لمدة ثمانية ايام
لمدة تمانية أيام، أخطر راجل في القاهرة كان بيراقبني في السر من خلال كاميرات مخفية، وأنا بنضف قصره مقابل 12 دولار في الساعة. آسر الجبالي كان متوقع إنه يمسكني وأنا بسرق منه، لكنه بدل كده شافني وأنا بنزف علشان أمه المريضة، وفي اليوم السابع، أخيرًا ساب غرفة المراقبة السرية اللي تحت الأرض وطلع بنفسه يدور عليّا.
وأنا عندي ستة وعشرين سنة، كنت تقريبًا مش موجودة جوه قصر آسر الجبالي.
اليونيفورم الرمادي الباهت، والكوتشي القديم اللي اتبهدل من كتر المشي، وعربية التنضيف بتاعتي، كانوا بيخلوني مجرد حاجة عادية بتتحرك وسط قصر عامل زي الحصن، كله إزاز وحديد، وحراس مسلحين، وكاميرات في كل حتة.
الناس كلها كانت عارفة إن آسر الجبالي ما بيثقش في حد.
كانوا بيقولوا إن الخيانة في عالمه تمنها غالي، وإن اللي يخونه عمره ما بياخد فرصة تانية.
علشان كده كنت بعمل شغلي في هدوء، أوطي راسي، وما أدخلش في كلام مع حد، وأحاول على قد ما أقدر ما ألفتش نظره.
لحد ما بدأت أدخل الأوضة رقم 104.
والدة آسر، الحاجة نوال، كانت عندها اتنين وسبعين سنة، ومصابة بمرحلة متقدمة من الزهايمر.
الممرضات كانوا بيتعاملوا معاها بحذر شديد، لأنها كانت ساعات تصرخ بأعلى صوتها، وترمي أي حاجة تطول إيدها، وساعات ترفض الأكل وتبصقه في وش أي حد يحاول يقرب منها.
في يوم تلات، دخلت الأوضة ولقيتها بتترعش، بعد ما واحدة من الممرضات خرجت جري وهي كلها مغطاة بالأكل.
بصيت لنوال وقلت لها
هو هما بيعملوا الأكل ده طعمه زي الكرتون ليه؟
فجأة سكتت.
وقعدت جنبها، وسحبت الكرسي ناحيتها، ورفعت المعلقة قدامها.
وقلت
بصي، أنا لو مكانيكِ ممكن أرميه في وشهم أنا كمان، بس لو ما كلتيش، هييجوا يحطوا لك أنبوبة في دراعك.
ما حاولتش أغصبها.
فضلت بس ماسكة المعلقة قدامها.
دقيقة...
اتنين...
تلاتة...
وبعدين قربت نوال منها، وأكلت.
اللي ما كنتش أعرفه إن آسر الجبالي كان بيتفرج على كل اللي حصل.
كان شايفني من خلال الكاميرات.
ومن اليوم ده، إطعام نوال بقى جزء من روتيني.
كنت بسرّح شعرها الأبيض الخفيف، وأمسح الأكل من على دقنها، وأقعد أحكيلها عن الزحمة في القاهرة، وأشتكيلها من أسعار الأكل اللي بقت نار، وأحكيلها عن الأتوبيسات اللي بتتأخر بالساعات.
كنت بتعامل معاها كأنها جدتي.
وفي نفس الوقت، آسر كان مستني اللحظة اللي أمسك فيها حاجة من حاجات القصر وأسرقها.
لكني ما عملتش كده.
ولا مرة.
في اليوم الرابع، آسر أمر رئيس الأمن إنه يعمل تحريات كاملة عني.
وساعتها اكتشفوا الجزء من حياتي اللي كنت بموت من الخوف حد يعرفه.
أختي الصغيرة كانت بتحارب سرطان الدم لمدة تلات سنين.
تلات سنين كاملة من المستشفيات، والتحاليل، والعلاج، والأمل، والخوف.
لكن من تمانية شهور، ماتت.
