سوسن كان عندها 8سنين
— أعرفه.
ثم أضاف:
— كان رجلًا شديد الدقة، وكان يحتفظ بكل الأوراق.
سوسن سألت:
— هل تعرف لماذا غيّر عنواني؟
الرجل هز رأسه.
— لا.
ثم صمت قليلًا وقال:
— لكني أعرف شخصًا كان قريبًا منه.
دلهم على بيت قديم.
ذهبوا إليه.
كان رجلًا مسنًا جدًا.
عندما سمع اسم الموظف، قال:
— كنت أعرفه.
حمدان سأله:
— ليه غيّر عنوان بنتنا؟
الرجل نظر إلى سوسن.
ثم قال:
— لأنه كان يعتقد أن الاسم الموجود في البلاغ غير صحيح.
سوسن قالت:
— اسمي؟
— لأ.
ثم أشار إلى اسم والدها.
— كان شاكك إن البيانات اللي اتقالت في البداية فيها خطأ.
حمدان استغرب.
— بياناتي أنا؟
— أيوه.
سوسن قالت:
— طب ليه ما اتصلش بالعيلة؟
الرجل قال:
— حاول.
— وإيه اللي حصل؟
— ما قدرش يوصل لكم.
حمدان سأله:
— وبعدها؟
— لما عرف إن طفلة بنفس المواصفات موجودة في بيت أسرة أخرى، قرر ينتظر لحد ما يتأكد.
سوسن قالت:
— واتأكد إزاي؟
الرجل ابتسم بحزن.
— هنا المشكلة.
— إيه المشكلة؟
— هو مات قبل ما يكمل التحقيق.
ساد الصمت.
لكن الرجل أضاف:
— قبل وفاته بيوم واحد، سلّمني ورقة وقال لي: "لو أهل البنت ظهروا يومًا، سلّمها لهم."
ثم دخل إلى غرفة صغيرة.
وعاد بصندوق.
فتح الصندوق.
كان بداخله ملف قديم.
أعطاه لحمدان.
فتح حمدان الملف.
كانت فيه صورة سوسن وهي طفلة.
لكن الصورة لم تكن من محطة القطار.
كانت صورة لها وهي داخل البيت الذي عاشت فيه بعد اختفائها.
سوسن نظرت إلى الصورة.
وقالت:
— مين اللي صورني؟
الرجل قال:
— الموظف.
حمدان اتصدم.
— يعني كان وصل للبيت؟
— أيوه.
— وإمتى؟
— بعد اختفائك بفترة قصيرة.
سوسن قالت:
— طب ليه ما أخدنيش ورجعني؟
الرجل قال:
— لأنه لم يكن متأكدًا أنك سوسن.
ثم أخرج ورقة أخرى.
كانت فيها ملاحظات عن شكل الطفلة، وعلامة صغيرة في يدها.
سوسن نظرت إلى يدها.
وكانت العلامة ما زالت موجودة.
قالت:
— دي العلامة اللي عندي!
حمدان نظر إليها.
وهنا فهموا أن الموظف كان بالفعل قد وصل إلى الطفلة، ورآها، ووصف العلامة التي كانت في يدها.
لكن لماذا لم يعلن أنها سوسن؟
قلبوا آخر صفحة.
وكانت فيها جملة واحدة:
"الطفلة تحمل علامة تطابق وصف البلاغ، لكنني لم أستطع إثبات هويتها أمام المسؤولين."
سوسن قالت:
— يعني كنت قريبة جدًا من الرجوع.
حمدان رد:
— أيوه.
ثم قالت:
— لكن فيه حاجة مش فاهمها.
— إيه؟
— ليه حد غيّر العنوان أصلًا؟
هنا الرجل المسن نظر إليها وقال:
— لأن العنوان لم يكن عنوان بيت الأسرة التي كانت تربيك.
سوسن اتصدمت.
— أمال كان عنوان مين؟
الرجل سكت.
ثم قال:
— عنوان شخص آخر.
حمدان سأله:
— مين؟
الرجل فتح ورقة قديمة.
ثم قال:
— شخص كان يعيش بالقرب من المحطة.
سوسن قالت:
— وهل له علاقة باختفائي؟
الرجل لم يجب.
لكنه أشار إلى اسم مكتوب في الورقة.
