جوزى
جوزي قالي إنه هياخدني أقضي أسبوعين في بيت أخوه على البحر، وقال لي إننا هنرتاح ونغير جو بعد شهور طويلة من الشغل.
أنا صدقته.
على مدار عشرة شهور، كنت بحوش من مرتبي ومن شغلي الإضافي، لحد ما قدرت أجمع ستين ألف جنيه.
كنت نفسي في إجازة حقيقية.
لا شغل، ولا مطبخ، ولا تنظيف، ولا مسؤوليات.
لكن أول ما وصلنا بيت أخوه، اكتشفت إن الإجازة اللي اتكلم عنها كريم طول الشهور الماضية... ما كانتش موجودة أصلًا.
لسه حاطة شنطتي على الأرض، مرات أخوه سمر مدت لي ورقة وقالت
دي المهام بتاعتك.
بصيت لها باستغراب.
مهام إيه؟
قالت بمنتهى الهدوء
الفطار الساعة تمانية، والغدا الساعة اتنين ونص، وتنضيف البيت، وغسيل الفوط، وترتيب الأوض، وتجهيز الأكل للشاطئ.
ضحكت من الصدمة.
هو أنا جاية أشتغل عندكم؟
سمر ردت
لا طبعًا، إنتِ من أهل البيت.
في اللحظة دي دخل كريم وقال
يا ندى، بلاش نكبر الموضوع. إحنا قاعدين ببلاش.
بصيت له وقلت
بس أنا كنت فاكرة إننا جايين نقضي إجازة.
رد بسرعة
الخطة اتغيرت.
سكت.
دخلت المطبخ.
فتحت التلاجة.
لقيتها شبه فاضية.
وبعدها لقيت ورقة تانية فوق الترابيزة مكتوب فيها قائمة مشتريات تكفي البيت كله لمدة أسبوع.
ولما سألت كريم
أجيب الحاجات دي منين؟
قال
استخدمي الكارت اللي معاك.
بصيت له باستغراب.
وإنت مش هتدفع؟
قال
بعدين نحاسب.
خرج كريم مع أخوه، وسابوني لوحدي.
لكن بدل ما أبدأ أنضف...
قعدت على الكرسي وفتحت موبايلي.
كان عندي إحساس إن موضوع تغيير الخطة مش طبيعي.
فتحت الرسائل القديمة بين كريم وأخوه.
ونزلت لأبعد من شهر.
وبعد شوية لقيت رسالة قديمة من حسام.
كان كاتب
متنساش إن ندى جاية معاك.
كريم رد
طبعًا. كل حاجة هتمشي زي ما اتفقنا.
اتجمدت.
كملت القراءة.
حسام كتب
وسمر متأكدة إنها هتوافق؟
كريم رد
هي مش هتوافق على الكلام لو عرفته من الأول. عشان كده خليها تعرف بعد ما توصل.
وقفت لحظة.
كان واضح إن فيه حاجة أكبر من موضوع الطبخ والتنضيف.
نزلت للرسائل اللي بعدها.
لقيت سمر بتسأل
ولو ندى رفضت؟
كريم رد
مش هترفض. هي دفعت وقت وفلوس كتير عشان الإجازة، ومش هترجع القاهرة بسهولة.
ابتسمت.
آه... كده فهمت.
هما كانوا فاكرين إنهم حاصروني.
لكنهم ما يعرفوش إني من النوع اللي لما يحس إن حد بيحاول يستغله...
ما بيتخانقش.
بيجمع الأدلة الأول.
صورت الرسائل كلها.
وبعدين فتحت تطبيق البنك.
الستين ألف جنيه كانوا موجودين زي ما هم.
ولا جنيه واحد هيتصرف منهم.
بعدها سمعت صوت المفتاح في الباب.
دخل كريم.
بص لي وقال
خلصتي؟
قلت بهدوء
لسه.
قال
طيب ابدئي عشان الناس هتيجي بعد شوية.
ابتسمت وقلت
حاضر.
بص لي باستغراب.
واضح إنه كان متوقع خناقة.
لكني ما خدتش خطوة واحدة ناحية المطبخ.
بدل كده قلت
كريم، هو البيت ده ملك حسام؟
اتغيرت ملامحه للحظة.
وبعدين قال
آه... ليه؟
قلت
مجرد سؤال.
دخل يغير هدومه.
وأنا رجعت للموبايل.
فتحت محادثة تانية.
وكانت المفاجأة الحقيقية هناك.
لأن البيت اللي قالوا لي إننا قاعدين فيه ببلاش...
كان متعلق بيه مبلغ كبير جدًا.
وكان فيه عقد قديم باسم كريم.
والأغرب من كده...