والعلاجات اللي حاولنا نجيبها علشان ننقذها سابتني غرقانة في فواتير علاج وديون، وإنذارات من شركات التحصيل، وقروض أخدتها بفوايد مرعبة.
كنت بنضف قصر آسر طول الأسبوع.
وفي الويك إند كنت بشتغل ورديات في مطعم صغير علشان أقدر أسدد اللي عليّا.
كنت محتاجة الفلوس جدًا.
لكن احتياجي للفلوس عمره ما خلاني أمد إيدي على حاجة مش بتاعتي.
وبعدين جه اليوم السادس.
اليوم اللي كل حاجة فيه اتغيرت.
كانت نوال بتمر بواحدة من أسوأ نوباتها.
صرخت فجأة، وزقت الترابيزة، وإبريق إزاز وقع واتكسر على الأرض، وقطعة من الإزاز خبطت الحيطة جنبها.
الممرضات وقفوا بره الأوضة.
كانوا خايفين يدخلوا.
لكن أول ما سمعت صوت نوال وهي بتصرخ، جريت عليها من غير ما أفكر.
دخلت الأوضة وقلت
نوال... بصيلي.
لكنها كانت مرعوبة.
وفجأة، ساعة نحاس كبيرة طارت ناحيتي.
اتحركت بسرعة، فالساعة عدت من جنبي بسنتيمترات.
وقعت على الأرض جنبها.
ومن غير ما أخد بالي، كف إيدي نزل فوق قطعة إزاز مكسورة.
الألم كان شديد لدرجة إني شهقت.
الدم بدأ ينزل من إيدي.
لكن لما بصيت في عينيها، نسيت الجرح.
قربت منها وقلت بهدوء
حكايات_شروق_خالد
الدنيا دوشة في دماغك النهارده، صح؟
بس إنتِ في أمان.
محدش هيقرب منك.
وأنا مش هسيبك.
نَفَسها بدأ يهدى واحدة واحدة.
وبعدين نوال انهارت وفضلت تعيط.
وأنا فضلت والدم بينزل من كف إيدي.
بعدها، لفيت إيدي بمناديل ورق وحاولت أثبتها باستيك مطاط.
ما كانش عندي وقت أروح مستشفى.
ولا كان ينفع أخسر يوم شغل.
جرح في إيدي كان أهون بكتير من إني أخسر الفلوس اللي محتاجاها علشان أعيش.
لكن في مكان ما تحت القصر...
كان آسر الجبالي بيتفرج على كل حاجة.
كان شايف الدم.
وشايف إني ما اهتمتش بنفسي.
وشايف الطريقة اللي بيها أمه.
وفي اليوم السابع...
واضح إن المشاهدة ما بقتش كفاية بالنسبة له.
كنت قاعدة جنب نوال، وهي ماسكة إيدي السليمة، وأنا بحكيلها عن عربيتي اللي كانت عطلانة.
ضحكت وقلت
الميكانيكي قالي الدينامو هو اللي بايظ.
أنا على كده هتعلم أصلح العربية بنفسي.
نوال ما ردتش.
لكن إيدها فضلت ماسكة إيدي.
وفجأة...
لقيت ظل طويل واقف عند الباب.
سكت.
إيدي اتجمدت.
نوال شدت على صوابعي.
الباب اتفتح ببطء.
ورفعِت عيني...
لقيت آسر الجبالي واقف قدامي.
لابس بدلة سودا، وملامحه جامدة، وتحت الجاكت كان باين شكل المسدس اللي شايله.
عينه نزلت على وشي.
وبعدين على إيدي الملفوفة بالمناديل.
محدش فينا اتكلم.
آسر دخل الأوضة بهدوء.
قفل الباب وراه.
ولف المفتاح في القفل.
وبعدين رفع عيني وبصلي مباشرة.
وقال بصوت هادي خلاني أحس بقشعريرة
تمانية أيام.
بلعت ريقي.
كمل
أنا كنت بتفرج عليكي بقالِي تمانية أيام.
