جارتى زهرة الربيع

لمحة نيوز

الست سُكينة وكيس العضم
الكتابة
أنا أحمد، عندي 23 سنة، وبدرس في كلية الهندسة في محافظة بعيدة عن أهلي.
عشان أوفّر في المصاريف، استأجرت شقة صغيرة في عمارة قديمة، إيجارها قليل والعمارة هادية بشكل غريب. أغلب الشقق كانت مقفولة، والسكان قليلين.
لكن أكتر واحدة لفتت نظري كانت جارتي اللي ساكنة قدامي...
الحاجة سُكينة.
ست كبيرة عندها حوالي 80 سنة، هادية جدًا، وكلامها قليل، لكن معاملتها كانت طيبة. من أول يوم عرفتني فيه، كانت بتعاملني كأني واحد من أولادها.
كنت ساعات أقعد معاها قدام باب شقتها، وهي تحكيلي عن أيام زمان، وعن جوزها اللي توفى من سنين، وعن ابنها الوحيد اللي سافر ومبقاش ييجي غير على فترات متباعدة.
وفي يوم الصبح، الباب خبط.
فتحت، لقيت الحاجة سُكينة واقفة وفي إيدها فلوس.
قالت
يا أحمد يا ابني، معلش هتعبك معايا... روح هاتلي 15 كيلو عضم من عند الجزار اللي في أول الشارع.
بصيتلها باستغراب.
15 كيلو؟! عضم؟!
هزت راسها وقالت بهدوء
أيوه يا ابني... محتاجاه.
ضحكت وقلت
بس يا حاجة، إنتِ هتعملي إيه بكل الكمية دي؟
سكتت ثواني، وبعدين قالت
لما ييجي وقته هتعرف.
الكلمة دي خلتني أضحك أكتر.
نزلت وجبت العضم، وطلعتلها الكيس.
ومن اليوم ده...
بقى الموضوع عادة يومية.
كل صباح، في نفس الميعاد تقريبًا، الحاجة سُكينة تفتح الباب، تديني الفلوس، وأنا أنزل أجيب 15 كيلو عضم.
وفي كل مرة كانت تاخده مني بسرعة، وتقفل الباب.
مر أسبوع.
وبعدين أسبوع تاني.
لحد ما الجزار نفسه بدأ يستغرب.
وفي يوم، وهو بيجهز الطلب، بصلي وقال
يا أحمد، هو إنت بتعمل إيه بكل العضم ده؟
قلتله
والله يا معلم، أنا مجرد بجيبه للحاجة سُكينة جارتي.
رفع حاجبه وقال
الحاجة سُكينة؟! دي عايشة لوحدها، صح؟
أيوه.
وعندها كلاب؟
هزيت راسي.
لأ.
قال باستغراب
يبقى العضم ده بيروح فين؟
رجعت البيت وأنا لأول مرة حاسس إن الموضوع مش طبيعي.
دخلت شقتي وقعدت على السرير.
خمستاشر كيلو كل يوم!
يعني في الشهر مئات الكيلوات.
ست عندها 80 سنة، عايشة لوحدها، ومفيش عندها حيوان واحد.
طب بتعمل إيه بالعضم؟
وتاني يوم...
قررت أعرف.
لما جبت الكيس، وقفت قدام بابها وقلت
معلش يا حاجة سُكينة، ممكن أشرب كباية مية؟
ابتسمت وقالت
ادخل يا ابني، المية موجودة.
دخلت.
وأول ما دخلت المطبخ، لقيتها بتتحرك ببطء ناحية الممر.
كنت واقف بعيد، لكني لاحظت إنها ماسكة كيس العضم ورايحة ناحية باب صغير في آخر الشقة.
الباب ده عمري ما شوفته مفتوح.
وفجأة...
طلعت مفتاح قديم من جيب جلابيتها.
وقفت قدام الباب.
بصت حواليها.
وبعدين فتحته.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
الباب اتفتح شوية...
وظهر قدامي ممر ضيق نازل لتحت.
اتصدمت.
أنا طول عمري فاكر إن الشقة دي دور أرضي عادي، ومفيش أي مكان تحتها.
لكن الحاجة سُكينة نزلت أول درجة وهي شايلة الكيس.
وبعدها اختفت عن نظري.
فضلت واقف مكاني ثواني.
وبعدين نزلت وراها بهدوء.
كل درجة كنت بنزلها، كان صوت غريب بيقرب.
مش صوت حيوان...
ولا صوت إنسان.
كان صوت أدوات معدنية بتتحرك.