حمدان قرأ الاسم…
ثم تغير وجهه تمامًا.
لأن الاسم كان لشخص يعرفه.
شخص كان موجودًا في المحطة ليلة اختفاء سوسن.
والأغرب…
أن هذا الشخص لم يكن راكبًا في القطار.
كان واقفًا على الرصيف…
ويراقب العائلة منذ لحظة وصولهم.
سوسن سألت:
— بابا… إنت تعرفه؟
حمدان ظل صامتًا.
ثم قال:
— أيوه.
— مين هو؟
نظر إليها وقال:
— الشخص ده كان أول واحد عرض علينا يساعدنا في السفر.
وهنا بدأ يظهر احتمال مخيف:
ربما لم يكن اختفاء سوسن مجرد حادث عشوائي…
وربما كان هناك شخص لاحظ العائلة قبل تحرك القطار، ثم عرف بالضبط أين كانوا ذاهبين.
لكن هل كان هذا الشخص وراء تغيير العنوان؟
ولماذا كان يراقبهم من البداية؟مرت سنوات بعد رجوع سوسن لعائلتها، لكن قصتها لم تنتهِ عند لحظة اللقاء.
كانت سوسن كلما تذكرت طفولتها، تتساءل عن شيء واحد:
لماذا بقيت بعض الأوراق مخفية كل هذه السنوات؟
وفي يوم، وبينما كانت تراجع المستندات القديمة التي جمعها والدها، وجدت ورقة لم ترها من قبل.
كانت ورقة صغيرة، مطوية بعناية، وعلى طرفها ختم قديم لمحطة القطار.
فتحتها.
كان مكتوبًا فيها:
"تم العثور على الطفلة، ولكن لم يتم تسليمها إلى ذويها."
سوسن قرأت الجملة أكثر من مرة.
ثم أسرعت إلى والدها.
— بابا… إنت شفت الورقة دي قبل كده؟
أخذ حمدان الورقة.
وبمجرد أن قرأها، تغير وجهه.
— لأ.
— بس الورقة دي عليها تاريخ بعد اختفائي بيوم واحد.
ظل حمدان صامتًا.
قالت سوسن:
— يعني حد عرف إني موجودة بعد يوم واحد بس!
هز رأسه.
— أيوه.
— طب ليه ما حدش بلغنا؟
لم يجد حمدان إجابة.
قرروا الرجوع إلى المحطة القديمة مرة أخرى.
وهناك، التقوا برجل مسن كان يعمل في السكك الحديدية.
عرضوا عليه صورة الورقة.
ظل ينظر إليها طويلًا.
ثم قال:
— الختم ده أعرفه.
سأله حمدان:
— معناه إيه؟
قال:
— معناه إن البلاغ دخل السجل الرسمي.
سوسن قالت:
— يعني كان المفروض أهلي يعرفوا؟
— أكيد.
— طب مين استلم البلاغ؟
الرجل أشار إلى خانة صغيرة أسفل الورقة.
— هنا اسم الموظف.
نظر الجميع إلى الاسم.
كان اسمًا لم يسمعوه من قبل.
لكن الرجل العجوز قال:
— أنا فاكر الشخص ده.
سأله حمدان:
— كان بيشتغل فين؟
— في مكتب تسجيل المفقودات.
— وهل كان موجود يوم اختفاء سوسن؟
— أيوه.
سوسن شعرت بأن لغز السنوات الماضية بدأ يتكشف من جديد.
بحثوا عن الرجل.
وبعد وقت طويل، وجدوا عنوانًا قديمًا لعائلته.
ذهبوا إلى المكان.
لكن الرجل كان قد توفي.
ترك خلفه ابنًا يعيش في نفس البيت.
عندما سمع الابن اسم سوسن، دخل إلى غرفة قديمة.
وبعد دقائق عاد بصندوق خشبي.
وقال:
— أبويا كان محتفظ بالحاجات دي.
فتح الصندوق.
كانت بداخله دفاتر قديمة، وأوراق، وصور لمحطات وقطارات.
ثم أخرج ملفًا صغيرًا.
كان مكتوبًا عليه:
"الطفلة سوسن عبيد الطاهر."
تجمد الجميع.
حمدان أمسك الملف بيد مرتعشة.
