ابنى اتوفى
خرجني من هنا يا بابا
كنت حاسس إن ابني عمر هو آخر حاجة فاضلالي في الدنيا.
عمر كان عنده عشرين سنة، طالب في جامعة القاهرة، وبيعيش معايا بعد وفاة أمه. أخته الكبيرة اتجوزت وسافرت، وبقيت أنا وهو كل يوم بنقعد سوا، ناكل سوا، نتكلم في كل حاجة، وأحيانًا كان هو اللي يهون عليّ وحدتي.
لحد اليوم اللي كل حاجة اتكسرت فيه.
عمر كان راجع من الجامعة، واقف مستني المواصلات، وفجأة عربية مسرعة خرجت عن الطريق وخبطته.
المكالمة اللي جالي بعدها كانت كفيلة إنها تنهي عمري.
ابني مات في نفس اللحظة.
دفنته وأنا مش مصدق إن التراب اللي بيتحط قدامي ده هيفصلني عن ابني للأبد.
لكن بعد الدفن بيومين، بدأت الكوابيس.
في أول ليلة، شفت عمر واقف قدامي.
كان شكله مرهق، ووشه مليان خوف، وبيحاول يتحرك لكنه مش قادر.
بص لي وقال بصوت متقطع
بابا... خرجني من هنا.
صحيت مفزوع.
قعدت على السرير وأنا بلهث، وفضلت أقرأ القرآن وأدعي له.
قلت لنفسي إن ده بسبب الحزن.
لكن اللي حصل في الليلة اللي بعدها كان أسوأ.
نفس الحلم.
نفس المكان.
ونفس الجملة
خرجني من هنا يا بابا!
وبعدها تكررت الرؤية كل ليلة.
أسبوع كامل وأنا تقريبًا مش بنام.
كل مرة كان عمر بيظهر بنفس الخوف، لكن الغريب إن المكان حواليه كان مختلف.
مرة كان الظلام شديد.
ومرة كان واقف وسط تراب.
ومرة كنت سامع صوت مياه بتنقط في الخلفية.
وفي كل مرة كان بيقول
خرجني من هنا يا بابا.
رحت لدكتور نفسي، وحكيت له كل حاجة.
قال لي
أنت فقدت ابنك بشكل مفاجئ، وعقلك لسه مش قادر يستوعب الصدمة. الأحلام دي ممكن تكون انعكاس للحزن والإحساس بالعجز.
حاولت أقتنع.
لكن في الليلة السابعة حصل شيء خلاني أشك في كل تفسير.
شفت عمر واقف بعيد عني.
المرة دي ما كانش بيصرخ.
كان بيبص لي بثبات وقال
بابا... افتكر يوم الدفن.
وفجأة صحيت.
فضلت قاعد على السرير وأنا بحاول أفتكر.
يوم الدفن.
كل حاجة كانت واضحة في دماغي.
لكن حاجة واحدة استوقفتني.
أثناء الدفن، واحد من عمال المقابر قال لي جملة غريبة.
وقتها ما اهتمتش.
لكن دلوقتي افتكرتها.
كان بيقول
يا حاج، القبر ده كان مفتوح قبل كده؟
استغربت جدًا.
وقتها ظنيت إنه بيتكلم عن قبر قديم، وما سألتش.
لكن دلوقتي السؤال رجع يطاردني.
اتصلت بأخويا وطلبت منه ييجي عندي فورًا.
لما حكيت له، قالي
عبد السميع، أنت محتاج ترتاح.
قلت له
أنا مش عايز أصدق حلم ولا رؤيا. أنا عايز أعرف الحقيقة.
وفي الصبح، أخدت إخواتي واثنين من كبار البلد وروحنا المقابر.
كنت واقف قدام قبر عمر، وإيدي بتترعش.
الكل كان بيحاول يمنعني.
لكنني قلت
لو اللي بشوفه مجرد كابوس، هعرف وأرتاح. ولو فيه أي خطأ حصل، لازم أعرف.
