جارتى زهرة الربيع

لمحة نيوز

إن محدش هيساعدني.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في آخر الملف.
كان فيه اسم المسؤول عن إخفاء الحقيقة.
اسم شخص معروف جدًا في المدينة.
الحاجة سُكينة بصت للاسم، وقالت
مستحيل...
سامح قال
للأسف... هو نفسه.
وقبل ما نكمل قراءة، سمعنا صوت سيارات توقفت أمام المبنى.
عم صابر بص من الشباك.
الشرطة وصلت.
سامح ابتسم.
يبقى خلاص... الدليل وصل لمكانه.
خرجنا من المبنى، وتم تسليم كل الملفات للجهات المختصة.
وبعد شهور من التحقيق، ظهرت الحقيقة كاملة.
سامح اتبرأ من كل الاتهامات القديمة.
والأشخاص اللي حاولوا يخفوا الأدلة اتحاسبوا.
أما الحاجة سُكينة...
فأخيرًا بقى ابنها قدامها كل يوم.
وفي صباح هادي، وأنا نازل من شقتي، لقيتها واقفة على بابها.
قالت
يا أحمد.
قلت
نعم يا حاجة؟
قالت وهي بتضحك
النهاردة مش محتاجة 15 كيلو عضم.
ضحكت وقلت
الحمد لله!
قالت
بس محتاجة منك خدمة صغيرة.
قلت
إيه؟
أشارت ناحية المطبخ.
تعالى ساعدني أنقل الصناديق دي.
دخلت وأنا بضحك.
لكن قبل ما أقفل الباب، سمعت سامح بيقول
سيبيه يا أمي، أحمد عمل أكتر من كفاية.
ابتسمت الحاجة سُكينة.
وقالت
هو مكنش مجرد جار...
وبصتلي.
ده كان السبب إن ابني رجعلي.
ساعتها فهمت إن ال كيلو عضم اللي كنت فاكرهم أغرب طلب في حياتي...
كانوا بداية واحدة من أغرب الحكايات اللي ممكن تحصل لأي إنسان.
ومن يومها، كل ما أعدي قدام محل عم صابر، يضحك ويقول
عايز 15 كيلو يا هندسة؟
وأرد عليه
لأ يا عم صابر... كفاية اللي شوفته بسببهم!
ونضحك إحنا الاتنين.
أما الحاجة سُكينة...
ففضلت كل صباح تحط كرسي قدام باب شقتها، وتستنى ابنها يرجع من شغله.
لأن بعد 18 سنة من الانتظار...
أخيرًا بقى عندها سبب حقيقي تستنى عشانه أكيد، نكملها بمفاجأة جديدة ونقفل آخر خيط في الحكاية 
عدّى حوالي شهرين على اليوم اللي رجع فيه سامح لأمه.
العمارة رجعت هادية زي الأول، لكن حياتي أنا اتغيرت تمامًا.
بقيت كل ما أشوف الحاجة سُكينة أضحك وأقول لها
الحمد لله إن موضوع ال كيلو خلص.
فترد
إنت اللي كنت فضولي يا أحمد!
وفي يوم، وأنا راجع من الكلية، لقيت ظرف صغير محطوط تحت باب شقتي.
مفيش عليه اسم.
فتحته.
جواه ورقة واحدة.
مكتوب فيها
لو عايز تعرف الحقيقة كاملة عن أول يوم اختفى فيه سامح... اسأل الحاجة سُكينة عن الصندوق الأزرق.
قلبي دق بسرعة.
جريت على شقتها.
خبطت.
فتحتلي وهي مستغربة
خير يا أحمد؟
طلعت الورقة.
أول ما شافتها، وشها اتغير.
قالت
الصندوق الأزرق...
وسكتت.
قلت
إنتِ عارفة عنه؟
قعدت على الكرسي وقالت
كنت أتمنى إن الصندوق ده يفضل مقفول للأبد.
ليه؟
بصتلي وقالت
لأن سامح نفسه مايعرفش كل اللي حصل.
سكتُّ.
يعني إيه؟
قامت من مكانها، ودخلت أوضتها.
بعد دقائق رجعت شايلة صندوق معدني صغير لونه أزرق.
حطته على الترابيزة.
كان عليه قفل قديم.
قالت
الصندوق ده كان عند أبو سامح.
فتحت القفل بمفتاح صغير.
جواه كانت فيه صور، وخطابات، ودفتر قديم.
لكن أكتر حاجة لفتت نظري كانت ورقة صفراء مكتوب في أعلاها
قبل اختفاء سامح ب ساعة.
