بقالى ست سنين

لمحة نيوز

بقالى ست سنين بدفع فاتورة الميه بتاعة جارتي العجوز في السر
ولا مرة قلت لها إني أنا اللي بدفع.
كانت الحاجة فاطمة ست كبيرة عندها 84 سنة، عايشة لوحدها في البيت اللي جنب بيتي من سنين طويلة.
بيت قديم، بلكونة صغيرة، وسور واطي، وشجرة ياسمين كبيرة كانت الحاجة فاطمة بتعتبرها أغلى حاجة عندها.
بعد وفاة جوزها، بقت حياتها أبسط وأهدى.
كانت بتعتمد على معاشها، وتحسب كل جنيه قبل ما تصرفه.
وفي يوم من سنة 2020، وأنا راجعة من مشوار، لقيت إنذار بقطع الميه متعلق على باب بيتها.
عرفت إن عليها فواتير متأخرة.
ما دخلتش أسألها.
كنت عارفة إنها هترفض أي مساعدة، لأنها كانت بتحب تعتمد على نفسها.
شلت الورقة من على الباب، ورجعت بيتي، ودخلت دفعت المتأخرات.
كانت حوالي 900 جنيه.
وقلت لنفسي
مرة وخلاص.
لكن الشهر اللي بعده لقيت فاتورة جديدة.
دفعتها.
والشهر اللي بعده دفعتها برضه.
ومن غير ما أحس، عدت ست سنين وأنا بدفع الفواتير.
أوقات كانت 900 جنيه، وأوقات أقل أو أكتر.
الحاجة فاطمة عمرها ما سألتني.
وأنا عمري ما قلت لها.
كنت شايفة إن أهم حاجة إنها تفضل حاسة إنها قادرة تدير حياتها بنفسها.
وفي يوم، صحيت على خبر وفاتها.
حضرت الجنازة، وقفت وسط الناس، وكنت حزينة عليها جدًا.
كان ابنها طارق جاي من القاهرة.
كنت أعرف إنه بيزورها على فترات، لكن علاقتي بيه كانت محدودة جدًا.
بعد الجنازة رجعت بيتي.
وكنت فاكرة إن الموضوع انتهى.
لكن الصبح
خبط حد على الباب.
فتحت.
لقيت طارق واقف ومعاه رجل في منتصف العمر لابس بدلة ويحمل ملفًا.
قال
مدام نادية؟
قلت
أيوه.
قال
أنا الأستاذ سامح، المحامي اللي كان بيتابع شؤون والدتك.
رديت
اتفضلوا.
دخلوا.
طارق قعد وهو ماسك ورقة.
وبص لي وقال
إنتِ كنتِ بتدفعي فواتير الميه بتاعة أمي؟
اتوترت.
لكن قلت
أيوه.
رفع الورقة قدامه.
ليه؟
لأنها كانت محتاجة.
وهي طلبت منك؟
لأ.
يبقى كنتِ مستنية إيه؟
بصيت له باستغراب.
ولا حاجة.
ضحك بسخرية.
محدش بيدفع فلوس ست سنين من غير سبب.
المحامي قال بهدوء
إحنا مش جايين نتخانق يا مدام نادية، لكن لازم نفهم طبيعة العلاقة المالية بينك وبين السيدة فاطمة.
قلت
مفيش علاقة مالية.
لكنك دفعتِ فواتيرها.
عشان الميه ما تتقطعش عنها.
طارق قال
وأمي كانت كبيرة في السن.
رفعت عيني له.
كبيرة، لكن مش عاجزة.
سكت.
المحامي فتح الملف.
والدتك غيرت وصيتها قبل وفاتها بأيام.
اتصدمت.
وصيتها؟
طارق قال
أيوه.
وأنا مالي؟
رد بسرعة
دي المشكلة.
يعني إيه؟
قال
اسمك موجود فيها.
فضلت ساكتة.
