ابنى اتوفى
أنا مش خايف على نفسي... أنا خايف على بابا.
اتجمدت.
ابني كان خايف عليّ.
كملت القراءة
لو حصل لي حاجة، لازم بابا يعرف إن الحادث مش زي ما هيقولوا له.
وقفت عند الجملة دي.
صرخت
يعني إيه مش زي ما هيقولوا له؟!
أخويا سكت.
في نفس اللحظة، سمعت صوت خبط على باب البيت.
خبطتين.
وبعدين سكت.
قربت من الباب وبصيت من العين السحرية.
مفيش حد.
فتحت الباب بحذر.
لقيت ظرف أبيض واقع على الأرض.
رفعته.
مفيش عليه اسم ولا عنوان.
فتحته.
كان جواه مفتاح عربية، ومعاه ورقة صغيرة
المفتاح ده كان مع عمر يوم الحادث.
بصيت للمفتاح.
كان عليه رقم لوحة عربية.
اتصلنا بصاحب العربية اللي ظهر رقمه على المفتاح عن طريق بيانات الحادث.
المفاجأة إن العربية كانت موجودة في مكان الحادث فعلًا.
لكنها لم تكن السيارة التي صدمت عمر.
كانت عربية شخص وقف بعد الحادث وشاف كل حاجة.
تاني يوم، روحنا للرجل ده.
كان متردد في الكلام، وكل ما أسأله يقول
أنا ماليش دعوة.
قلت له
أنا مش جاي أتهمك. أنا عايز أعرف ابني مات إزاي.
فضل ساكت فترة طويلة.
وبعدين قال
ابنك قبل الحادث بدقايق كان بيجري ناحية الطريق.
قلت
مستحيل... التقرير قال إنه كان واقف مستني المواصلات.
هز رأسه وقال
ده اللي اتقال.
قلت
وإنت شفت إيه؟
تنهد وقال
شفت عمر بيحاول يوقف العربية اللي خبطته.
سألته
ليه؟
بص لي في عيني وقال
لأنه كان بيحاول ينقذ شخص تاني.
سكتُّ تمامًا.
قال
كان فيه شاب صغير واقف في الطريق، وعربية كانت داخلة عليه بسرعة. عمر جرى وشده بعيد... لكن هو نفسه اتخبط.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
ابني مات وهو بينقذ إنسان.
لكن السؤال الأكبر كان
مين الشخص اللي كان عمر بيحاول ينقذه؟
الرجل طلع موبايله القديم، ووراني صورة التقطها بالصدفة قبل الحادث بثواني.
الصورة كانت مهزوزة.
لكن ظهر فيها عمر...
وشاب صغير واقف جنبه.
والأغرب...
إن الشاب كان هو نفسه الشخص اللي ظهر في الكراسة.
الشخص اللي عمر كان بيحاول يعرف حقيقته.
قلت
مين ده؟
الرجل رد
معرفش اسمه.
وبعدين سكت لحظة وقال
بس بعد الحادث، شوفته بيركب عربية الرجل اللي كان بيهرب من المقابر.
رجعت البيت وأنا دماغي مليانة أسئلة.
فتحت الفلاشة اللي تركها عمر.
كان عليها ملف فيديو واحد فقط.
ضغطت تشغيل.
ظهر عمر قدام الكاميرا.
كان بيتكلم بهدوء، لكنه كان واضح عليه القلق.
قال
بابا... لو إنت بتشوف الفيديو ده، يبقى أنا غالبًا مش موجود.
دموعي نزلت غصب عني.
كمل
بس أوعدني إنك ما تلومش نفسك.
ثم قرب من الكاميرا وقال
واللي هقوله دلوقتي مهم جدًا...
سكت لحظة.
وبعدين قال
أنا ما كنتش بحاول أهرب من حد... أنا كنت بحاول أحمي شخص، ولو الشخص ده عرف إنك وصلت للحقيقة، حياتك ممكن تتغير للأبد.
الفيديو توقف.
وفي اللحظة نفسها...
وصلتني رسالة جديدة من نفس الرقم المجهول
دلوقتي عرفت ليه ابنك كان بيقول لك خرجني من هنا.
وبعدها وصلت رسالة ثانية
لأن السر الحقيقي... مدفون في مكان تاني لكن الحكاية ما انتهتش عند القبض على حمدي.
بعد أسبوع، وأنا راجع من النيابة، لقيت أخويا مستنيني قدام البيت ووشه متغير.
قلت له
في إيه؟
قال
فيه حاجة لازم تعرفها.
دخلنا البيت، وقفل الباب.
طلع من جيبه ظرف بني قديم.
الظرف ده وصلني النهارده، ومكتوب عليه اسمك.
فتحته بسرعة.
كان جواه خطاب بخط عمر.
لكن الغريب إن الخطاب كان بتاريخ بعد يوم الحادث.
اتجمدت مكاني.
قلت
إزاي؟ عمر مات قبل التاريخ ده!
أخويا قال
عشان كده لازم تقراه.
فتحت الخطاب.
وكان مكتوب
بابا...
لو الخطاب ده وصلك، يبقى في حاجة حصلت خلت الخطة تتغير.