قلبي وقع.
لأول مرة فهمت إن الراجل اللي كل الناس في القاهرة بتخاف منه...
كان عارف عني أكتر بكتير مما أنا كنت أعرف عنه.
وكان واضح إن خروجه من غرفة المراقبة ما كانش علشان يسألني عن الجرح.
كان جاي علشان يواجهني في حاجة أخطر بكتير.
حاجة أنا نفسي ما كنتش أعرف إنها حصلت.
بصيت له وأنا مش فاهمة.
كنت بتتفرج عليّا ليه؟
آسر ما ردش فورًا.
فضل واقف مكانه، وعينه ثابتة على إيدي الملفوفة.
وبعدين قال
مين قالك إن الجرح ده بسيط؟
بصيت لإيدي وقلت
جرح وخلاص.
ابتسم ابتسامة قصيرة، بس ما كانش فيها أي فرحة.
لو كان جرح وخلاص، مكنتيش فضلتي تنزفي ست ساعات.
اتجمدت مكاني.
أنا فعلًا كنت فاكرة إن محدش شافني.
ولا حتى الممرضة اللي دخلت بعدها وغيرت الملاية.
رفعت عيني له.
إنت كنت بتراقبني حتى وأنا لوحدي؟
قال بهدوء
كنت براقب القصر كله.
وده فرق؟
سكت.
وبعدين قرب خطوة.
بالنسبة لي... كان فيه فرق.
نوال فجأة بدأت تتحرك في السرير.
آسر لف ناحيتها، ولأول مرة شفت حاجة غريبة في عينيه.
الخوف.
مش خوف على نفسه.
خوف عليها.
قرب من أمه، لكن نوال أول ما شافته مدت إيدها ناحيتي.
هي...
صوتها خرج ضعيف ومتقطع.
آسر وقف مكانه.
بصلي.
وبعدين بص لأمه.
هي عايزاكي.
قربت من السرير، ومسكت إيد نوال.
فهدأت فورًا.
آسر فضل واقف ورايا ثواني.
ثم قال
عارفة ليه طلبت من الأمن يعمل تحريات عنك؟
هزيت راسي بالنفي.
علشان كنت مستنيكي تغلطي.
ضحكت بسخرية.
واضح إني خيبت ظنك.
رد فورًا
أكتر مما تتخيلي.
وبعدين حط ظرف بني على الترابيزة.
ده حسابك عن الأيام اللي فاتت.
بصيت للظرف، لكني ما مدتش إيدي.
أنا آخد أجري من الشركة.
افتحيه.
فتحت الظرف.
جوا كان فيه مبلغ أكبر بكتير من مرتبي.
شهقت
ده غلط.
مش غلط.
أنا ما اشتغلتش بالسعر ده.
أنا عارف.
رفعت عيني له.
يبقى ليه؟
قال
ثمن حاجة عملتيها محدش طلبها منك.
إيه؟
بص على أمه.
خليتيها تحس إنها لسه بني آدمة.
سكت.
لكن قبل ما أقدر أرد، موبايل آسر رن.
بص للشاشة.
وتغيرت ملامحه في ثانية.
خرج من الأوضة وقفل الباب وراه.
أنا فضلت مكاني.
ثواني...
وبعدين سمعت صوته من بره، منخفض لكنه حاد
متأكد؟
سكت.
إمتى حصل ده؟
صمت أطول.
وبعدين قال
محدش يلمس حاجة.
قلبي بدأ يدق أسرع.
لما رجع، كان وشه مختلف تمامًا.
وقف قدامي وقال
إنتِ كنتِ في أوضة 104 لوحدك يوم الخميس الساعة 1140؟
قلت
آه.
ولقيتي حاجة غريبة؟
افتكرت اليوم.
افتكرت إني وأنا بنضف تحت السرير لقيت ظرف صغير واقع.
لكن وقتها كنت رميته فوق الترابيزة ومشيت.