فتح الصفحة الأولى.
وجد معلومات دقيقة عن سوسن.
اسمها.
عمرها.
اسم والدها.
اسم والدتها.
المحطة التي اختفت منها.
ثم وصل إلى الصفحة الأخيرة.
وكانت فيها جملة واحدة:
"تم التعرف على مكان الطفلة."
سوسن قالت:
— يعني هو كان عارف مكاني؟
ابن الرجل قال:
— الظاهر كده.
— طب فين باقي الورق؟
الرجل هز رأسه.
— ده كل اللي لقيته.
لكن سوسن لاحظت شيئًا.
كان هناك مكان واضح لصفحة مفقودة.
قالت:
— الصفحة دي اتشالت.
ابن الرجل نظر إلى الملف.
— فعلًا.
حمدان سأله:
— إنت تعرف عنها حاجة؟
قال:
— لأ.
ثم سكت قليلًا.
وأضاف:
— بس أبويا قبل وفاته كان دايمًا يقول جملة غريبة.
— كان بيقول إيه؟
— "أنا ضيعت فرصة إصلاح أكبر غلطة في حياتي."
سوسن ظلت ساكتة.
ثم قالت:
— يمكن الصفحة المفقودة هي اللي فيها الحقيقة.
بدأوا يبحثون عن النسخة القديمة من السجلات.
وبعد عدة محاولات، وصلوا إلى أرشيف قديم.
وهناك كانت المفاجأة.
وجدوا نسخة أخرى من الملف.
لكن الصفحة المفقودة كانت موجودة.
فتحها حمدان.
قرأ أول سطر.
ثم توقف.
سوسن سألت:
— مكتوب إيه؟
حمدان لم يرد.
أخذت الورقة منه.
وكان مكتوبًا:
"تم إبلاغ أحد أقارب الطفلة بوجودها."
سوسن شهقت.
— قريب؟
وتحت الجملة كان هناك اسم.
اسم رجل من أقارب العائلة.
شخص كانت سوسن تعرفه جيدًا قبل اختفائها.
حمدان أمسك رأسه.
— مستحيل…
سوسن قالت:
— مين؟
رفع حمدان عينيه إليها.
وقال:
— أخو والدتك.
ثم أضاف:
— الشخص ده كان أول واحد سأل عنه والدتك بعد اختفائك.
سوسن شعرت أن الأرض تهتز تحت قدميها.
لأن هذا يعني أن شخصًا من العائلة ربما كان قد عرف أن سوسن عُثر عليها…
لكن السؤال ظل:
هل كان يعرف مكانها فعلًا؟
أم أنه تلقى مجرد معلومة ولم يفهم أنها تخص سوسن؟
قرروا البحث عنه.
لكنهم اكتشفوا أن الرجل توفي منذ سنوات طويلة.
ومع ذلك، كان له ابن ما زال يعيش في نفس المدينة.
ذهبوا إليه.
وعندما سمع سبب الزيارة، قال:
— أبويا كان بيحكي عن بنت ضاعت من عيلتنا.
سوسن قالت:
— وإيه اللي قاله عني؟
الرجل أجاب:
— قال إنكم كنتوا بتدوروا عليها، وإنه وصلته معلومة إنها اتلاقت.
حمدان سأله:
— وإيه اللي عمله؟
الرجل سكت.
ثم قال:
— قال إنه حاول يرجعها.
سوسن سألت:
— حاول إزاي؟
رد:
— راح للمحطة.
— وبعدها؟
— قال إن المسؤول أخبره إن الطفلة غادرت مع أسرة أخرى، وإنهم سيحاولون التواصل معها.
حمدان قال:
— يعني هو كان فاكر إن الموضوع بيتحل؟
— أيوه.
سوسن سكتت.
فجأة فهمت شيئًا.
لم يكن هناك شخص واحد تعمد إخفاء الحقيقة.
كانت هناك سلسلة من الأخطاء…
كل شخص ظن أن شخصًا آخر سيتصرف.
وفي النهاية…
مرت السنوات.
وبينما كانت سوسن تستوعب الحقيقة، أخرج الرجل صندوقًا صغيرًا من دولاب قديم.
قال:
— أبويا ترك ده.
فتحه.
كان بداخله شيء واحد فقط.
ورقة قديمة.