بدأت أقرأ.
كان فيها كلام بخط سامح
لو حصل لي أي شيء، مش معنى كده إني اختفيت. الحقيقة إن الشخص اللي وثقت فيه هو اللي باع المعلومات.
بصيت للحاجة سُكينة.
مين الشخص؟
قالت
معرفناش.
قلبت الصفحة.
كان فيه اسم واحد فقط.
يوسف.
قلت
مين يوسف؟
الحاجة سُكينة قربت من الورقة.
وفجأة شهقت.
يوسف... أخو عم صابر!
اتصدمت.
أخوه؟!
هزت رأسها.
أيوه. لكن يوسف مات من سنين.
في اللحظة دي، باب الشقة اتخبط.
خبطتين فقط.
الحاجة سُكينة بصتلي.
محدش يعرف إن الصندوق ده موجود.
الخبط اتكرر.
فتحت الباب بحذر.
كان سامح واقف.
أول ما شاف الصندوق، قال
مين فتحه؟
الحاجة سُكينة قالت
أحمد.
سامح بصلي شوية، وبعدين دخل.
كان لازم أعرف إن الصندوق ظهر في يوم من الأيام.
سألته
إنت كنت تعرف عنه؟
قال
كنت أعرف إنه موجود... لكن عمري ما عرفت مكانه.
ثم أخذ الدفتر وبدأ يقلب صفحاته.
وفي آخر صفحة...
وجدنا صورة قديمة.
الصورة كانت لخمسة أشخاص أمام المعمل.
سامح.
عم صابر.
رجل ثالث.
ورجل رابع.
والخامس...
كان شابًا صغيرًا يقف بعيدًا عنهم.
سامح قرب الصورة من عينه.
وفجأة قال
مستحيل!
قلت
مين ده؟
أشار إلى الشاب.
ده يوسف.
الحاجة سُكينة قالت
بس يوسف كان وقتها شغال في المعمل؟
سامح هز رأسه.
لأ.
ثم قلب الصورة.
كان مكتوبًا خلفها
الشخص الذي دخل المعمل في الليلة التي اختفت فيها الملفات.
سكتنا جميعًا.
وفجأة فهمنا شيئًا مهمًا.
يوسف لم يكن مجرد أخو عم صابر.
كان الشخص الذي دخل المعمل في الليلة المشؤومة.
لكن السؤال الأخطر كان
ليه عم صابر خبّى الحقيقة كل السنين دي؟
وفي نفس اللحظة، رن هاتف سامح.
بص للشاشة.
وشه اتغير.
قال
الرقم ده...
قلت
مين؟
رد بصوت منخفض
رقم يوسف.
ساد الصمت.
الحاجة سُكينة قالت
بس يوسف مات!
سامح ضغط على زر الرد.
ولأول مرة منذ سنوات...
جاء صوت من الطرف الآخر
سامح... لو عايز تعرف مين كان السبب الحقيقي في اختفائك، تعالى لوحدك.
وبعدين المكالمة اتقفلت.
سامح فضل واقف مكانه.
أما أنا...
فكنت بدأت أفهم إن قصة ال كيلو عضم لم تكن إلا أول باب.
والحقيقة الحقيقية...
لسه ما ظهرتش أكيد، نكملها ونخلي الجزء ده يمهّد للنهاية بشكل أقوى 
بعد ما القضية خلصت، كنت فاكر إن الحكاية انتهت.
لكن بعد حوالي ست شهور، حصل شيء رجّع كل حاجة لنقطة البداية.
كنت راجع من الكلية، ولقيت ظرف بني صغير تحت باب شقتي.
فتحته.
جواه ورقة واحدة مكتوب عليها
أحمد... لو لسه فاكر أول كيس عضم، انزل المخزن القديم الساعة 10 بالليل.
قلبي دق بسرعة.
بصيت ناحية شقة الحاجة سُكينة.
الباب كان مقفول.
خبطت عليها.
فتحتلي، وأول ما شافت الورقة، سكتت تمامًا.
قلت
إنتِ تعرفي مين بعتها؟
قالت
لأ.
لكن واضح جدًا إنها كانت بتخبي حاجة.
دخلت شقتها، وفتحت درج قديم، وطلعت منه صورة.
قالت
الصورة دي وصلتلي من يومين.
بصيت فيها.
كانت صورة للمخزن القديم.
وفي الخلفية ظهر شيء غريب...
كيس أبيض كبير.
نفس شكل الأكياس اللي كنت بجيبها من عند الجزار.