قلت
أيوه... لقيت ظرف.
وشه اتجمد.
فينه؟
كان على الترابيزة.
وبعدين؟
مش عارفة.
آسر قرب مني.
فكري كويس.
حاولت أفتكر.
وفجأة افتكرت حاجة.
الممرضة.
الممرضة اللي دخلت بعدها مباشرة.
لكن قبل ما أتكلم...
سمعنا صوت ارتطام قوي بره الأوضة.
آسر اتحرك فورًا ناحية الباب.
فتح القفل.
وقبل ما يخرج، بصلي وقال
خليكي هنا.
لكن في اللحظة دي، نوال مسكت إيدي بقوة.
وبصت ناحية الباب.
وبصوت واضح بشكل مخيف بالنسبة لست عندها زهايمر، قالت
ما تروحش وراه...
آسر وقف.
لف ببطء.
مين؟
نوال بدأت ترتعش.
وبصت له مباشرة وقالت
اللي قتل أبوك.
الصمت اللي نزل على الأوضة كان أثقل من أي صرخة.
آسر ما اتحركش.
وأنا لأول مرة شفت أخطر رجل في القاهرة...
وشه شاحب.
وكأنه سمع اسم شخص كان متأكد إنه مات من سنين آسر فضل واقف مكانه كأنه اتحول لتمثال.
نوال كانت بتبص له، وعينيها فيها خوف غريب.
اللي قتل أبوك...
كرر كلامها بصوت منخفض
إنتِ متأكدة؟
نوال بدأت تتنفس بسرعة، وكأن ذكرى قديمة رجعت فجأة لعقلها.
مد إيده ناحية كتفها.
لكنها بعدت عنه.
ما تثقش فيه...
آسر اتجمد.
مين؟
نوال حطت إيدها على ودنها وبدأت تهز راسها بعنف.
هو هييجي... هو هييجي يا آسر.
أنا كنت واقفة مش فاهمة حاجة.
لكن آسر فجأة بصلي وقال
إنتِ سمعتي الكلام ده قبل كده؟
لأ.
متأكدة؟
أيوه.
سكت لحظة، وبعدين أخرج موبايله واتصل بحد.
اقفلوا البوابة الرئيسية.
صوته كان هادي، لكن الأمر واضح إنه مش قابل للنقاش.
ومتخرجش أي عربية من القصر.
قفل المكالمة.
سألته
فيه إيه؟
بصلي نظرة طويلة.
الظرف اللي لقيتيه يوم الخميس... مش كان واقع بالصدفة.
قلبي بدأ يدق.
يعني إيه؟
كان متساب علشان حد يلاقيه.
وأنا؟
إنتِ الوحيدة اللي لقيتيه.
حسيت برجفة في جسمي.
بس أنا ما فتحتهوش.
آسر قرب مني.
عارف.
طب مين فتحه؟
قبل ما يرد...
خبطات قوية اتسمعت على الباب.
ثلاث خبطات.
آسر رفع إيده.
سكتنا.
الخبطات اتكررت.
لكن المرة دي كان فيه صوت ورا الباب.
صوت راجل بيقول
يا فندم... لازم تشوف ده.
آسر فتح الباب.
رجل من الأمن كان واقف ووشه متوتر.
مد إيده بقطعة قماش صغيرة.
لقينا دي جنب السلم الخلفي.
آسر أخذها.
بص عليها ثانيتين.
وبعدين عينه اتغيرت.
سأل
لقيتوها فين بالظبط؟
جنب الباب المؤدي للقبو.
آسر قبض على القماش في إيده.
وبصلي.
أنا ما فهمتش.
إيه ده؟
ما ردش.
لكن نوال أول ما شافت القماش بدأت تصرخ.
لا!
آسر جري ناحيتها.
ماما!
نوال كانت بتبص للقماش وكأنها شافت شبح.
وأشارت ناحية آسر وهي بتقول
كان لابسها...
مين؟
أبوك...
سكت آسر.
ثم قال
أبويا مات من عشرين سنة.