وفي أسفلها توقيع والد سوسن.
سوسن نظرت إليها.
ثم قالت:
— دي مش ورقة من المحطة…
حمدان نظر إليها.
— أمال إيه؟
قالت:
— دي رسالة كان بابا كاتبها ليا.
وكانت الرسالة مؤرخة بعد اختفائها بأيام قليلة.
وفي أول سطر منها:
"يا سوسن… لو وصلتك الرسالة دي يومًا، اعرفي إننا ما وقفناش عن البحث عنك."
سوسن ظلت تقرأ الرسالة بصمت.
لكن في آخرها كانت هناك جملة جعلتها تتوقف تمامًا:
"ولو عرفتي يومًا إن حد قال لك إننا نسيناك… ما تصدقيهوش."
رفعت سوسن عينيها.
لأن السؤال لم يعد:
أين كانت سوسن؟
السؤال أصبح:
من الذي حاول إقناع الجميع أن البحث عنها انتهى؟ظل حمدان ماسك الورقة، وعينه على المكان اللي اتمسح فيه الاسم.
قال:
— لازم نلاقي النسخة التانية.
بدأوا يسألوا عن أوراق الرجل القديمة.
وبعد بحث طويل، عرفوا إن الرجل كان له صندوق أمانات قديم، انتقلت محتوياته لأحد أقاربه بعد وفاته.
ذهبوا إليه.
وبعد ساعات من البحث، وجدوا ظرفًا بنيًا صغيرًا.
كان عليه تاريخ قديم جدًا.
فتح حمدان الظرف.
وفي داخله كانت النسخة الثانية من الرسالة.
سوسن اقتربت منه.
قالت:
— اقرأها.
بدأ حمدان القراءة.
وفي نهاية الرسالة ظهر الاسم كاملًا.
ظل صامتًا.
سوسن سألته:
— مين؟
رفع حمدان رأسه.
وقال:
— موظف كان مسؤول عن تسجيل البلاغات في المحطة.
سوسن لم تفهم.
— هو اللي غيّر العنوان؟
حمدان قال:
— الرسالة بتقول إنه كان الشخص الوحيد اللي عنده النسخة الأصلية من العنوان.
لكن كان هناك شيء أغرب.
أسفل الاسم كتب الرجل:
"لم أفهم سبب تغييره للعنوان إلا بعد سنوات."
سوسن قالت:
— وبعد سنوات عرف إيه؟
قلب حمدان الصفحة.
كان هناك سطر آخر:
"الرجل لم يكن يريد أخذ الطفلة، لكنه كان يخشى أن تصل إلى أهلها قبل أن يتأكد من شيء."
حمدان قال:
— يتأكد من إيه؟
لم تكن هناك إجابة.
لكن مع الرسالة كانت هناك ورقة صغيرة عليها اسم قرية.
قرروا السفر إليها.
كانت القرية بعيدة، والناس فيها قليلون.
سألوا عن اسم الموظف.
أحد كبار السن قال:
— أعرفه.
ثم أضاف:
— كان رجلًا شديد الدقة، وكان يحتفظ بكل الأوراق.
سوسن سألت:
— هل تعرف لماذا غيّر عنواني؟
الرجل هز رأسه.
— لا.
ثم صمت قليلًا وقال:
— لكني أعرف شخصًا كان قريبًا منه.
دلهم على بيت قديم.
ذهبوا إليه.
كان رجلًا مسنًا جدًا.
عندما سمع اسم الموظف، قال:
— كنت أعرفه.
حمدان سأله:
— ليه غيّر عنوان بنتنا؟
الرجل نظر إلى سوسن.
ثم قال:
— لأنه كان يعتقد أن الاسم الموجود في البلاغ غير صحيح.
سوسن قالت:
— اسمي؟
— لأ.
ثم أشار إلى اسم والدها.
— كان شاكك إن البيانات اللي اتقالت في البداية فيها خطأ.
حمدان استغرب.
— بياناتي أنا؟
— أيوه.
سوسن قالت:
— طب ليه ما اتصلش بالعيلة؟
الرجل قال:
— حاول.
— وإيه اللي حصل؟
— ما قدرش يوصل لكم.