إنهم كانوا محتاجين وجودي في البيت في اليوم التالي تحديدًا.
ولسبب قانوني ما كانوش قادرين يعملوه من غيري.
وقتها فهمت إنهم ما جابونيش هنا عشان أنضف وأطبخ.
كانوا عايزين مني أعمل حاجة أخطر بكتير...
من غير ما أعرف.
لكنهم ارتكبوا غلطة واحدة.
إنهم قللوا من ذكاء ندى فضلت قاعدة قدام الموبايل، وبعيد كل الرسائل واحدة واحدة.
كان فيه اتفاق بينهم من فترة، لكن كل مرة كانوا بيتكلموا عنه كانوا بيستخدموا كلام عام.
لحد ما وصلت لرسالة من حسام لكريم
المحامي قال لازم تكون ندى موجودة يوم الخميس.
كريم رد
هي هتكون هنا، متقلقش.
حسام
بس متقولهاش على حاجة لحد ما نخلص.
كريم
مش هتعرف.
رفعت عيني عن الشاشة.
الخميس كان بكرة.
يعني أنا وجودي هنا كان مخطط له من شهور.
لكن ليه؟
فتحت التقويم.
وبدأت أراجع التاريخ.
وفجأة افتكرت حاجة حصلت من حوالي سنة.
وقتها كريم طلب مني أوقّع على ورقة، وقال لي إنها مجرد إجراءات تخص حساب بنكي مشترك.
أنا كنت مستعجلة وقتها، فمضيت من غير ما أقرأ التفاصيل.
قلبي بدأ يدق.
يمكن الورقة دي لها علاقة بالموضوع.
دخل كريم المطبخ فجأة.
بتعملي إيه؟
قفلت الموبايل بسرعة.
ولا حاجة.
بص للمطبخ.
إنتِ لسه ما بدأتيش؟
قلت بهدوء
كنت براجع المصاريف.
اتنهد.
يا ندى، بالله عليكي خلينا نعدي الأسبوعين دول من غير مشاكل.
بصيت له.
أنا مش عاملة مشكلة.
بس شكلك متضايق.
طبيعي.
سكت شوية، وبعدها قال
بكرة هييجي محامي عشان ورق بسيط، وهتوقعي كام حاجة ونخلص.
سألته
ورق إيه؟
اتردد.
حاجة تخص البيت.
ابتسمت.
وإيه علاقة اسمي بالبيت؟
اتغير وشه.
حاول يضحك.
مفيش علاقة. مجرد إجراء روتيني.
قلت
تمام.
وخرج.
لكن أول ما خرج، كتبت في ورقة صغيرة
الخميس المحامي توقيع البيت.
وحطيتها في شنطتي.
أنا مش هوقع على أي حاجة.
مش قبل ما أفهم كل حرف فيها.
بعد حوالي ساعتين رجع كريم وحسام ومعاهم سمر.
وكانوا متوقعين يلاقوا البيت نضيف والأكل جاهز.
لكنهم اتفاجئوا إن كل حاجة زي ما هي.
سمر بصت لي باستغراب
إنتِ ما طبختيش؟
قلت
لأ.
طب ليه؟
عشان أنا جاية إجازة.
حسام ضحك وقال
يا ندى، إحنا كنا بنهزر معاكي.
بصيت له.
جدول المهام ده هزار؟
سكت.
كريم تدخل
خلاص يا ندى، اعملي اللي تقدري عليه.
قلت
لا، أنا مش هعمل حاجة.
سمر اتعصبت
يعني إيه؟
رديت بهدوء
يعني كل واحد يخدم نفسه.
لأول مرة، محدش عرف يرد.
دخلت أوضتي وقفلت الباب.
بعد دقائق سمعتهم بيتكلموا في الصالة بصوت منخفض.
فتحت تسجيل الصوت في موبايلي، وسيبته على الترابيزة وأنا قريبة من الباب.
سمعت حسام بيقول
كده الموضوع هيبوظ.
كريم رد
متقلقش، بكرة المحامي هيحلها.
سمر قالت
بس لو رفضت تمضي؟
سكتوا.
وبعدين كريم قال
هتمضي.
صوت حسام
إنت متأكد؟
كريم
ندى عمرها ما شكت فيا.
قفلت التسجيل.
وقعدت على السرير.
الجملة دي بالذات كانت أهم حاجة سمعتها.
هو مش واثق إني هوقع.
هو واثق إني مش هقرأ.
وده فرق كبير.
تاني يوم الصبح، صحيت بدري.
لبست بهدوء.
وحطيت الموبايل في جيبي.
وعند الساعة عشرة بالضبط، عربية وقفت قدام البيت.