نوال هزت راسها.
مش هو...
وبصت ناحية باب القبو.
اللي كان معاه.
آسر وقف فجأة.
وفي اللحظة دي، كل أنوار القصر انطفت.
صرخة واحدة خرجت من نوال.
والحراس بدأوا يجروا في الممرات.
أما أنا...
فحسيت بإيد قوية شدتني من ورا.
وقبل ما أقدر أصرخ، سمعت صوتًا منخفضًا جنب ودني
لو عايزة تعرفي الحقيقة عن أختك... تعالي معايا.
اتجمد الدم في عروقي.
لأن الشخص اللي قال الجملة...
كان عارف اسم أختي.
وعارف إنها ماتت.
وعارف حاجة عن آخر أيامها محدش في القصر المفروض يعرفها اتجمدت مكاني.
الإيد اللي شدتني من ورا كانت قوية، لكن الصوت كان أهدى من اللازم.
لو عايزة تعرفي الحقيقة عن أختك... تعالي.
حاولت ألف، لكن الشخص شدني ناحية الممر.
وفجأة...
نور الطوارئ اشتغل.
لفيت بسرعة.
مفيش حد.
الإيد اختفت.
فضلت واقفة وأنا بحاول أستوعب اللي حصل.
وفي نفس اللحظة، سمعت صوت آسر من آخر الممر
إنتِ!
جري ناحيتي.
مسكني من كتفي وبص ورايا.
مين كان هنا؟
معرفش.
حد لمسِك؟
هزيت راسي.
آسر بص للممر، وبعدها نزل بعينه للأرض.
كان فيه أثر تراب واضح على البلاط.
اتحنى وبص عليه.
وبعدين قال
دخل من القبو.
قلبي وقع.
يعني إيه؟
ما ردش.
مسك إيدي وسحبني بعيد عن باب القبو.
من اللحظة دي، متتحركيش لوحدك.
بس إنت لسه كنت بتراقبني.
وقف وبصلي.
دلوقتي أنا مش واثق إن الكاميرات كفاية.
لأول مرة، صوته كان فيه توتر حقيقي.
رجعنا لأوضة نوال.
كانت لسه قاعدة على السرير، لكن أول ما شافت آسر قالت
البنت...
آسر قرب منها.
مالها؟
نوال أشارت ناحيتي.
هي عارفة.
آسر بصلي.
عارفة إيه؟
أنا نفسي ما كنتش عارفة.
لكن نوال بدأت تبكي.
أختها... ما ماتتش بسبب المرض.
الصمت ضرب الأوضة.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
إيه؟
آسر بص لنوال بصدمة.
ماما، إنتِ بتقولي إيه؟
نوال حطت إيدها على راسها.
كان فيه ملف...
ملف إيه؟
ملف المستشفى...
وبعدين بدأت تتلخبط في الكلام.
آسر مسك موبايله واتصل بمدير الأمن.
هاتلي كل ملفات المستشفى اللي اتبعتت للقصر من خمس سنين.
أنا قربت منه.
ليه للقصر؟
آسر سكت.
وبعدين قال
لأن أبويا كان بيمول المستشفى اللي كانت أختك بتتعالج فيها.
حسيت إن نفسي انقطع.
إنت بتقول إيه؟
بقول إن اسم عيلتي موجود في الملفات.
قبل ما أقدر أتكلم، دخل واحد من الحراس بسرعة.
يا فندم...
آسر لف له.
قول.
الحارس بلع ريقه.
لقينا غرفة المراقبة السرية مفتوحة.
آسر اتغير وشه.
مستحيل.
وفيه حاجة تانية.
إيه؟
الحارس مد له جهاز صغير.
آخر تسجيل اتشغل لوحده.
آسر أخده.
شغل التسجيل.
وشاشة الجهاز أظهرت صورة من كاميرا أوضة 104.
أنا.
ونوال.
لكن التسجيل ما كانش من النهارده.
كان من يوم وفاة أختي.