حمدان سأله:
— وبعدها؟
— لما عرف إن طفلة بنفس المواصفات موجودة في بيت أسرة أخرى، قرر ينتظر لحد ما يتأكد.
سوسن قالت:
— واتأكد إزاي؟
الرجل ابتسم بحزن.
— هنا المشكلة.
— إيه المشكلة؟
— هو مات قبل ما يكمل التحقيق.
ساد الصمت.
لكن الرجل أضاف:
— قبل وفاته بيوم واحد، سلّمني ورقة وقال لي: "لو أهل البنت ظهروا يومًا، سلّمها لهم."
ثم دخل إلى غرفة صغيرة.
وعاد بصندوق.
فتح الصندوق.
كان بداخله ملف قديم.
أعطاه لحمدان.
فتح حمدان الملف.
كانت فيه صورة سوسن وهي طفلة.
لكن الصورة لم تكن من محطة القطار.
كانت صورة لها وهي داخل البيت الذي عاشت فيه بعد اختفائها.
سوسن نظرت إلى الصورة.
وقالت:
— مين اللي صورني؟
الرجل قال:
— الموظف.
حمدان اتصدم.
— يعني كان وصل للبيت؟
— أيوه.
— وإمتى؟
— بعد اختفائك بفترة قصيرة.
سوسن قالت:
— طب ليه ما أخدنيش ورجعني؟
الرجل قال:
— لأنه لم يكن متأكدًا أنك سوسن.
ثم أخرج ورقة أخرى.
كانت فيها ملاحظات عن شكل الطفلة، وعلامة صغيرة في يدها.
سوسن نظرت إلى يدها.
وكانت العلامة ما زالت موجودة.
قالت:
— دي العلامة اللي عندي!
حمدان نظر إليها.
وهنا فهموا أن الموظف كان بالفعل قد وصل إلى الطفلة، ورآها، ووصف العلامة التي كانت في يدها.
لكن لماذا لم يعلن أنها سوسن؟
قلبوا آخر صفحة.
وكانت فيها جملة واحدة:
"الطفلة تحمل علامة تطابق وصف البلاغ، لكنني لم أستطع إثبات هويتها أمام المسؤولين."
سوسن قالت:
— يعني كنت قريبة جدًا من الرجوع.
حمدان رد:
— أيوه.
ثم قالت:
— لكن فيه حاجة مش فاهمها.
— إيه؟
— ليه حد غيّر العنوان أصلًا؟
هنا الرجل المسن نظر إليها وقال:
— لأن العنوان لم يكن عنوان بيت الأسرة التي كانت تربيك.
سوسن اتصدمت.
— أمال كان عنوان مين؟
الرجل سكت.
ثم قال:
— عنوان شخص آخر.
حمدان سأله:
— مين؟
الرجل فتح ورقة قديمة.
ثم قال:
— شخص كان يعيش بالقرب من المحطة.
سوسن قالت:
— وهل له علاقة باختفائي؟
الرجل لم يجب.
لكنه أشار إلى اسم مكتوب في الورقة.
حمدان قرأ الاسم…
ثم تغير وجهه تمامًا.
لأن الاسم كان لشخص يعرفه.
شخص كان موجودًا في المحطة ليلة اختفاء سوسن.
والأغرب…
أن هذا الشخص لم يكن راكبًا في القطار.
كان واقفًا على الرصيف…
ويراقب العائلة منذ لحظة وصولهم.
سوسن سألت:
— بابا… إنت تعرفه؟
حمدان ظل صامتًا.
ثم قال:
— أيوه.
— مين هو؟
نظر إليها وقال:
— الشخص ده كان أول واحد عرض علينا يساعدنا في السفر.
وهنا بدأ يظهر احتمال مخيف:
ربما لم يكن اختفاء سوسن مجرد حادث عشوائي…
وربما كان هناك شخص لاحظ العائلة قبل تحرك القطار، ثم عرف بالضبط أين كانوا ذاهبين.
لكن هل كان هذا الشخص وراء تغيير العنوان؟
ولماذا كان يراقبهم من البداية؟حمدان ظل ينظر إلى الاسم المكتوب في الورقة.
ثم قال:
— أيوه… أنا فاكره.
كان الرجل واحدًا من أهل المنطقة، وكان قد ساعد العائلة في ترتيب سفرها.
لكنه لم يكن يعرف أين انتهت سوسن.