وبعد وقت طويل من التردد، بدأنا نرفع التراب.
كل ما طبقة كانت بتتشال، قلبي كان بيدق أسرع.
لحد ما ظهر القبر بالكامل.
نزلنا نبص.
وفجأة...
واحد من الرجال صرخ
يا ساتر يا رب!
بصيت له، وبعدين بصيت جوه القبر.
اتجمدت في مكاني.
لكن المفاجأة ما كانتش إن عمر موجود في مكان غريب...
المفاجأة كانت إن القبر نفسه كان مختلفًا تمامًا عن الشكل اللي اتدفن عليه.
وفي جانب القبر، تحت التراب، ظهر شيء معدني صغير.
أخويا نزله بحذر وطلعه.
كانت علبة حديد قديمة.
وعليها ورقة مكتوب عليها اسم ابني...
عمر عبد السميع.
وقتها حسيت إن الأرض بتلف بيا.
قلت
مستحيل...
فتحنا العلبة.
وكان جواها مفتاح صغير، وورقة مطوية بعناية.
فتحت الورقة وأنا مش قادر أتنفس.
وكان مكتوب فيها
لو وصلت الورقة دي لعبد السميع، يبقى لازم يعرف الحقيقة اللي حصلت لعمر قبل الحادث.
رفعت عيني لإخواتي.
وقلت بصوت مرتجف
ابني كان مخبي عني حاجة...
لكن قبل ما أكمل كلامي، سمعنا صوتًا من ناحية المقابر.
صوت خطوات بتقرب.
كلنا التفتنا.
وكان فيه رجل واقف بعيد، أول ما شاف العلبة في إيدي...
جري بكل قوته هنكمل من لحظة هروب الرجل، ونخلي السر يتكشف واحدة واحدة، ومن غير خيانة أو أحضان.
جريت ورا الراجل بكل قوتي.
صرخت
استنى! إنت مين؟ وإيه علاقتك بابني؟!
لكنه ما ردش.
كان بيجري ناحية البوابة القديمة للمقابر، وأنا ورا منه وإخواتي بيحاولوا يلحقونا.
لكن قبل ما نوصل له، اختفى بين المقابر.
وقفنا ندور عليه في كل اتجاه، لكن ما لقيناش أي أثر.
رجعت وأنا متوتر، ومسكت العلبة الحديد في إيدي.
قلت لأخويا
لازم نعرف الورقة دي فيها إيه.
رجعنا البيت، وقفلت باب الأوضة علينا.
فتحت الورقة مرة تانية.
كان مكتوب
يا والدي...
لو أنت بتقرأ الكلام ده، فغالبًا أنا مش موجود.
أنا عارف إن الكلام ده هيصدمك، بس أوعدني إنك ما تتهمش حد قبل ما تعرف الحقيقة كاملة.
قبل الحادث بأيام، اكتشفت حاجة خطيرة جدًا.
ولقيت إن فيه شخص بيستغل أسماء ناس من البلد في موضوع مش قانوني.
أنا حاولت أعرف الحقيقة، واحتفظت بدليل.
لو حصل لي أي حاجة، المفتاح اللي في العلبة هيوصلك للمكان اللي خبّيت فيه الدليل.
وأهم حاجة...
ما تثقش في أي شخص يقول لك إنه عارف الحقيقة.
فضلت باصص للورقة وأنا مش قادر أتكلم.
أخويا قال
طب والمفتاح ده بيفتح إيه؟
طلعت المفتاح من العلبة.
كان مفتاحًا صغيرًا جدًا، وعليه رقم محفور
17
افتكرت فورًا إن عمر كان عنده خزانة صغيرة في الجامعة.
اتصلنا بأخته، وسألناها عن أي حاجة تخص أخوها.
قالت
بابا، عمر كان عنده فعلًا دولاب صغير في الجامعة، وكان دايمًا بيقول محدش يفتحه غيره.
