سوسن كان عندها 8سنين

لمحة نيوز

قالت:

— حتى بعد ما عدى وقت طويل؟

ابتسم بحزن:

— الأب مش بيحسب عمر البحث.

كانت الجملة كافية لتفتح بابًا من الذكريات.

وبعد أيام من الكلام والبحث في الأوراق والشهادات، بدأت الحقيقة تتأكد.

سوسن كانت فعلًا الطفلة التي ضاعت من القطار.

لكن بقي سؤال واحد…

لماذا لم تحاول العيلة التي وجدتها إبلاغ السلطات طوال تلك السنوات؟

وعندما عادوا إلى المرأة المسنة، واجهوها بالسؤال.

هذه المرة لم تنكر.

قالت:

— إحنا غلطنا.

ثم أضافت:

— أول يوم كانت عندنا، كنا فاكرين إن أهلها هيوصلوا لها بسرعة… وبعد ما الوقت عدى، خفنا نعترف إننا ما بلغناش.

سألها حمدان:

— ليه؟

قالت:

— خوفًا من العقوبة والمشاكل.

ثم أخرجت صندوقًا قديمًا.

فتحهـم أمامهم.

كان بداخله دفتر صغير.

وفي أول صفحة كان مكتوبًا:

"سوسن… البنت التي جاءت من القطار."

كان الدفتر يحتوي على كل التفاصيل التي عرفتها العيلة عنها في أول أيامها.

اسمها.

عمرها.

المحطة.

واتجاه القطار.

وهكذا…

بعد سنوات طويلة من الغياب، امتلكت عائلة حمدان أخيرًا الدليل الكامل.

لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن في الدفتر.

بل في آخر صفحة منه.

كان هناك اسم مكتوب بخط مختلف تمامًا.

وتحته جملة قصيرة:

"لو رجع أهلها يومًا… لازم يعرفوا الحقيقة كاملة."

حمدان رفع رأسه.

وسأل:

— مين اللي كتب الجملة دي؟

المرأة المسنة نظرت إليه…

وقالت:

— مش أنا.

وهنا بدأ لغز جديد.

لأن الشخص الذي كتب آخر سطر في الدفتر…

كان يعرف شيئًا عن سوسن لم يعرفه أحد طوال عشرات السنين.حمدان ظل ماسك الدفتر، وعينه ثابتة على الجملة الأخيرة.

— "لو رجع أهلها يومًا… لازم يعرفوا الحقيقة كاملة."

رفع رأسه وسأل المرأة المسنة:

— مين كتب الكلام ده؟

المرأة قالت:

— معرفش.

— إزاي معرفيش؟ الدفتر كان عندكم طول السنين دي!

تنهدت وقالت:

— في شخص واحد بس كان ممكن يعرف.

— مين؟

— ابني.

حمدان سكت.

ابن المرأة، وهو الشاب الذي وجد سوسن في المحطة، كان قد ترك القرية منذ سنوات طويلة.

لكن المرأة لم تكن تعرف مكانه الحالي.

بحثوا عنه أيامًا، حتى عثروا على رجل يعرفه.

قال لهم:

— هو عايش في مدينة بعيدة، وعنده أسرة وأولاد.

سافر حمدان وسوسن إليه.

وعندما وصلوا، كان الرجل قد أصبح كبيرًا في السن.

فتح الباب، وبمجرد أن رأى سوسن…

ظل واقفًا دون كلام.

سألته سوسن:

— إنت فاكرني؟

أطرق رأسه وقال:

— عمري ما نسيت الليلة دي.

دخلوا وجلسوا.

حمدان وضع الدفتر أمامه.

وقال:

— إحنا لقينا الكلام ده.

الرجل نظر إلى الصفحة.

ثم قال:

— أنا اللي كتبته.

سأله حمدان:

— وليه كتبتها؟

قال الرجل:

— لأن بعد ما رجعت من المحطة بيومين، حصل شيء خلاني أفهم إن لازم أحاول أوصل لأهلها.

سوسن سألته:

— إيه اللي حصل؟

قال:

— وإحنا في المحطة، سمعت موظفًا بيتكلم عن القطار اللي سافر. قال إن فيه عيلة بتسأل عن طفلة اختفت.