كل ما حدث بعد ذلك كان سلسلة من الأخطاء والخوف وسوء الفهم.
الشخص الذي غيّر العنوان لم يكن يريد اختطاف سوسن.
كان قد أخطأ في تسجيل العنوان، ثم خاف من الاعتراف بالخطأ.
أما موظف المحطة، فعندما اكتشف أن هناك طفلة تشبه وصف سوسن، حاول التأكد قبل إعلان العثور عليها، لكنه توفي قبل أن يكمل إجراءات البحث.
والأسرة التي أخذت سوسن إلى بيتها أخطأت عندما لم تبلغ عنها فورًا.
وهكذا…
تراكم خطأ فوق خطأ.
وأصبحت طفلة واحدة بعيدة عن أهلها لسنوات طويلة.
حمدان ظل صامتًا.
ثم قال:
— في النهاية، مفيش حد واحد يقدر نقول إنه ضيعها… لكن ناس كتير سكتت وخافت وغلطت.
سوسن قالت:
— وأنا دفعت ثمن كل ده.
نظر إليها والدها بحزن.
— عارف.
ثم أضاف:
— لكن أهم حاجة إنك رجعتي.
سوسن ابتسمت.
— أنا مش عايزة أعيش باقي عمري وأنا بدور على مين ألومه.
ثم نظرت إلى الأوراق القديمة وقالت:
— أنا عايزة أفتكر حاجة واحدة بس.
— إيه؟
— إن بابا وماما ما نسيوش بنتهم.
وبعدها بدأت سوسن تجمع كل الأوراق والصور التي عثرت عليها خلال رحلة البحث.
وضعتهم في ملف واحد.
وفي أول صفحة كتبت:
"إلى كل طفل ضاع عن أهله… لا تفقد الأمل."
مرت سنوات.
وأصبحت قصة سوسن معروفة داخل عائلتها.
وكان والدها كلما حكى قصتها يقول:
— القطار أخد بنتي مني… لكنه ما قدرش يمسحها من ذاكرتي.
أما سوسن، فكانت تقول دائمًا:
— أنا عشت طفولتي في بيتين، لكن الحقيقة واحدة… أنا بنت عيلة حمدان، وعمري ما كنت منسية.
وفي أحد الأيام، عادت سوسن إلى المحطة التي بدأت منها الحكاية.
وقفت على نفس الرصيف.
كان المكان قد تغير.
الدكاكين اختفت.
المباني تغيرت.
لكن صوت القطار كان ما زال كما هو.
وقفت سوسن تنظر إلى القضبان.
وتذكرت طفلة صغيرة كانت تجري خلف قطار وهي تصرخ:
— استنوا!
ثم ابتسمت.
وقالت:
— المرة دي… أنا اللي وصلت.
ركب القطار بعدها بدقائق.
لكن هذه المرة لم تكن طفلة ضائعة.
كانت امرأة تعرف اسمها، وأصلها، وعائلتها، وكل تفاصيل الحكاية التي بدأت منذ عشرات السنين.
وعندما تحرك القطار، أخرجت سوسن الورقة القديمة من حقيبتها.
الورقة التي كتب فيها والدها:
"يا سوسن… لو وصلتك الرسالة دي يومًا، اعرفي إننا ما وقفناش عن البحث عنك."
وضعتها داخل دفترها.
ثم كتبت تحتها:
"وأنا كمان ما وقفتش عن البحث عن الحقيقة."
وهكذا انتهت حكاية الطفلة التي تركها القطار…
ليس بالانتقام من أحد.
ولا بكراهية من أخطأ.
ولكن برجوع الحقيقة إلى أصحابها.
وبعودة سوسن إلى عائلتها بعد سنوات طويلة.
ومن يومها، كلما سألها أحد:
— إزاي قدرتي تسامحي كل اللي حصل؟
كانت ترد:
— لأني لو قضيت عمري أفتش عن المذنب… هخسر باقي عمري. أنا اخترت أفتش عن اللي ضاع مني… ولما لقيته، كان أهم شيء عندي إني ما أضيّعوش تاني.
وهنا انتهت حكاية سوسن… الطفلة التي نزلت من القطار لدقائق، فعاشت سنوات تبحث عن الطريق إلى بيتها.