نزل منها رجل في الخمسينات، ماسك حقيبة جلدية.
كريم استقبله بسرعة.
وبعد دقائق دخلوا الصالة.
قال كريم
ندى، تعالي.
خرجت.
المحامي حط ملف على الترابيزة.
وقال
دي أوراق بسيطة، مش هتاخد وقت.
قعدت قدامه.
فتحت أول صفحة.
قرأت أول سطر.
ثم الثاني.
ثم الثالث.
وفجأة...
رفعت عيني وقلت
هو إيه معنى إن الورقة دي بتخليني أتنازل عن حقي في البيت؟
سادت الصالة حالة صمت تام.
كريم بص للمحامي.
وسمر شهقت.
أما حسام فوقف مكانه وكأنه اتفاجئ لأول مرة.
المحامي قلب الورقة بسرعة وقال
حضرتك فهمتي البند غلط.
قلت
لأ، أنا فاهمة كويس.
وأشرت للسطر.
هنا مكتوب إنني أقر إن المبلغ المدفوع في شراء العقار كان من أموال كريم الخاصة، وإن ليس لي أي حق مالي فيه.
كريم قال بسرعة
يا ندى، دي صيغة قانونية بس.
رديت
وصيغة قانونية ليه لو مفيش حاجة مستخبية؟
محدش اتكلم.
فتحت شنطتي.
طلعت ورقة قديمة.
وحطيتها على الترابيزة.
عشان عندي حاجة أحب أفهمها الأول.
بص كريم للورقة.
وشه اتغير تمامًا.
لأن الورقة دي كانت صورة من تحويل بنكي قديم.
وكان واضح فيها إن جزءًا كبيرًا من ثمن البيت...
اتدفع من حسابي أنا.
رفعت عيني لكريم وقلت
فاكر إنك من سنة قلت لي إن الفلوس دي كانت استثمار مشترك؟
ابتلع ريقه.
قلت
يبقى قبل ما أمضي أي ورقة، محتاجة أعرف الحقيقة كلها.
وفي اللحظة دي...
المحامي قفل الملف.
وقال جملة خلت حسام وسمر يبصوا لبعض
الحقيقة لازم تتقال فعلًا... لأن في مستند تاني أنا ما كنتش عايز أطلعه غير لما أتأكد إن الموضوع وصل للمرحلة دي.
وطلع من حقيبته ظرفًا بنيًا قديمًا.
حطه قدامي.
وقال
الظرف ده فيه أصل الاتفاق اللي حصل من سنة.
مديت إيدي ناحيته...
لكن قبل ما ألمسه، كريم قال بصوت مرتفع
استنى يا ندى!
بصيت له.
لأول مرة من بداية الرحلة...
كان هو اللي خايف.
مش أنا بصيت لكريم وهو واقف قدامي.
استنى ليه؟
ما ردش.
المحامي قال بهدوء
خليها تقرأ يا أستاذ كريم. ده حقها.
قعد كريم مكانه.
ومدت إيدي للظرف.
فتحته.
كان جواه عقد قديم، وإيصالات تحويل، وصورة من اتفاق مكتوب بخط واضح.
بدأت أقرأ.
كل دقيقة كانت بتكشف لي جزء جديد من الحقيقة.
البيت ما كانش ملك حسام بالكامل زي ما كانوا بيقولوا.
كان مشروع استثمار عائلي.
وأنا كنت ساهمت في شراءه بمبلغ كبير من مدخراتي، بناءً على اتفاق إن نصيبي محفوظ، وإن البيت هيتم تأجيره خلال الموسم، والعائد يتقسم بين أصحاب الحصص.
لكن بعد فترة، حسام حصلت له مشكلة مالية.
وكان محتاج قرض بسرعة.
فاستخدم أوراق البيت كضمان.
والبنك طلب توقيع أصحاب الحصص.
وهنا فهمت ليه كانوا محتاجين وجودي.
رفع المحامي ورقة وقال
المشكلة إن فيه مستند جديد بيحاول يثبت إن حضرتك تنازلتي عن حصتك.
بصيت لكريم.
وأنا إمتى تنازلت؟
قال بسرعة
ما حصلش تنازل.
المحامي بص له.
عشان كده لازم نوضح الحقيقة.
سكت كريم.
قلت
الورقة دي كنت هوقعها ليه؟
قال
كنت خايف إن البنك يرفض الملف لو عرف إن فيه أكتر من طرف.
ضحكت بسخرية.
يعني كنت عايزني أمضي على تنازل عن فلوسي عشان تحل مشكلة أخوك؟
قال
كنت ناوي أشرحلك.
رديت فورًا
بعد ما أمضي؟
محدش رد.
سمر كانت واقفة ساكتة.
أما