في اليوم التالي، رحت الجامعة.
بعد ما شرحت للإدارة إن عمر توفى وإن فيه متعلقات شخصية تخصه، قدرنا نوصل للخزانة.
كان رقمها 17.
دخلت المفتاح.
ولأول مرة من يوم وفاة ابني، إيدي كانت بتترعش من الأمل مش من الخوف.
المفتاح لف.
الباب اتفتح.
جوه الخزانة كان فيه كراسة سوداء، وفلاشة صغيرة، وصورة لعمر مع مجموعة من زملائه.
أخدت الحاجات ورجعت البيت.
فتحت الكراسة.
صفحة ورا صفحة...
عمر كان كاتب ملاحظات عن عمليات مالية غريبة، وأسماء شركات، وأرقام شحنات، وتواريخ.
لكن في آخر صفحة كان فيه سطر واحد خلاني أتجمد
الشخص اللي لازم أخاف منه مش بعيد عني... هو قريب جدًا من كل اللي بيحصل.
بصيت لأخويا.
قال
يعني كان شاكك في حد من الناس اللي حوالينا؟
قلت
مش عارف.
وفجأة...
الموبايل رن.
رقم مجهول.
رديت.
جالي صوت رجل هادي جدًا
عبد السميع؟
قلت
أيوه.
قال
لو عايز تعرف ابنك مات إزاي، اقفل الكراسة دي فورًا.
سكت.
قال
وابعد عن المفتاح.
قلت
إنت مين؟
رد
الشخص اللي كان عمر بيحاول يوصل له.
وبعدها قفل الخط.
فضلت ماسك الموبايل وأنا ساكت.
لكن أخويا لاحظ حاجة غريبة.
قال
عبد السميع... بص على الصورة.
مسكت الصورة.
كان عمر واقف وسط زملائه.
وفي الخلفية، كان فيه رجل واقف بعيد.
وجهه مش واضح.
قربنا الصورة من عيوننا.
وفجأة...
عرفناه.
كان نفس الرجل اللي شوفناه بيهرب من المقابر.
صرخت
هو ده!
وفي اللحظة نفسها، وصلتني رسالة على الموبايل.
كانت جملة واحدة
لو عايز تعرف ليه عمر كان بيقولك خرجني من هنا... روح للمكان اللي حصل فيه الحادث.
قفلت الموبايل.
وبصيت لأخويا.
قلت
بكرة الصبح هنروح مكان الحادث.
لكن أخويا رد بسرعة
لأ يا عبد السميع...
ليه؟
بص لي بخوف وقال
لأن الحادث حصل من أسبوعين...
ثم أشار للصورة.
والرجل ده ظهر في الصورة قبل الحادث ب ثلاثة أيام فقط فضلت باصص للرسالة وأنا حاسس إن قلبي هيقف.
السر الحقيقي مدفون في مكان تاني.
اتصلت بأخويا فورًا وقلت له
لازم نرجع المقابر.
قال
تاني؟!
قلت
لأ... المرة دي مش لقبر عمر.
رجعت أفتكر كلام عمر في الفيديو
أنا كنت بحاول أحمي شخص.
مين الشخص ده؟
وليه عمر كان خايف عليه؟
وصلنا المقابر قبل المغرب.
قابلنا حارس المقابر وسألناه عن القبور القديمة الموجودة في المنطقة.
بعد شوية تفكير قال
فيه قبر قديم مهجور ناحية آخر المقابر، محدش بيزوره تقريبًا.
قلت
اسمه إيه؟
قال
مفيش اسم واضح... بس الرقم عليه 17.
وقتها بصيت لأخويا.
نفس الرقم الموجود على مفتاح عمر.
اتجهنا ناحية القبر.
كان قديمًا ومغطى بالتراب والحشائش.
حاولنا نفتح الباب الحديدي الصغير الموجود في مقدمته.