وصلت لآخر السلم.
لقيت أوضة واسعة تحت الأرض.
والحاجة سُكينة كانت واقفة قدام ترابيزة كبيرة.
لكن اللي شوفته على الترابيزة...
خلاني أتجمد مكاني.
كان فيه عشرات الأكياس الصغيرة، وكل كيس عليه اسم وتاريخ.
والأغرب...
إن الأسماء دي كانت لأشخاص اختفوا من سنين!
قربت خطوة.
وفجأة سمعت صوت الحاجة سُكينة ورايا
كنت عارفة إنك هتنزل في يوم.
اتجمدت.
لفيت ببطء.
كانت واقفة عند أول السلم، وشكلها مختلف تمامًا عن الست الهادية اللي أعرفها.
قالت
بس قبل ما تحكم عليا يا أحمد... لازم تعرف الحقيقة.
وبعدين أشارت للترابيزة وقالت
العضم اللي إنت بتجيبهولي كل يوم مش عشان أطبخه...
سكتت لحظة.
وقالت
أنا بستخدمه عشان أساعد ناس محدش بيدور عليهم.
بصيتلها بعدم فهم.
يعني إيه؟
راحت ناحية أحد الأكياس، وفتحته.
جواه كان فيه ملف قديم وصورة لرجل في منتصف العمر.
قالت
الراجل ده مات من 18 سنة... وأهله لحد النهارده فاكرينه هرب وسابهم.
فتحت ملف تاني.
والست دي ماتت من غير ما حد يعرف اسمها الحقيقي.
وبعدين بصتلي وقالت
وأنا بقالي 30 سنة بجمع الأدلة اللي تثبت مين دول... عشان أهلهم يعرفوا الحقيقة.
قلت وأنا مش مستوعب
طب والعضم؟
ردت
دي قصة تانية يا أحمد... وهي أخطر حاجة في المكان كله.
وفجأة...
سمعنا صوت طرقات قوية فوقنا.
ثلاث خبطات.
وبعدين صوت رجل بيقول
يا حاجة سُكينة... افتحي الباب.
الحاجة سُكينة وشها اتغير.
وبصتلي وقالت بصوت منخفض
متطلعش فوق.
ليه؟
قالت
لأن الشخص اللي فوق... هو السبب الحقيقي إني بجيب العضم كل يوم.
وساعتها...
انطفى النور.
ودخلنا في ظلام تام فضلت واقف في الضلمة، مش قادر أتحرك.
صوت الخبط فوقنا اتكرر.
ثلاث خبطات...
وبعدين صوت الرجل
يا حاجة سُكينة... أنا عارف إنك جوه.
الحاجة سُكينة قربت مني وقالت بهمس
متطلعش صوت.
قلت لها
مين ده؟
ردت
اسمه مراد... وكان شغال مع ابني زمان.
سألتها
وابنك فين؟
سكتت.
وبعدين قالت
ابني هو أول واحد حاول يكشف الحقيقة... ومن يومها اختفى.
فجأة سمعنا صوت المفتاح فوق.
حد كان بيحاول يفتح باب الشقة.
الحاجة سُكينة فتحت درج صغير في الحائط، وطلعت منه كشاف قديم.
نورته على الأرض.
لقيت باب حديد صغير جدًا، تقريبًا مخفي تحت سجادة.
قالت
ادخل.
دخلت وأنا مش فاهم حاجة.
دخلت ورايا وقفلت الباب.
بعد ثواني، سمعنا خطوات فوقنا.
الباب الرئيسي للشقة اتفتح.
وصوت الرجل قال
سُكينة!
مفيش رد.
مشي في الصالة.
وبعدين دخل المطبخ.
كنت سامع كل خطوة كأنها فوق رأسي.
الحاجة سُكينة كانت واقفة جنبي وبتشاورلي أسكت.
بعد دقائق طويلة، الخطوات بدأت تبعد.
وبعدين سمعنا باب الشقة بيتقفل.
استنيت شوية وقلت
مشي؟
قالت
أيوه... لكن هييجي تاني.
خرجنا من المكان السري.
الحاجة سُكينة رجعت للأوضة، وفتحت صندوق خشب قديم.
طلعت منه مجموعة صور.
في أول صورة كان شاب صغير.
قالت
ده ابني، سامح.
قلبت الصورة.
ودي آخر صورة اتصورت له قبل ما يختفي.
قلت
اختفى إزاي؟
قالت
كان شغال في معمل أبحاث تابع لشركة كبيرة. اكتشف إن فيه ناس بتزوّر تقارير وتحاول تخفي حوادث حصلت جوه المصنع.
