رفضت تدفع لابويا
ماتش.
الجميع لف له.
قال بهدوء
هو عايش.
ريتشارد اتراجع خطوة.
الست العجوز قالت
وعشان كده أنا رجعت.
الشرطي سأله
فين؟
الرجل طلع ورقة صغيرة من جيبه.
آخر عنوان وصلني منه.
أخذها الشرطي.
قرأ العنوان.
ثم رفع رأسه وقال
العنوان ده قريب جدًا من هنا.
ريتشارد اندفع ناحية الباب.
لكن الشرطي أمسكه.
إنت رايح فين؟
ريتشارد قال
أنا ماليش دعوة!
أبويا بص له وقال
لو مالكش دعوة، ليه أول ما سمعت العنوان حاولت تهرب؟
ريتشارد سكت.
وفي نفس اللحظة، سمعنا صوت عربية بتقف قدام البيت.
كلنا بصينا ناحية البوابة.
نزل منها رجل في أواخر الخمسينات.
وقف ثواني.
ثم دخل ببطء.
أول ما شافته الست العجوز، شهقت.
وأبويا قال بصوت منخفض
هو.
الرجل وقف قدام ريتشارد.
الاثنين فضلوا يبصوا لبعض من غير كلمة.
وبعدين الرجل قال
فاكر آخر مرة شفتني فيها؟
ريتشارد وشه فقد لونه.
الرجل كمل
كنت فاكر إن السر هيفضل مدفون للأبد.
ثم بص ناحية حمام السباحة.
بس أبو البنت دي...
ابتسم ابتسامة حزينة.
رجّع كل حاجة للنور.
وفي اللحظة دي، أبويا قرب مني وقال بهدوء
دلوقتي بس يا بنتي... هتعرفي ليه أنا ما كنتش عايز آخد منهم الفلوس قبل ما يوقعوا على كل ورقة أبويا بص للرجل اللي دخل وقال
قبل ما أتكلم، لازم هو يقول الحقيقة بنفسه.
الرجل هز راسه.
أنا مستني اليوم ده من تلاتين سنة.
ريتشارد صرخ
إنت كداب!
الرجل ما ردش عليه.
بدل كده، مد إيده للشرطي وناولُه ظرف قديم.
ده كان معايا من يوم ما اختفيت.
الشرطي فتح الظرف بحذر.
كان جواه مفتاح صغير، وصورة قديمة، وورقة مكتوب عليها بخط اليد
لو وصلت الورقة دي للشرطة، يبقى أخويا حاول يدفن الحقيقة للمرة التانية.
ريتشارد اتراجع خطوة.
ميليسا حطت إيدها على بقها.
أخوك؟
الرجل بص لها وقال
أيوه... أنا أخو ريتشارد.
أنا بصيت لريتشارد.
بس إنت قلت إنه مات!
ريتشارد ما ردش.
أبويا قال
لأنه كان محتاج الكل يصدّق إنه مات.
الشرطي رفع عينه من الورقة.
ليه؟
أخو ريتشارد قال
لأن اللي اختفى زمان ما كانش أنا.
سكت المكان كله.
كان واحد تاني.
أنا حسيت إن رأسي هينفجر من كتر الأسئلة.
مين؟
الرجل بص ناحية الحمام.
الشخص اللي كان صاحب الأرض عايز يحميه.
ثم أخرج صورة ثانية من جيبه.
الصورة كانت لطفل صغير واقف جنب صاحب الأرض.
وفي الخلفية ظهر نفس المبنى القديم.
لكن الطفل كان ماسك في إيده مفتاح عليه رقم...
17.
أبويا قرب من الصورة، ووشه اتغير.
قلت له
إنت تعرف الطفل ده؟
أبويا رد بصوت منخفض
أيوه.
مين هو؟
سكت ثواني.
وبعدين قال
هو السبب الحقيقي اللي خلى صاحب الأرض يخبي الغرفة.
ريتشارد فجأة قال
محدش هيدخل الغرفة!
الشرطي بص له.
ليه؟
ريتشارد ما عرفش يرد.
أبويا ابتسم لأول مرة.
لأن الغرفة لسه فيها حاجة هو خايف نلاقيها.
الشرطي أمر اثنين من رجاله يرجعوا ناحية حمام السباحة.
وأنا فضلت واقفة جنب أبويا.
وقبل ما نتحرك، سمعنا صوت خبط جاي من تحت الأرض.
خبطة...
وبعدها واحدة تانية.
خبطة... خبطة...
الجميع سكت.
أبويا بص للأرض.
الغرفة مش فاضية.
الشرطي قال
مين جوه؟
أبويا رد
مش عارف.
ثم بص لريتشارد.
بس هو عارف الخبطة التالتة خلت الكل يرجع خطوة.
الشرطي رفع إيده.
محدش يتحرك.
أبويا قرب من الحائط القديم، وحط ودنه عليه.
ثواني مرت.
وبعدين قال
فيه فراغ ورا الحيطة.
الشرطي بص له باستغراب.
إزاي عرفت؟
أبويا ابتسم.
عشان أنا اللي بنيت الحيطة دي من تلاتين سنة.
بصيت له بدهشة.
إنت بنيتها؟
أيوه.
وبعدين بص لريتشارد.
بس وقتها ما كانتش بالشكل ده.
ريتشارد قال بسرعة
هو بيحاول يلفقلي!
أبويا رد بهدوء
طب قولهم ليه اتقفلت الغرفة من جوه؟
ريتشارد سكت.