المحامي سأل
هل أعطتك والدتك أي أوراق أو ظرف قبل وفاتها؟
افتكرت فورًا الظرف البني.
قبل وفاتها بشهر، الحاجة فاطمة نادتني في هدوء، وسلمتني ظرفًا مقفولًا بالشمع.
وقالت
يا نادية، خلي الظرف ده عندك. ومهما حصل، ما تفتحيهوش وأنا عايشة.
سألتها
ولو حصل لك حاجة؟
ردت
ساعتها افتحيه قدام الشخص الصح.
ما فهمتش وقتها قصدها.
لكن دلوقتي
فهمت.
دخلت غرفتي، وطلعت الظرف.
وحطيته قدام المحامي.
طارق قرب بسرعة.
ده إيه؟
قلت
الحاجة فاطمة ادتهولي قبل وفاتها.
المحامي فتحه.
طلع ورقة.
قرأ أول سطر
ثم سكت.
قرأه مرة تانية.
طارق سأله
في إيه؟
المحامي رفع عينيه وقال
لازم تقعد يا طارق.
طارق اتوتر.
ليه؟
المحامي حط الورقة على الترابيزة.
وقال
لأن والدتك كانت عارفة إنك هتيجي هنا بعد وفاتها.
طارق شحب وجهه.
إيه الكلام ده؟
المحامي أشار للورقة.
والدتك كتبت كل حاجة بالتفصيل.
قلب الصفحة.
وكان فيها كشف بحسابات بنكية وتحويلات مالية.
المحامي قال
خلال آخر أربع سنين، مبالغ كبيرة خرجت من حساب والدتك.
طارق رد بسرعة
أنا كنت بصرف عليها.
المحامي هز رأسه.
لأ.
وسكت لحظة.
معظم المبالغ دي راحت لحسابك الشخصي.
طارق قام بعصبية.
دي فلوسي أنا!
المحامي رد بهدوء
والدتك كانت بتقول غير كده.
ثم أخرج ورقة أخرى.
كان عليها توقيع الحاجة فاطمة.
وتحت التوقيع جملة مكتوبة بخط يدها
ابني طلب مني فلوس بحجة علاج البيت وإصلاحاته، ثم اكتشفت إن جزءًا كبيرًا من المبالغ لم يُصرف فيما قاله.
طارق وقف عاجزًا عن الرد.
أما أنا فكنت ساكتة.
المحامي قلب آخر ورقة.
وقال
ولسه في حاجة أهم.
بصيت له.
إيه؟
قال
والدتك ما كانتش بتعتبر إن دفعك لفواتير الميه مجرد مساعدة.
طارق بص له بحدة.
أمال كانت بتعتبره إيه؟
المحامي ابتسم ابتسامة صغيرة.
كانت بتعتبره دليلًا.
دليل على إيه؟
المحامي أخرج ورقة أخيرة.
وقال
دليل إن في شخص واحد فضل يساعدها من غير ما يطلب منها حاجة في الوقت اللي أقرب شخص ليها كان بياخد منها فلوس ويقول إنها مش قادرة تدير أمورها.
ثم وضع الورقة أمامي.
وكان أول سطر فيها
إلى نادية
وتحتها
لو إنتِ بتقري الكلام ده، يبقى أنا مشيت وأنا مطمنة، لأن في حد أخيرًا هيعرف الحقيقة.
رفعت عيني عن الورقة.
لكن قبل ما أكمل القراءة
طارق قال بصوت مرتجف
الورقة دي مش قانونية.
المحامي رد
بالعكس.
ثم أضاف
لأن والدتك سجلت الوصية الجديدة رسميًا، وطلبت مني شخصيًا أتأكد إن نادية تستلم حقها.
سألت وأنا مش مستوعبة
حقي إيه؟
المحامي بص لي وقال
الحاجة فاطمة كتبت لك البيت.
اتجمدت مكاني.
بيت الحاجة فاطمة
البيت اللي عاشت فيه أكتر من خمسين سنة.
البيت اللي كانت فيه شجرة الياسمين.