وعمل إيه؟
جمع مستندات وأدلة.
وبعدين رفعت عينيها لي.
وبعدها اختفى.
سألتها
والعضم اللي أنا بجيبه كل يوم؟
فتحت باب تاني في الأوضة.
دخلنا.
كان فيه جهاز غريب، وأكياس، وأدوات معملية قديمة.
قالت
أنا مش بستخدم العضم زي ما إنت فاكر.
وبعدين شرحتلي إن العضم كان جزءًا من تجارب تعليمية وبحثية كانت بتعملها بشكل قانوني زمان، قبل ما المعمل يقفل. كانت بتستخدمه في تدريب طلاب وباحثين على طرق حفظ وفحص العينات، وبتحتفظ بسجلات دقيقة لكل عينة.
لكن ليه كل الكمية؟
أشارت إلى عشرات الصناديق.
لأن سامح قبل اختفائه خبّى أهم دليل هنا.
فتحت صندوقًا.
كان فاضيًا.
قالت
ومن يوم اختفائه وأنا بدور عليه.
قلت
طب وإيه علاقة مراد؟
وشها اتغير.
مراد كان أقرب واحد لسامح في الشغل.
يعني هو اللي اختفى ابنك؟
مش عارفة.
سكتت لحظة، ثم قالت
لكني عارفة حاجة واحدة...
رفعت صورة قديمة لمراد.
سامح قبل ما يختفي بيوم واحد، كتب اسمه في آخر صفحة من دفتره.
وقبل ما أسألها أي سؤال...
سمعنا صوت تكسير من فوق.
مراد رجع.
لكن المرة دي...
كان معاه شخص تاني.
الحاجة سُكينة بسرعة قفلت الصندوق وقالت
أحمد، لازم تمشي من هنا.
قلت
إزاي؟
قالت
فيه مخرج تاني من تحت الأرض.
فتحت بابًا صغيرًا خلف رف قديم.
ظهر ممر ضيق ممتد تحت العمارة.
وقبل ما ندخل، لمحت ورقة واقعة على الأرض.
رفعتها.
وكان مكتوب عليها بخط واضح
لو أحمد وصل للمكان ده... يبقى سُكينة أخيرًا وثقت في حد.
اتجمدت.
وبصيت للحاجة سُكينة.
إيه ده؟
قالت وهي مصدومة
الخط ده...
وسكتت.
قلت
خط مين؟
ردت بصوت مرتعش
خط ابني سامح.
وفي نفس اللحظة...
جاءنا صوت من آخر الممر
أحمد!
كان صوت شاب.
وصوت الحاجة سُكينة خرج منه لأول مرة من سنين
سامح؟!نكمل 
وقفت مكاني مش قادر أصدق اللي سمعته.
الحاجة سُكينة كانت بتبص ناحية آخر الممر، ووشها اتغير تمامًا.
سامح؟!
الصوت اتكرر
أيوه يا أمي... أنا سامح.
جريت ناحية الصوت، لكن الحاجة سُكينة مسكتني من إيدي وقالت
استنى يا أحمد!
وفجأة ظهر شاب من آخر الممر.
كان في أوائل الأربعينات، وشكله مرهق جدًا، ولابس هدوم بسيطة، وفي إيده حقيبة جلد قديمة.
الحاجة سُكينة فضلت واقفة مكانها كأنها مش مصدقة.
قال الشاب
سامحح؟!
ابتسم وقال
أيوه يا أمي.
قالت بصوت متقطع
إنت عايش؟
رد
عايش... بس مكنتش أقدر أرجع.
قربت منه وقالت
ليه؟ الناس قالت إنك اختفيت ومحدش عرف عنك حاجة!
بص لساعات طويلة، ثم قال
لأن اللي كنت بدور عليه كان أخطر مما توقعت.
وبصلي.
وإنت أحمد؟
هزيت رأسي.
أيوه.
قال
يبقى لازم أشكرك.
استغربت.
تشكرني على إيه؟
رفع الحقيبة اللي في إيده.
لأنك من غير ما تعرف، كنت بتساعد أمي توصل لحاجة أنا كنت محتاجها من سنين.
بصيت للحاجة سُكينة.
العضم؟
سامح هز رأسه.
أيوه.
ثم فتح الحقيبة وأخرج دفترًا قديمًا.
زمان، المعمل كان بيعمل تدريبات وأبحاث على عينات حيوانية بطريقة قانونية. لكن في آخر سنة، حصلت مخالفات خطيرة واتزورت سجلات.