قلت
يعني حد رجع يستخدم المخزن؟
قالت
مش عارفة.
في اللحظة دي دخل سامح.
أول ما شاف الصورة، قال
مين جابها؟
قلت
وصلت للحاجة سُكينة.
أخذها سامح، ودقق فيها.
ثم قال
الصورة دي جديدة.
سألته
إزاي عرفت؟
أشار إلى ساعة معلقة على الحائط في الصورة.
الساعة دي اتكسرت من ست شهور. الصورة اتصورت قبل ما تتكسر.
سكتنا جميعًا.
يعني الشخص اللي بعت الصورة كان موجودًا في المكان وقتها.
سامح قال
لازم نروح.
الحاجة سُكينة اعترضت
المرة دي مش هتروحوا من غير شرطة.
وبالفعل، بعد ساعة كنا واقفين أمام المخزن.
دخلنا بحذر.
المكان كان مظلم وفاضي.
لكن على الأرض...
كان فيه كيس أبيض.
سامح قرب منه، وفتحه.
جواه لم يكن عظمًا.
كان فيه عشرات الملفات.
وكل ملف عليه اسم شخص.
فتحت أول ملف.
كان اسم رجل اختفى من المدينة منذ عشرين سنة.
والملف الثاني لامرأة اختفت بعدها بعام.
والثالث لطفل فقدته أسرته في ظروف غامضة.
بصيت لسامح
إيه ده؟
قال
دي مش ملفات المعمل.
الحاجة سُكينة قربت وقالت
يبقى مين كان بيجمعها؟
وفجأة سمعنا صوتًا خلفنا
أنا.
لفينا.
كان رجل في منتصف الخمسينات واقف عند الباب.
سامح سأله
إنت مين؟
قال
اسمي خالد.
وبعدين بص للحاجة سُكينة.
وإنتِ أكيد فاكرة ابني.
الحاجة سُكينة اتجمدت.
ابنك مين؟
أخرج صورة من جيبه.
الصورة كانت لطفل صغير.
أول ما الحاجة سُكينة شافته، قالت
لا...
الرجل قال
ابني اختفى من عشرين سنة.
ثم أشار للملفات.
وأنا من يومها بدور على الحقيقة.
سامح سأله
وإيه علاقة العضم؟
خالد قال
مفيش علاقة مباشرة. أنا كنت بستخدم أكياس العضم كطريقة أخفي بيها الملفات وأوصلها لأشخاص أثق فيهم، لأن محدش كان بيفكر يفتشها.
بصيت للحاجة سُكينة.
فهمت فجأة.
طوال الفترة اللي فاتت...
العضم لم يكن هو السر.
السر الحقيقي كان الأوراق التي كانت تنتقل بداخله.
خالد قال
لكن فيه ملف واحد ناقص.
سأله سامح
ملف مين؟
خالد بص للحاجة سُكينة.
وقال
ملف ابنك.
الحاجة سُكينة سكتت.
ثم قالت
ابني موجود قدامي.
خالد هز رأسه.
أنا مش أقصد سامح.
وسحب ورقة من جيبه.
كانت تحمل اسمًا آخر.
اسم رجل كان مرتبطًا بالقضية الأولى...
لكن لم يظهر اسمه في أي تحقيق.
سامح قرأ الاسم، ووشه اتغير.
قال
مستحيل.
قلت
مين؟
سامح رفع عينيه وقال
الشخص ده...
هو آخر واحد شاف أخويا قبل ما يختفي.
ساد الصمت.
لأول مرة أعرف إن سامح كان عنده أخ آخر...
وإن حكاية ال كيلو عضم لم تكن قصة واحدة.
كانت بداية سر أكبر بكثير نكمل 
وقفت مكاني مش قادر أصدق اللي سمعته.
الحاجة سُكينة كانت بتبص ناحية آخر الممر، ووشها اتغير تمامًا.
سامح؟!
الصوت اتكرر
أيوه يا أمي... أنا سامح.
جريت ناحية الصوت، لكن الحاجة سُكينة مسكتني من إيدي وقالت
استنى يا أحمد!
وفجأة ظهر شاب من آخر الممر.
كان في أوائل الأربعينات، وشكله مرهق جدًا، ولابس هدوم بسيطة، وفي إيده حقيبة جلد قديمة.
الحاجة سُكينة فضلت واقفة مكانها كأنها مش مصدقة.
قال الشاب
سامحح؟!
ابتسم وقال
أيوه يا أمي.
قالت بصوت متقطع
إنت عايش؟
رد
عايش... بس مكنتش أقدر أرجع.
