ابنى اتوفى
يمكن دي تكون أحسن نهاية ليا.
وبعدها قال جملة خلتني أبكي بشدة
ما تدفنش حياتك معايا يا بابا.
انتهى التسجيل.
فضلت ماسك الموبايل وقت طويل.
ولأول مرة من يوم وفاة عمر، فتحت شباك البيت.
دخلت الشمس.
وبصيت لصورة ابني وقلت
حاضر يا عمر.
هكمل حياتي.
وهفضل أدعيلك.
لكن قبل ما أقوم من مكاني...
وصلتني رسالة من رقم مجهول.
فتحتها.
كانت جملة واحدة
دلوقتي بس أقدر أقول لك الحقيقة الأخيرة... عمر أنقذ ابني، وأنا كنت الشخص اللي أخفى الدليل عنك.
وتحت الجملة...
كان اسم الشخص.
الطبيب الذي كتب تقرير وفاة عمر نكمل من لحظة ما الدكتور كشف إن عمر كان بيدور على سر أخطر من حادث وفاته.
بصيت للدكتور وأنا مش قادر أستوعب.
قلت
أخطر من حادث عمر؟! اتكلم يا دكتور... أنا استحملت كتير.
حط الورقة على الترابيزة وقال
عمر اكتشف إن تقرير وفاة والدته فيه خطأ متعمد.
حسيت إن الأرض بتتحرك تحت رجلي.
يعني إيه خطأ متعمد؟
قال
فيه نتيجة تحليل اتغيرت بعد وفاة والدتك. النتيجة الأصلية كانت بتشير لحاجة مختلفة تمامًا عن السبب اللي اتكتب في التقرير النهائي.
قلت
مين غيرها؟
الدكتور سكت.
مين؟
قال
مش عارف.
ثم أضاف
لكن عمر كان قريب جدًا من معرفة الحقيقة.
فتحت الورقة.
كانت نتيجة تحليل قديمة، وتحتها توقيع طبيب آخر.
بصيت للتوقيع.
ما عرفتش الاسم.
لكن الدكتور قال
الطبيب ده سافر من البلد من سنين.
قلت
وفين هو دلوقتي؟
قال
آخر عنوان ليه كان موجود في مدينة ساحلية.
أختي قالت
يعني عمر كان بيدور عليه قبل ما يموت؟
الدكتور هز رأسه.
أيوه.
ثم أخرج ورقة أخرى.
دي آخر ملاحظة كتبها عمر عندي.
قرأتها
لو حصل لي حاجة، أوصلوا الورقة دي لأبويا. أنا اكتشفت إن وفاة أمي وعلاقتي بالموضوع أكبر مما كنت فاكر.
بصيت لأختي.
قالت
عمر كان عايز يقول لنا إيه؟
الدكتور رد
كان عايز يعرف إذا كان موت والدته طبيعي فعلًا.
سكتنا جميعًا.
بعدها بساعات، بدأت أبحث عن الطبيب القديم.
وبعد مشوار طويل، وصلنا لعنوانه.
كان رجلًا مسنًا يعيش وحده.
أول ما شافني، عرفني.
قال
أنت عبد السميع... أبو عمر.
قلت
أيوه.
وشه اتغير.
عمر وصل لك؟
قلت
عمر مات.
نزل رأسه.
وقال
كنت خايف إن اليوم ده ييجي.
دخلنا.
جلس أمامنا فترة طويلة من غير كلام.
ثم قال
أنا ما أذيتش والدتك.
قلت
أنا ما اتهمتكش. أنا عايز أعرف الحقيقة.
قال
الحقيقة إن والدتك كانت مريضة فعلًا، لكن فيه دواء اتصرف لها بالخطأ في آخر أيامها.
اتصدمت.
دواء؟
أيوه. وكان لازم الخطأ ده يتسجل في الملف.
قلت
مين اللي صرفه؟
قال
موظف في المستشفى.
ثم سكت.
وعمر اكتشف إن الموظف ده كان مرتبطًا بشخص آخر كان عمر بيدور عليه.
سألته
مين؟
الرجل رفع عيني لي وقال
نفس الشخص اللي ظهر في قضية الحادث.
سكتُّ تمامًا.
فجأة بدأت كل الخيوط تتجمع.
قضية أمي.
بحث عمر.
حادث عمر.
والرجل الغامض.
لكن الطبيب قال
فيه حاجة أهم.
قلت
إيه؟
قال
عمر ما كانش بيدور عشان ينتقم.
كان بيدور عشان يثبت إن الخطأ اللي حصل لأمه ما يتكرر مع حد تاني.
سكت لحظة ثم قال
وعشان كده كان عنده ملف كامل.
سألته
الملف فين؟
ابتسم بحزن.
عمر خباه في مكان محدش يتوقعه.
قلت
فين؟
أشار إلى ورقة قديمة على المكتب.
وقال
في المكان اللي كان عمر بيعتبره أكتر مكان آمن في حياته.
رجعت البيت وأنا بحاول أفكر.
مكان آمن...
مكان عمر كان بيحبه...
وفجأة افتكرت.