حمدان قاطعه:

— يعني كنت عارف إن أهلي بيدوروا عليا؟

قال الرجل:

— عرفت إن فيه بحث عن طفلة، لكن ما كنتش متأكد إنها نفس الطفلة اللي عندنا.

— طب ليه ما بلغتش؟

خفض الرجل عينيه.

— خفت.

ساد الصمت.

ثم أكمل:

— كل يوم كان بيعدي، كان الموضوع بيكبر في دماغي. وبعد فترة، بقيت خايف أتكلم لأن سكوتي نفسه بقى مشكلة.

حمدان قال بحزن:

— وإحنا كنا بندور عليها سنين.

الرجل لم يجد ما يقوله.

أما سوسن فظلت تنظر إليه.

لم تكن تريد الانتقام.

كانت تريد إجابة واحدة فقط.

— ليه محدش قال لي الحقيقة؟

قال الرجل:

— لأنك مع الوقت بقيتي تعتبرينا أهلك، وإحنا خفنا إن الحقيقة تهد كل حياتك.

سوسن ردت:

— الحقيقة ممكن تكون صعبة… لكن الجهل بالحقيقة أصعب.

كانت الجملة مؤلمة.

لكنها أنهت سنوات طويلة من الغموض.

بعدها بدأ حمدان وسوسن يجمعون كل المستندات القديمة التي تثبت هويتها.

وتم التواصل مع أشخاص كانوا يعرفون الأسرة وقت اختفائها.

كل دليل كان يؤكد شيئًا واحدًا:

سوسن هي بالفعل طفلة حمدان التي اختفت من القطار.

لكن المفاجأة الأكبر كانت أن سوسن لم تكن قد نسيت عائلتها بالكامل.

كانت هناك ذكرى صغيرة جدًا ظلت عالقة في عقلها طوال تلك السنوات.

مكان.

شجرة كبيرة.

وصوت أختها وهي تناديها باسمها.

وعندما عادت سوسن إلى بيت عائلتها، وقفت أمام أختها.

لم تعرفها أختها في البداية.

فقد كانت طفلة عندما اختفت سوسن.

لكن بعد لحظات، بدأت تحدق في وجهها.

ثم قالت:

— عينيكي…

سوسن ابتسمت.

— شبه مين؟

قالت أختها:

— شبه بابا.

كان اللقاء مليئًا بالمشاعر، لكن سوسن لم تشعر أنها عادت لتستعيد حياة قديمة.

كانت تبدأ حياة جديدة.

حياة فيها عائلتان.

عائلة أنجبتها.

وعائلة عاشَت معها سنوات طويلة.

ولم تسمح سوسن بأن تتحول قصتها إلى كراهية.

قالت:

— اللي حصل كان غلط… لكن أنا مش عايزة أقضي باقي عمري ألوم الناس.

ثم أضافت:

— أهم حاجة إننا عرفنا الحقيقة.

بعد مرور فترة، قررت سوسن أن تبحث عن كل الأطفال الذين فقدوا من أسرهم في رحلات القطارات خلال تلك السنوات.

كانت تعرف أن قصتها قد تكون مفتاحًا لقصص أخرى.

وبمساعدة أسرتها، بدأت تجمع أسماء قديمة، وصورًا، ومعلومات من المسافرين.

وبعد سنوات من البحث…

وصلتهم رسالة من مدينة أخرى.

رسالة قصيرة جدًا.

كان فيها اسم طفلة فُقدت في محطة قطار منذ سنوات طويلة.

وبجوار الاسم…

كانت هناك صورة قديمة.

سوسن نظرت للصورة.

ثم تغير وجهها تمامًا.

قالت:

— أنا شفت البنت دي قبل كده.

حمدان سألها:

— فين؟

أشارت إلى الصورة وقالت:

— في نفس المحطة اللي ضعت فيها.

وهنا أدرك الجميع أن قصة سوسن ربما لم تكن حادثة منفردة.

وكان هناك شخص آخر يعرف شيئًا عن أطفال فقدوا من القطارات في ذلك الزمن.