وبينما أنا واقفة بتبص للشاشة...
ظهر شخص في خلفية التسجيل.
شخص واقف عند باب أوضة نوال.
آسر قرب من الشاشة.
وشه شحب.
لأنه عرف الشخص فورًا.
وقال كلمة واحدة
مستحيل...
أما أنا...
فلما ركزت في ملامح الشخص، حسيت إن قلبي وقف.
لأني أنا كمان كنت أعرفه.
وكان آخر شخص توقعت أشوفه في قصر آسر الجبالي بصيت للشاشة تاني.
الصورة كانت واضحة أكتر.
الراجل واقف عند باب أوضة نوال، لابس جاكت غامق، ووشه ظاهر نصه بس.
آسر قرب من الشاشة، وقال بصوت متقطع
ده عادل...
بصيت له.
مين عادل؟
ما ردش.
كان مركز في الصورة كأنه بيحاول يستوعب حاجة مستحيل تحصل.
عادل كان إيه بالنسبة لكم؟
قال أخيرًا
كان أقرب شخص لأبويا.
سكت لحظة.
وكان موجود ليلة موته.
حسيت بقشعريرة.
وبعدين؟
اختفى.
الحارس اللي واقف جنبنا قال
بس يا فندم، الصورة دي متسجلة من عشر سنين.
آسر لف له بسرعة.
عشر سنين؟
أيوه.
الكاميرات دي كانت شغالة وقتها؟
النظام القديم كان شغال، بس التسجيلات كلها اتمسحت من السيرفر.
آسر بص للشاشة.
إذن مين رجّع التسجيل ده؟
محدش رد.
وفجأة الجهاز أصدر صوتًا.
ظهر تسجيل جديد.
المرة دي ما كانش فيه فيديو.
كان فيه ملف نصي واحد.
آسر فتحه.
وأول سطر ظهر قدامنا
لو وصلت للملف ده، يبقى نوال بدأت تفتكر.
آسر وقف مكانه.
وأنا قربت من الشاشة.
السطر اللي بعده خلاني أحس إن الأرض بتتحرك تحت رجلي
والبنت اللي كانت بتتعالج في مستشفى الرحمة كانت جزء من الحقيقة.
شهقت.
أختي...
آسر بصلي.
اسمها إيه؟
قلت اسمها.
فضل ساكت.
وبعدين ظهرت جملة جديدة على الشاشة
ما كانتش مريضة لوحدها.
قلبي انقبض.
يعني إيه؟
آسر ما ردش.
ظهرت جملة تانية
التقارير اتغيرت.
وبعدين
والشخص اللي دفع علشان التقارير تتغير... موجود داخل القصر حتى الآن.
رفعنا عينينا في نفس اللحظة.
أنا وآسر بصينا لبعض.
ثم بصينا للحارس.
ثم لباب الأوضة.
كان فيه صوت خطوات جاية من الممر.
خطوة...
خطوة...
خطوة...
آسر أشار للحارس يسكت.
الخطوات وقفت عند الباب.
مقبض الباب اتحرك ببطء.
آسر حط إيده على سلاحه.
الباب اتفتح.
وظهرت واحدة من الممرضات.
كانت بتبص لنا ببراءة مصطنعة.
قالت
آسفة يا فندم... نوال محتاجة الدواء.
آسر فضل ساكت.
وبعدين قال
ادخلي.
دخلت.
لكن أول ما قربت من السرير، نوال فتحت عينيها.
وبصت للممرضة.
وفجأة صرخت بأعلى صوت عندها
إنتِ!
الممرضة اتجمدت.
نوال بدأت تشير عليها بإيد مرتعشة.
إنتِ اللي خدتي الملف!
الممرضة وشها اتغير.
آسر اتحرك خطوة للأمام.
أي ملف؟
الممرضة رجعت لورا.
أنا مش فاهمة.
نوال كانت بتبكي.
إنتِ كنتِ هناك... يوم البنت الصغيرة...
بصيت