أنا كنت فاكر إن الموضوع خلص، لكن اكتشفت إن فيه شخص تاني متورط.
الشخص ده مش حمدي.
حمدي كان مجرد أداة.
الشخص الحقيقي هو اللي كان بيمول كل حاجة.
وقفت عن القراءة.
حسيت بقلبي بيهبط.
كملت
وأنا لو حصل لي حاجة، ما تدورش عليه بنفسك.
الشرطة لازم تعرف.
والدليل موجود في مكان عمره ما يخطر على بالك.
في آخر الخطاب كان فيه سطر واحد
فتش في البيت عن الساعة اللي وقفت يوم موتي.
بصيت لأخويا.
قلت
الساعة؟
قال
ساعة الحائط؟
جريت ناحية الصالة.
كانت عندنا ساعة قديمة من سنين.
وفي يوم وفاة عمر، الساعة وقفت عند الساعة السادسة وسبع عشرة دقيقة.
عمري ما اهتميت بالموضوع.
طلعتها من الحائط.
قلبتها.
ولقيت الغطاء الخلفي مفتوح.
جواه فلاشة صغيرة.
ومكتوب عليها
آخر دليل.
أخدناها فورًا للشرطة.
وبعد فتحها، ظهر تسجيل صوتي لعمر.
كان صوته هاديًا
أنا عارف إن ممكن يحصل لي حاجة. لو حصل، التسجيل ده يثبت إن الشخص اللي ورا الموضوع كله مش حمدي...
توقف التسجيل لثوانٍ.
ثم قال عمر اسمًا واحدًا.
اسم خلاني أقف مش قادر أتكلم.
لأن الاسم كان لشخص أعرفه من سنين.
شخص كنت بثق فيه.
شخص كان موجود يوم دفن عمر.
بل كان من أول الناس اللي حاولوا يقنعوني إني ما أفتحش القبر.
أخويا بص لي وقال
معقول؟
قلت
عشان كده كان خايف لما فتحنا قبر عمر...
وفجأة فهمت.
هو ما كانش خايف عليّ.
كان خايف إني أكتشف الحقيقة.
وفي نفس اللحظة، رن موبايلي.
رقم مجهول.
رديت.
جالي صوت الرجل نفسه
عبد السميع... أنت وصلت للمرحلة الأخيرة.
قلت
أنا عرفت كل حاجة.
ضحك ضحكة قصيرة وقال
لأ... أنت لسه ما عرفتوش أهم حاجة.
سألته
إيه؟
قال
عمر ما كان هو الهدف.
سكت.
ثم قال
الهدف الحقيقي كان أنت.
وقبل ما أقدر أسأله أي سؤال، قفل الخط.
بصيت لأخويا.
ولأول مرة من يوم وفاة عمر، حسيت إن الخطر مش انتهى...
الخطر بدأ للتو بصيت ليوسف وأنا مش قادر أتكلم.
قلت له
مين اللي كان سايق العربية؟
يوسف بلع ريقه وقال
الراجل اللي كان مسؤول عن الحادث... هو نفسه اللي كان بيحاول يخوف عمر قبل موته.
سألته
اسمه إيه؟
يوسف بص لفؤاد.
فؤاد هز رأسه وقال
قول يا يوسف... خلاص مفيش وقت نخبي.
يوسف قال
اسمه حمدي.
الاسم وقع عليّ زي الصدمة.
حمدي...
ده كان واحد من الناس اللي وقفوا معايا يوم دفن عمر.
واحد من أول الناس اللي عزاني.
والأغرب...
إنه كان هو اللي قال لي يومها
ربنا يصبر قلبك يا عبد السميع.
حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
قلت
مستحيل!
يوسف قال
عمر كان اكتشف إن حمدي متورط في موضوع كبير، وكان معاه مستندات تثبت ده. لما حمدي عرف، حاول ياخد المستندات من عمر.
قلت
طب ليه عمر ما قالليش؟
يوسف رد
لأنه كان خايف عليك.
وبعدين أضاف
عمر كان عارف إن حمدي ممكن يؤذيك لو عرف إنك عرفت الحقيقة.
افتكرت كل حاجة.
الرسالة المجهولة.
الرجل اللي هرب من المقابر.
الكراسة.
الفلاشة.
والجملة اللي قالها عمر في الفيديو
أنا كنت بحاول أحمي شخص.
فجأة فهمت.
عمر لم يكن يحمي يوسف فقط.
كان يحاول يحميني أنا كمان.
قلت
طيب إيه اللي حصل يوم الحادث؟
يوسف بدأ يحكي
عمر أخدني وخرجنا من المكان. حمدي شافنا. بدأ يطاردنا بالعربية. عمر طلب مني أجري ناحية الطريق التاني، ولما العربية قربت مني، عمر رجع وجذبني بعيد.
سكت يوسف، ونزلت دموعه.
العربية خبطت عمر بدل ما تخبطني.
أنا مقدرتش أتمالك نفسي.
قعدت على الأرض وفضلت أقول
ابني...
فؤاد قال
عمر أنقذ ابني، لكننا ما قدرناش نثبت إن الحادث متعمد.