قلب صفحة.
أنا اكتشفت إن فيه سجلات اتشالت من الكمبيوتر، لكن النسخ الأصلية كانت موجودة في مكان تاني.
سألته
فين؟
قال
هنا.
وأشار إلى الجدار.
أمي كانت بتحتفظ بكل حاجة تخص المعمل. وأنا طلبت منها تستمر في جمع العينات والبيانات لحد ما أقدر أرجع.
قلت
بس ليه كنت مستخبي كل السنين دي؟
سامح سكت.
ثم قال
لأن الشخص اللي كان بيحاول يمنعني من كشف الحقيقة كان عنده نفوذ كبير.
وفي اللحظة دي...
سمعنا صوت باب الحديد بيتفتح في بداية الممر.
الحاجة سُكينة قالت بسرعة
مراد!
سامح فتح الحقيبة وأخرج فلاشة صغيرة.
دي أهم حاجة.
قالت الحاجة سُكينة
لازم نخرج من هنا فورًا.
بدأنا نجري في الممر.
ورانا صوت خطوات بتقرب.
وصلنا لباب قديم في نهاية الممر.
سامح فتحه.
خرجنا في شارع جانبي خلف العمارة.
لكن أول ما خرجنا...
وقف قدامنا رجل.
كان مراد.
بص لسامح، وبعدين للحاجة سُكينة، وقال
كنت عارف إنك هترجع في يوم.
سامح وقف قدامه.
وأنا كنت عارف إنك هتفضل تدور ورايا.
مراد قال
مش كل اللي حصل كان زي ما إنت فاكر.
سامح رد
عارف.
وسحب الفلاشة من جيبه.
وعشان كده جبت الدليل.
مراد اتوتر.
إنت مش فاهم اللي هتعمله.
سامح قال
لأ... المرة دي فاهم كويس.
وفجأة ظهرت عربيتين في آخر الشارع.
نزل منهما رجال شرطة.
اتصدمت.
إنت بلغت الشرطة؟
سامح ابتسم.
من ساعة ما رجعت.
مراد حاول يتحرك، لكن الضباط أوقفوه.
وبعد دقائق، انتهى كل شيء.
لكن قبل ما نمشي، سامح رجع للحاجة سُكينة.
قال لها
سامحيني يا أمي.
قالت
أنا كل السنين دي كنت مستنية يوم أسمع صوتك بس.
وبعدها بصتلي وقالت
وأنت يا أحمد... لو مكنتش سألت عن كيس العضم، كان ممكن الحقيقة تفضل مستخبية سنين تانية.
ضحكت لأول مرة من أيام.
قلت
يعني كل اللي حصل ده بدأ ب كيلو عضم؟
الحاجة سُكينة ابتسمت وقالت
أحيانًا يا ابني... أغرب الأسرار بتبدأ بأبسط حاجة.
لكن وأنا ماشي، بصيت للحقيبة اللي كانت مع سامح.
كان فيها دفتر قديم.
وفوق الدفتر صورة لخمسة أشخاص.
ثلاثة منهم كانوا معروفين بالنسبة لي...
لكن الشخص الرابع...
كان الجزار اللي كل يوم كنت باخد منه العضم.
وقتها فهمت إن الحكاية لسه مخلصتش أكيد، نكملها بمفاجأة جديدة ونقفل آخر خيط في الحكاية 
عدّى حوالي شهرين على اليوم اللي رجع فيه سامح لأمه.
العمارة رجعت هادية زي الأول، لكن حياتي أنا اتغيرت تمامًا.
بقيت كل ما أشوف الحاجة سُكينة أضحك وأقول لها
الحمد لله إن موضوع ال كيلو خلص.
فترد
إنت اللي كنت فضولي يا أحمد!
وفي يوم، وأنا راجع من الكلية، لقيت ظرف صغير محطوط تحت باب شقتي.
مفيش عليه اسم.
فتحته.
جواه ورقة واحدة.
مكتوب فيها
لو عايز تعرف الحقيقة كاملة عن أول يوم اختفى فيه سامح... اسأل الحاجة سُكينة عن الصندوق الأزرق.
قلبي دق بسرعة.
جريت على شقتها.
خبطت.
فتحتلي وهي مستغربة
خير يا أحمد؟
طلعت الورقة.
أول ما شافتها، وشها اتغير.
قالت
الصندوق الأزرق...
وسكتت.
قلت
إنتِ

تم نسخ الرابط