قربت منه وقالت
ليه؟ الناس قالت إنك اختفيت ومحدش عرف عنك حاجة!
بص لساعات طويلة، ثم قال
لأن اللي كنت بدور عليه كان أخطر مما توقعت.
وبصلي.
وإنت أحمد؟
هزيت رأسي.
أيوه.
قال
يبقى لازم أشكرك.
استغربت.
تشكرني على إيه؟
رفع الحقيبة اللي في إيده.
لأنك من غير ما تعرف، كنت بتساعد أمي توصل لحاجة أنا كنت محتاجها من سنين.
بصيت للحاجة سُكينة.
العضم؟
سامح هز رأسه.
أيوه.
ثم فتح الحقيبة وأخرج دفترًا قديمًا.
زمان، المعمل كان بيعمل تدريبات وأبحاث على عينات حيوانية بطريقة قانونية. لكن في آخر سنة، حصلت مخالفات خطيرة واتزورت سجلات.
قلب صفحة.
أنا اكتشفت إن فيه سجلات اتشالت من الكمبيوتر، لكن النسخ الأصلية كانت موجودة في مكان تاني.
سألته
فين؟
قال
هنا.
وأشار إلى الجدار.
أمي كانت بتحتفظ بكل حاجة تخص المعمل. وأنا طلبت منها تستمر في جمع العينات والبيانات لحد ما أقدر أرجع.
قلت
بس ليه كنت مستخبي كل السنين دي؟
سامح سكت.
ثم قال
لأن الشخص اللي كان بيحاول يمنعني من كشف الحقيقة كان عنده نفوذ كبير.
وفي اللحظة دي...
سمعنا صوت باب الحديد بيتفتح في بداية الممر.
الحاجة سُكينة قالت بسرعة
مراد!
سامح فتح الحقيبة وأخرج فلاشة صغيرة.
دي أهم حاجة.
قالت الحاجة سُكينة
لازم نخرج من هنا فورًا.
بدأنا نجري في الممر.
ورانا صوت خطوات بتقرب.
وصلنا لباب قديم في نهاية الممر.
سامح فتحه.
خرجنا في شارع جانبي خلف العمارة.
لكن أول ما خرجنا...
وقف قدامنا رجل.
كان مراد.
بص لسامح، وبعدين للحاجة سُكينة، وقال
كنت عارف إنك هترجع في يوم.
سامح وقف قدامه.
وأنا كنت عارف إنك هتفضل تدور ورايا.
مراد قال
مش كل اللي حصل كان زي ما إنت فاكر.
سامح رد
عارف.
وسحب الفلاشة من جيبه.
وعشان كده جبت الدليل.
مراد اتوتر.
إنت مش فاهم اللي هتعمله.
سامح قال
لأ... المرة دي فاهم كويس.
وفجأة ظهرت عربيتين في آخر الشارع.
نزل منهما رجال شرطة.
اتصدمت.
إنت بلغت الشرطة؟
سامح ابتسم.
من ساعة ما رجعت.
مراد حاول يتحرك، لكن الضباط أوقفوه.
وبعد دقائق، انتهى كل شيء.
لكن قبل ما نمشي، سامح رجع للحاجة سُكينة.
قال لها
سامحيني يا أمي.
قالت
أنا كل السنين دي كنت مستنية يوم أسمع صوتك بس.
وبعدها بصتلي وقالت
وأنت يا أحمد... لو مكنتش سألت عن كيس العضم، كان ممكن الحقيقة تفضل مستخبية سنين تانية.
ضحكت لأول مرة من أيام.
قلت
يعني كل اللي حصل ده بدأ ب كيلو عضم؟
الحاجة سُكينة ابتسمت وقالت
أحيانًا يا ابني... أغرب الأسرار بتبدأ بأبسط حاجة.
لكن وأنا ماشي، بصيت للحقيبة اللي كانت مع سامح.
كان فيها دفتر قديم.
وفوق الدفتر صورة لخمسة أشخاص.
ثلاثة منهم كانوا معروفين بالنسبة لي...
لكن الشخص الرابع...
كان الجزار اللي كل يوم كنت باخد منه العضم.
وقتها فهمت إن الحكاية لسه مخلصتش أكيد، دي النهاية بشكل مشوّق ومقفولة، ومن غير خيانة أو مشاهد غير مناسبة
الباب اتفتح ببطء...
وظهر راجل في أواخر الخمسينات، ماسك ملف بني قديم.
أول ما شاف سامح، وقف مكانه.
وسامح أول ما شافه، قال
تم نسخ الرابط