الشرطي قرب من الباب الحديدي القديم، وحاول يفتحه.
مفيش فايدة.
كان مقفول من الداخل.
الرجل اللي قال إنه أخو ريتشارد قرب من الباب وقال
المفتاح معايا.
طلع المفتاح رقم 17.
لكن قبل ما يدخله، أبويا مسك إيده.
استنى.
الرجل بص له.
ليه؟
أبويا أشار للفتحة الصغيرة تحت الباب.
كان فيه ظرف أبيض ظاهر من الناحية التانية.
الشرطي سحبه بعصا طويلة.
على الظرف كان مكتوب
إلى الشخص الذي سيكتشف الحقيقة بعدي.
الشرطي فتحه.
جواه ورقة واحدة.
قرأ أول سطر، واتغيرت ملامحه.
أنا قربت منه.
مكتوب إيه؟
بص لأبويا.
ثم قال
الورقة دي باسمك.
أبويا ما اتحركش.
أنا مسكت الورقة.
وكان أول سطر فيها
إلى الرجل الذي أصلح المكان منذ ثلاثين عامًا... لو وصلت لك الرسالة، يبقى أنا فشلت في حماية الطفل.
رفعت عيني لأبويا.
طفل مين؟
أبويا ما ردش.
لكن الرجل اللي كان واقف جنب الباب قال
ابني.
ريتشارد شهق
إنت عندك ابن؟!
الرجل بص له.
أيوه.
ثم أضاف
والولد ده اختفى من نفس الليلة اللي اختفى فيها صاحب الأرض.
سكت لحظة.
والنهارده عنده تلاتين سنة.
أنا حسيت بقشعريرة.
لأن التاريخ المكتوب على الورقة كان...
نفس سنة ميلاد ابني.
بصيت لأبويا.
هو شاف الورقة.
وشه اتغير لأول مرة.
وقال
افتحوا الباب.
الشرطي حط المفتاح.
لفه مرة...
مرتين...
وفجأة سمعنا صوت قفل قديم بيتفتح من جوه.
الباب اتحرك سنتيمتر واحد.
وخرج منه هواء بارد جدًا.
ومعه رائحة ورق قديم.
لكن قبل ما الشرطي يفتح الباب بالكامل، ريتشارد قال بصوت مرتجف
لو فتحتوا الباب... مش هتعرفوا تقفلوا اللي هيطلع منه الشرطي فتح الباب بالكامل.
اللي لقيناه جوه الغرفة خلّى الكل يسكت.
كان فيه مكتب قديم، وكرسي، وخزانة حديد صغيرة.
وفوق المكتب صندوق خشبي.
أبويا قرب منه، لكنه وقف لما شاف الاسم المكتوب عليه
إلى ابني الحقيقي.
ريتشارد اتجمد مكانه.
أخوه قال
افتحه.
الشرطي فتح الصندوق.
جواه ملف قديم، وشريط تسجيل، وصورة لطفل صغير.
والأهم... شهادة ميلاد أصلية.
الشرطي قارن البيانات بالملفات الرسمية.
ثم قال
الحقيقة واضحة.
ريتشارد كان طول السنين عايش باسم شخص مش اسمه الحقيقي، بينما أخوه هو الابن اللي كان صاحب الأرض بيحاول يحميه.
لكن الحقيقة الأخطر كانت في آخر ورقة.
كانت وصية صاحب الأرض.
كتب فيها إنه لو اختفى، تنتقل ملكية الأرض والمبنى بالكامل لابنه الحقيقي، بشرط ظهور الشاهد الذي حضر آخر ليلة.
والشاهد كان...
أبويا.
بصيت لأبويا ودموعي نزلت.
ليه ما قلتليش؟
قال
عشان وعدت راجل مات وهو مؤمن إن الحقيقة هتظهر في يوم.
الشرطة أخذت كل الأوراق والتسجيلات، وبدأ التحقيق رسميًا.
ريتشارد ما قدرش ينكر أكتر.
اعترف إنه عرف جزءًا من الحقيقة من والده، وإنه أخفى المستندات سنين عشان يفضل هو المسيطر على المكان.
أما ميليسا، فسلّمت للشرطة الأوراق اللي كانت مخبياها، وقالت إنها ما كانتش عارفة الحقيقة كاملة.
بعد أسابيع، الأرض رجعت رسميًا لمالكها الحقيقي.
وأبويا؟
رفض ياخد أي مكافأة.
كل اللي طلبه كان تمن شغله.
ال دولار.
وقال لريتشارد
أنا أصلحت حمام السباحة، مش الماضي.
ريتشارد دفع المبلغ كاملًا.
وبعدها بأيام، اتقفل البيت القديم.
أما أنا، فكنت فاكرة إن الحكاية خلصت.
لحد ما رجعت البيت ليلة الجمعة.
لقيت ظرف صغير تحت باب شقتنا.
فتحته.
جواه صورة قديمة لأبويا وهو شاب، واقف قدام المبنى قبل تلاتين سنة.
وفي ظهر الصورة جملة واحدة
شكرًا لأنك أخيرًا أوفيت بوعدك... لكن فيه سر واحد أبوك لسه ما قالوش لك.
رفعت عيني ناحية أبويا.
كان واقف في الصالة.
بص للصورة...
وسكت.
وساعتها فهمت إن السر المدفون تحت حمام السباحة ما كانش نهاية الحكاية.
كان مجرد أول باب اتفتح.