قلت
وإزاي هنثبت؟
يوسف رد
بالدليل اللي عمر خباه.
رفعت رأسي بسرعة.
فين؟
يوسف أشار للصندوق القديم.
إحنا لسه ما فتحناش الجزء السفلي.
بصينا للصندوق.
كان فيه لوح خشبي من تحت.
رفعناه.
ظهر ظرف صغير جدًا.
على الظرف كان مكتوب
إلى بابا.
إيدي بدأت ترتعش.
فتحت الظرف.
كان فيه كارت ذاكرة صغير، ومعاه ورقة.
قرأت الورقة
بابا...
لو وصلت للحقيقة، ما تنتقمش.
أنا عارف إنك هتكون موجوع وغاضب.
لكن أنا عايزك تعمل حاجة واحدة بس
خلي الحق ياخد مجراه.
وابعد عن أي مواجهة.
أنا بحبك يا بابا، وعمري ما كنت عايز أشوفك تتأذى بسببي.
انهرت تمامًا.
ابني حتى في آخر لحظاته كان بيفكر في سلامتي.
أخذنا الكارت وروحنا للشرطة.
وبعد فحص التسجيلات والمعلومات الموجودة عليه، ظهرت الحقيقة كاملة.
كان فيه تسجيل من كاميرا محل قريب من مكان الحادث.
العربية كانت فعلًا بتطارد عمر ويوسف.
والتسجيل أظهر إن السائق لم يفقد السيطرة كما ورد في التقرير الأول.
كان يتعمد الاقتراب منهما.
وبعد التحقيق، تم القبض على حمدي، وبدأت إجراءات القضية.
بعد أيام، رجعت قبر عمر.
وقفت قدام قبره لوحدي.
قلت
سامحني يا ابني... أنا افتكرت إنك بتناديني عشان أخرجك من القبر.
سكت لحظة.
لكن دلوقتي فهمت.
مسحت دموعي وقلت
إنت كنت بتناديني عشان أخرج الحقيقة للنور.
ومن يومها...
ما شفتش عمر في المنام تاني.
وفي آخر ليلة قبل ما أنام، سمعت صوته في حلم قصير جدًا.
كان واقف قدامي، هادي ومبتسم.
وقال
خلاص يا بابا... أنا كويس.
وبعدين اختفى.
صحيت وأنا لأول مرة من يوم وفاته حاسس براحة.
وعرفت إن بعض الأحلام مش بتيجي عشان تخوفنا...
أحيانًا بتكون مجرد طريقة لعقولنا المكسورة إنها تدفعنا نبحث عن إجابة.
أما عمر...
ففضل في قلبي زي ما كان دايمًا
ابني، وصاحبي، وأجمل ذكرى في حياتي وقفت قدام باب المخزن وأنا حابس أنفاسي.
الصوت اللي بره كان مألوف جدًا.
لكن قبل ما أقدر أرد، سمعت صوت عربيات بتقف بره.
الشرطة وصلت.
الرجل حاول يهرب من الباب الخلفي، لكن أفراد الشرطة كانوا سبقوه وحاصروه.
دخلوا وقبضوا عليه.
ولما شفت وشه، اتأكدت إن شكوكي كانت في مكانها.
كان حمدي.
بص لي وقال
أنت مش فاهم حاجة يا عبد السميع.
قلت
أنا فاهم إنك كنت بتراقب ابني.
رد بعصبية
أنا كنت بحاول أحميه!
اتصدمت.
قلت
تحميه؟! وأنت اللي كنت سايق العربية!
هز رأسه بسرعة
العربية كانت بتاعتي، لكن أنا ما كنتش اللي سايقها.
ساد الصمت.
الضابط قرب منه وقال
مين كان سايق؟
حمدي بص لي وقال
الشخص اللي عمر كان بيحاول يوصلك ليه.
دخلت في حالة ذهول.
قلت
مين؟
حمدي أشار للرجل المسن اللي كان معايا.
هو يعرف.
بصيت للرجل.
كان واقف ساكت، ووشه مليان خوف.
قلت
اتكلم.
الرجل قال
عمر اكتشف إن فيه ناس بيستغلوا أسماء ناس غلابة في معاملات مالية مزورة. حاول يجمع أدلة، ولما عرف إن الموضوع أكبر مما تخيل، استعان بيا.
قلت
وإيه علاقة حمدي؟
قال
حمدي كان واحد من اللي حاولوا يساعدوه.
بصيت لحمدي.
قال
يوم الحادث كنت بحاول أوصل لعمر قبل ما يحصل له حاجة، لكن العربية اتاخدت مني من غير ما أعرف. ولما وصلت، كان كل شيء انتهى.
الضابط سأله
مين اللي أخد العربية؟
حمدي سكت.
ثم قال
الشخص اللي كان عمر بيخاف منه.
الضابط ضغط عليه
اسمه؟
حمدي بص لي مباشرة.
أخوك.
اتجمدت.
أخويا؟!
قال
أخوك كان عارف كل حاجة.
التفت ناحية أخويا.
كان واقف بعيد مع رجال الشرطة.