مكتبة والده القديمة.
جريت ناحية المكتبة.
بدأت أفتش بين الكتب.
لحد ما لقيت كتابًا قديمًا عمره سنين.
فتحته.
في الصفحة الأخيرة كان فيه ظرف صغير.
فتحت الظرف.
وكان بداخله ملف كامل.
وفي أول صفحة مكتوب
بابا، لو وصلت للملف ده، يبقى أنت أخيرًا عرفت ليه كنت بقول لك ما تثقش في أي حد.
قلبت الصفحة.
وكانت هناك صورة.
صورة عمر مع رجل لم أره من قبل.
وتحت الصورة جملة واحدة
ده الشخص الوحيد اللي يعرف الحقيقة كاملة... وهو مش عايش.
وقتها فهمت إن القصة لسه ما خلصتش.
لأن الشخص اللي كان عمر بيعتبره مفتاح كل الأسرار...
كان قد مات قبل عمر بسنوات.
والسؤال أصبح
إزاي عمر كان بيتواصل مع شخص ميت؟فضلت واقف قدام الورقة ومش قادر أكمل القراءة.
اسم عمر كان مكتوب في أول السطر.
وتحته
السبب الحقيقي الذي جعل عمر يخفي كل شيء عن والده...
أخدت نفس طويل وبدأت أقرأ.
بابا...
أنا ما خبيتش عليك عشان مش واثق فيك.
أنا خبيت عليك لأنني عارفك.
عارف إنك لو عرفت إن فيه خطر، هتسيب كل حاجة وتجري ورايا.
وعارف إنك ممكن تدخل نفسك في مشكلة عشان تنقذني.
وأنا ما كنتش عايز أخسرك.
لكن فيه حاجة لازم تعرفها.
أنا ما كنتش ببحث عن الفلوس ولا عن الأشخاص اللي ورا الموضوع.
أنا كنت بدور على شخص اختفى من سنين.
وقفت.
بصيت لأختي.
قالت
شخص مين؟
رجعت أكمل.
الشخص ده كان آخر واحد شاف أمي قبل وفاتها.
إيدي وقعت من شدة الصدمة.
أمي؟
قصدي زوجتي.
الست اللي ماتت من سنين بعد تعب طويل.
عمري ما شكيت في سبب وفاتها.
كنت فاكر إن المرض هو اللي أخذها.
كملت القراءة
قبل وفاة أمي بأيام، سمعتها بتتكلم مع شخص في التليفون.
ما فهمتش الكلام كله وأنا صغير، لكني كبرت وبدأت أفتكر التفاصيل.
وبعد سنوات، اكتشفت إن الشخص ده كان مرتبطًا بالموضوع اللي كنت أبحث عنه.
رفعت عيني لأختي.
قالت
عمر كان يعرف حاجة عن وفاة ماما؟
قلت
واضح إنه كان شاكك.
في آخر الورقة كان فيه عنوان.
وتحته جملة
الشخص الموجود في العنوان ده يعرف الحقيقة.
خرجنا من المخزن فورًا.
العنوان كان في منطقة قديمة، وعلى بُعد ساعات من قريتنا.
وصلنا هناك في اليوم التالي.
سألنا عن البيت.
رجل كبير في السن قال لنا
البيت ده مقفول من سنين.
قلت
كان ساكن فيه مين؟
قال
راجل اسمه سامي.
الاسم كان موجود في أوراق عمر.
طرقنا الباب.
ما حدش رد.
وبعد دقائق، ظهر رجل عجوز من البيت المجاور.
قال
سامي مات من خمس سنين.
سألته
كان عايش لوحده؟
قال
أيوه.
ثم سكت فجأة وقال
بس قبل ما يموت، سلّمني ظرف وقال لي لو جه حد يسأل عن عمر، أديهوله.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
أخرج الظرف.
كان مكتوب عليه
إلى عبد السميع.
فتحته.
كانت فيه صورة قديمة تجمعني أنا وزوجتي وعمر وهو طفل صغير.
لكن خلف الصورة كان مكتوب
الحقيقة لم تبدأ يوم مات عمر... الحقيقة بدأت قبل ذلك بسنوات.
وتحتها عنوان آخر.
وفي أسفل الورقة
اذهب إلى المكان الذي بدأت منه الحكاية.
بصيت لأختي.
قالت
المكان ده فين؟
بصيت للصورة.
وفجأة لاحظت خلفنا مبنى قديم ظاهر في الصورة.
عرفته فورًا.
كان المستشفى القديم اللي اتولدت فيه بنتي، واللي كانت زوجتي بتتعالج فيه قبل وفاتها.
قلت
لازم نروح هناك.
وصلنا للمستشفى القديم.
المبنى كان مهجورًا تقريبًا.
دخلنا غرفة الأرشيف بمساعدة موظف قديم كان يعرف زوجتي.
بحثنا طويلًا.
لحد ما لقينا ملفًا قديمًا.
ملف باسم زوجتي.
فتحت أول صفحة.
كلها كانت تقارير طبية عادية.
لكن في آخر الملف كان فيه تقرير مختلف.