المفتاح دخل.
ولما لفّيته...
الباب اتفتح.
دخلنا.
القبر كان شبه غرفة صغيرة تحت الأرض.
وفي آخره صندوق خشبي قديم.
فتحناه.
جواه ملفات وصور وأوراق.
لكن كان فيه شيء واحد خلاني أنسى كل حاجة
صورة لعمر وهو واقف جنب الشاب اللي كان بيحاول ينقذه يوم الحادث.
قلبت الصورة.
كان مكتوب خلفها
يوسف ابن الرجل الذي يعرف الحقيقة.
بصيت لأخويا وقلت
مين يوسف؟
قبل ما يرد، سمعنا صوتًا خلفنا.
التفتنا.
كان نفس الرجل اللي هرب من المقابر.
لكن المرة دي ما هربش.
وقف قدامنا وقال
خلاص... عرفتوا أكتر مما كان لازم تعرفوه.
قلت
إنت مين؟
قال
اسمي فؤاد.
قلت
وإيه علاقتك بعمر؟
سكت طويلًا، ثم قال
عمر كان بيحاول ينقذ ابني.
اتصدمت.
قال
ابني يوسف كان شاهد على جريمة كبيرة، والناس اللي ارتكبوها كانوا بيدوروا عليه.
سألته
وعمر؟
قال
عمر عرف بالموضوع بالصدفة. كان ممكن يمشي ويبعد، لكنه رفض.
ثم أخرج هاتفًا قديمًا وقال
قبل الحادث بساعات، عمر اتصل بيا وقال لي أنا هجيب يوسف عندك.
قلت
طب إزاي حصل الحادث؟
خفض رأسه وقال
عمر أنقذ يوسف فعلًا... لكن العربية لحقت عمر.
سألته وأنا منهار
وليه ما قلتليش الحقيقة من الأول؟
قال
لأنني كنت خايف عليك.
ثم مد لي الهاتف.
دي آخر رسالة عمر بعتها لي.
فتحت الرسالة.
وكان مكتوبًا
لو حصل لي حاجة، ما تقولش لعبد السميع أي حاجة إلا لما أتأكد إن يوسف بقى في أمان.
وقتها فهمت معنى كل الأحلام.
عمر لم يكن يطلب مني أن أخرجه من قبره.
كان عقلي، وسط حزني، بيحاول يوصلني للحقيقة التي لم أعرفها.
لكن بقي سؤال واحد
يوسف فين دلوقتي؟
فؤاد رفع عينه لي وقال
هنا.
وسمعنا صوتًا من خلف الباب.
التفتنا.
كان شاب صغير واقف هناك.
وشه شاحب وعينيه مليانة دموع.
قال
حضرتك عبد السميع؟
قلت
أيوه.
اقترب خطوة وقال
أنا يوسف.
ثم مد لي ورقة.
دي آخر حاجة عمر اداني إياها قبل ما يموت.
فتحت الورقة.
ولقيت جملة واحدة بخط ابني
بابا... لو يوسف وصل لك، صدقه. لأنه الوحيد اللي يعرف مين كان سبب الحادث.
رفعت عيني ليوسف.
وقلت
مين؟
يوسف بدأ يرتجف.
ثم قال
الشخص اللي كان بيسوق العربية...
وسكت.
وبص ناحية باب المقبرة.
كان واحد إحنا نعرفه كلنا فضلت باصص لأخويا وأنا مش فاهم.
قلت له
يعني إيه ظهر في الصورة قبل الحادث بثلاث أيام؟
قال
يعني عمر كان يعرفه... أو كان بيراقبه.
رجعت بصيت للكراسة تاني.
بدأت أقلب الصفحات بسرعة، لحد ما لقيت صفحة مكتوب فوقها تاريخ اليوم اللي قبل الحادث.
كان عمر كاتب
قابلته النهارده للمرة التالتة. كل مرة بيظهر في مكان مختلف.