظ بالأصل داخل الصندوق.
قال المحامي
لو المستند ده سليم، فالأرض دي ملك التركة، ومش من حق أي حد يبيعها أو يستولي عليها.
طارق سأل
وإيه علاقتها بنادية؟
المحامي سكت.
ثم أخرج صورة من الصندوق.
الصورة كانت لوالدي مع والد الحاجة فاطمة.
وخلفهما قطعة الأرض نفسها.
قلت
أبويا كان يعرف بالموضوع ده؟
المحامي قال
واضح إنه كان يعرف.
ثم وجدنا رسالة قصيرة.
كانت من والد الحاجة فاطمة إلى والدي.
أنا واثق إنك مش هتبيع الأرض حتى لو احتجت.
قريت الجملة وأنا مش قادرة أتكلم.
المحامي أكمل قراءة الرسالة.
ولو حصل لي حاجة، خلي بنتك تعرف إن الأرض دي ما ينفعش تتباع لحد غريب. هي أولى بيها لو حافظت على البيت والجيرة.
طارق بص لي.
يعني أمي كانت مخططة لكل ده؟
المحامي قال
لا.
ثم أشار للرسالة.
والدتها ووالد نادية كانوا متفقين على حماية الأرض من زمان. والدتك نفذت الاتفاق بعد ما كبرت.
فجأة لقيت ظرف صغير في قاع الصندوق.
كان مكتوب عليه
لنادية فقط.
فتحته.
لقيت رسالة بخط الحاجة فاطمة.
يا نادية
لو وصلتي للرسالة دي، يبقى عرفتِ إن البيت مش مجرد حيطان، وإن أبوكي كان ليه فضل كبير في الحفاظ عليه.
أنا ما كتبتش لك البيت عشان تدفعي فواتيري.
ولا عشان أرد لك فلوس.
أنا كتبته لك لأنني رأيت فيك نفس الأمانة اللي شفتها في أبوكي.
لكن عندي طلب واحد.
وقفت عن القراءة لحظة.
ثم أكملت
ما تبيعيش البيت.
خليه مفتوحًا لأي ست كبيرة من الجيران تحتاج مكانًا آمنًا تعيش فيه، ولو في يوم احتجتي جزءًا منه، استخدميه لنفسك من غير ذنب.
أما الأرض الخلفية
فخصصي جزءًا منها لعمل صغير يخدم أهل المنطقة.
نزلت الورقة من إيدي.
طارق كان ساكت.
المحامي قال
والدتك كانت بتفكر في الناس حتى آخر لحظة.
ثم أخرج ورقة أخرى.
وفيه حاجة كمان.
كانت وصية أخيرة.
الحاجة فاطمة كانت قد خصصت مبلغًا من مدخراتها لتجهيز البيت ليكون مكانًا صغيرًا لرعاية السيدات المسنات المحتاجات للمساعدة.
لكنها اشترطت شرطًا واحدًا
أن تكون نادية هي المسؤولة عن المشروع.
بصيت للمحامي بدهشة.
أنا؟
هز رأسه.
أيوه.
طارق فضل واقف ساكت.
وبعد دقائق قال
أنا ظلمتك.
بصيت له.
أنت اتهمتني إني كنت مستنية مقابل.
نزل عينه.
كنت غلطان.
ثم أضاف
وأنا فعلًا كنت فاكر إن أمي ما كانتش قادرة تدير فلوسها.
المحامي قال
والآن عندك فرصة تصلح اللي حصل.
طارق سأل
إزاي؟
قال
تم نسخ الرابط