تقرير لم أره من قبل.
قرأت السطر الأول...
واتسمرت مكاني.
لأن التقرير كان بيقول إن سبب وفاة زوجتي لم يكن المرض وحده.
كان فيه تفصيل طبي مهم تم تجاهله.
بصيت لأختي وقلت
يعني عمر كان بيدور على إيه؟
قبل ما تكمل كلامها، سمعنا صوت موظف قديم من خلفنا
عمر كان عايز يعرف الحقيقة دي من سنين.
التفتنا.
كان رجل مسن واقف عند الباب.
قال
وأنا كنت آخر شخص اتكلم معاه قبل الحادث.
سألته
إنت مين؟
قال
أنا الدكتور اللي كتب التقرير الأول لوالدتك...
ثم نظر لي في عيني وقال
وأنا اللي طلبت من عمر ما يكملش البحث.
سألته
ليه؟
تنهد وقال
لأن الحقيقة اللي كان بيدور عليها عمر...
ثم أخرج ورقة من جيبه.
كانت أخطر من كل اللي اكتشفه عن الحادث فضلت واقف قدام الصورة ومش فاهم.
وهو مش عايش.
إزاي عمر كان بيتواصل مع شخص ميت؟
قعدت أراجع كل الأوراق من البداية.
وفجأة فهمت.
الشخص اللي في الصورة لم يكن بيتواصل معه عمر بعد وفاته.
الصورة كانت قديمة جدًا، والرجل كان والد يوسف.
والد يوسف كان قد مات قبل سنوات، لكنه كان قد ترك وراءه ملفًا كاملًا عن القضية.
عمر وصل للملف عن طريق ابنه يوسف.
وهنا اكتملت الصورة.
والد يوسف كان قد اكتشف المخالفات القديمة المتعلقة بالمستشفى والأدوية، وحاول كشفها، لكنه لم يستطع.
عمر وجد أوراقه، وبدأ يكمل ما بدأه.
لم يكن يريد الانتقام من أحد.
كان يريد فقط أن يعرف الحقيقة.
والحقيقة الأخيرة كانت أن وفاة أمي لم تكن جريمة قتل، لكنها كانت نتيجة خطأ طبي تم إخفاؤه خوفًا من الفضيحة والمسؤولية.
أما حادث عمر، فكان منفصلًا عن ذلك في بدايته، لكنه تشابك مع القضية لأن عمر كان قد اكتشف الأشخاص الذين حاولوا إخفاء الأدلة.
وبعد تقديم كل المستندات للجهات المختصة، ظهرت الحقيقة كاملة، وتمت محاسبة كل من ثبت تورطه في إخفاء الأدلة والتلاعب بالمستندات.
أما الرجل الذي تسبب في حادث عمر، فصدر بحقه الحكم بعد ثبوت الأدلة.
لكن أكثر شيء بقي في قلبي لم يكن الحكم.
كان آخر تسجيل لعمر.
رجعت البيت في ليلة هادئة.
فتحت التسجيل مرة أخرى.
سمعت صوته
بابا... لو وصلت للنهاية، متزعلش مني.
سكت لحظة.
ثم قال
أنا عارف إنك هتفتكر إنك فقدت ابنك، لكن أنا كنت عايزك تعرف إن عمري ما ضاع.
أنا ساعدت إنسان كان محتاجني.
وكشفت حقيقة كانت ممكن تضر ناس كتير.
وأهم حاجة... ما تخليش موتي ياخد منك باقي عمرك.
انتهى التسجيل.
قعدت وقت طويل أبكي.
لكن المرة دي كان بكاء مختلف.
بكاء أب فقد ابنه، لكنه أخيرًا عرف أن ابنه رحل وهو ثابت على مبادئه.
بعدها بأيام، رحت قبر عمر.
وقفت قدامه وقلت
سامحني يا ابني.
فضلت أدور عليك في القبر، وأنا ما كنتش فاهم إنك كنت سايب لي طريق أمشي فيه.
حطيت إيدي على التراب وقلت
ارتاح يا عمر... الحقيقة ظهرت.
رجعت البيت.
ولأول مرة من يوم وفاته، نمت من غير خوف.
وفي منتصف الليل، شفت عمر في المنام.
كان واقف بعيد، هادي، ووشه مطمئن.
ما قالش خرجني من هنا.
ولا طلب مني أي حاجة.
قال جملة واحدة
أنا بخير يا بابا... كمل حياتك.
صحيت من النوم، ودموعي على وشي.
فتحت الشباك.
دخل نور الصبح.
وبصيت لصورة عمر وقلت
حاضر يا ابني.
ومن اليوم ده، بدأت أعيش.
مش عشان أنساه...
لكن عشان أعيش بالطريقة اللي كان نفسه يشوفني بيها.
وعرفت إن أصعب شيء في فقدان شخص بتحبه مش إنك تدفنه...
لكن إنك تتعلم تكمل حياتك وهو مش موجود.
أما عمر...
فما خرجش من حياتي.
هو بس خرج من البيت...
وسكن في قلبي للأبد.
النهاية.