البيت اللي كنت بدفع فواتيره من غير ما حد يعرف.
لكن المفاجأة الحقيقية
إن البيت نفسه لم يكن أغلى شيء تركته لي.
لأن الحاجة فاطمة كانت مخبية داخله مستندًا قديمًا جدًا
مستندًا يثبت أن البيت لم يكن ملكها وحدها أصلًا.
وكان هذا المستند هو السبب الحقيقي وراء خوف طارق من فتح الوصية فضلت باصة للمحامي ومش عارفة أرد.
قلت بصوت منخفض
أنا مش عايزة البيت.
طارق انفجر
طبعًا! دلوقتي بعد ما عرفتي إن أمي كتبته باسمك هتعملي نفسك مش عايزاه؟
بصيت له بهدوء.
أنا فعلًا مش عايزاه.
المحامي قال
وده بالضبط اللي كانت والدتك متوقعاه.
طارق سكت.
المحامي طلع ظرف صغير من الملف.
الحاجة فاطمة تركت تعليمات واضحة جدًا. قالت إن نادية ما تعرفش أي تفاصيل عن البيت إلا بعد قراءة المستندات كلها.
فتحت الظرف.
كان جواه مفتاح قديم.
مفتاح صغير لونه أسود من كتر القدم.
ومعه ورقة مكتوب عليها
المفتاح ده هيفتح مكان ما حدش يعرفه غيري.
بصيت للمحامي.
مكان في البيت؟
هز رأسه.
غالبًا.
طارق قال بسرعة
البيت اتفتش بالكامل.
المحامي بص له.
مين فتشه؟
طارق سكت.
أنا.
المحامي سأله
وإنت عارف كل الأماكن الموجودة فيه؟
رد
طبعًا، ده بيت أمي.
المحامي ابتسم.
يبقى أكيد والدتك كانت أذكى منك.
سادت لحظة صمت.
خرجنا كلنا من البيت واتجهنا لبيت الحاجة فاطمة.
كان البيت هادي بشكل غريب.
فتحت الباب بالمفتاح الاحتياطي اللي كان مع المحامي.
دخلنا.
التراب كان مغطي الأثاث.
وشجرة الياسمين كانت ظاهرة من الشباك.
فضلت ماشية وأنا حاسة إن كل ركن في المكان بيحكي جزء من عمر ست كبيرة قضت حياتها هنا.
وصلنا للصالة.
المحامي بص للمفتاح.
المفتاح ده مش لباب.
طارق قال
عرفت منين؟
لأن شكله قديم جدًا، ومفيش قفل حديث بالشكل ده في البيت.
بدأنا ندور.
لحد ما وقفت قدام مكتبة خشب قديمة.
افتكرت حاجة.
الحاجة فاطمة كانت دايمًا تمنعني ألمس المكتبة دي.
قلت
هي كانت بتقعد هنا بالساعات.
قربت من المكتبة.
لاحظت إن جزء من الخشب مختلف عن باقي الرفوف.
المحامي ضغط عليه.
سمعنا صوت طقة.
جزء صغير من المكتبة اتحرك.
طارق رجع خطوة.
ورا الخشب كان فيه تجويف صغير.
وفتحة مفتاح.
دخلت المفتاح.
لفيته.
انفتح باب سري صغير.
جواه صندوق حديد.
المحامي فتحه.
كان فيه ملف قديم جدًا.
أول ورقة كانت عقد ملكية البيت.
لكن التاريخ كان من سنة 1968.
والاسم المكتوب في العقد
ما كانش اسم الحاجة فاطمة.
ولا اسم جوزها.
كان اسم والدها.
قلبنا الورقة التالية.
كانت شهادة قديمة تثبت إن والد الحاجة فاطمة اشترى البيت بالكامل، وسجله باسم ابنته الوحيدة فاطمة بعد وفاة والدتها.
طارق قال
يعني البيت كان بتاع أمي من

تم نسخ الرابط