لكن السؤال الأصعب كان:

من كان يجمع هذه المعلومات؟

ولماذا احتفظ بها طوال كل هذه السنوات؟سوسن فضلت ماسكة الصورة في إيدها.

كانت صورة قديمة لطفلة صغيرة، ملامحها بالكاد واضحة بسبب مرور السنين.

قال حمدان:

— إنتِ متأكدة إنك شوفتي البنت دي؟

هزت سوسن رأسها.

— أيوه… بس مش فاكرة إمتى بالضبط.

قريبها سألها:

— كانت مع مين؟

سوسن أغمضت عينيها، وحاولت تسترجع الذكرى.

وبعد ثواني قالت:

— كانت قاعدة جنب ست كبيرة في المحطة.

— وإنتِ كلمتيها؟

— لأ… بس فاكرة إنها كانت بتعيط.

ساد الصمت.

كان واضحًا أن هناك شيئًا في ذاكرتها لم تستطع الوصول إليه بعد.

قرروا البحث عن مصدر الصورة.

الرسالة كانت مرسلة من رجل يعيش في مدينة أخرى، وقال إنه عثر على الصورة بين أوراق والده بعد وفاته.

والده كان يعمل في السكك الحديدية.

عندما اتصلوا بالرجل، قال:

— أبويا كان بيحتفظ بدفتر قديم جدًا.

سأله حمدان:

— دفتر فيه أسماء أطفال؟

الرجل قال:

— أيوه.

تبادل حمدان وسوسن النظرات.

تابع الرجل:

— كان بيسجل فيه أسماء الأطفال اللي كانوا بيتوهوا في المحطات، عشان يساعد أهلهم في العثور عليهم.

لكن المفاجأة كانت في آخر كلامه:

— وفيه أسماء أطفال اتكتب جنبها: "تم العثور عليه".

حمدان سأل بسرعة:

— وسوسن؟

فتح الرجل الدفتر القديم.

وبعد لحظات قال:

— فيه اسم سوسن.

سوسن شعرت بقلبها يخفق بشدة.

لكن الرجل أكمل:

— والغريب إن جنب اسمها فيه ملاحظة.

— إيه الملاحظة؟

قال:

— "الطفلة غادرت المحطة مع أسرة معروفة."

حمدان قال:

— مع أسرة معروفة؟

— أيوه.

— مين الأسرة؟

الرجل سكت قليلًا.

ثم قال:

— الاسم مكتوب… لكن الجزء ده من الصفحة ممزق.

كانت صدمة جديدة.

كلما اقتربوا من الحقيقة، ظهرت معلومة جديدة تفتح سؤالًا أكبر.

لكن هذه المرة كان لديهم شيء مهم جدًا:

اسم موظف السكك الحديدية الذي كتب الملاحظة.

وبعد بحث طويل، اكتشفوا أن الرجل كان قد ترك العمل وانتقل إلى مدينة أخرى.

سافروا إليه.

كان رجلًا مسنًا جدًا.

وعندما سمع اسم سوسن، ظل صامتًا للحظات.

ثم قال:

— أنا فاكر الليلة دي.

سوسن سألته:

— كنت موجود؟

— أيوه.

— شفتني؟

— شفتك.

— وشفت الشاب اللي خدني؟

هز رأسه.

— أيوه.

حمدان اقترب منه.

— طب ليه ما قلتش لأهلي وقتها؟

قال الرجل:

— حاولت.

— حاولت إزاي؟

أخرج من صندوق قديم ورقة صفراء.

وقال:

— كتبت بلاغًا بالمحطة.

ثم وضع الورقة أمامهم.

كانت تحمل تاريخ الليلة التي اختفت فيها سوسن.

وكان مكتوبًا فيها وصف الطفلة.

واسمها.

والمكان الذي شوهدت فيه آخر مرة.

لكن أسفل الورقة كانت هناك جملة غريبة:

"تم إبلاغ القطار التالي، ولم تصل أي إفادة عن مكان الطفلة."

حمدان شعر بالغضب.

— يعني كان فيه بلاغ؟

الرجل قال:

— أيوه.

— طب إزاي ما وصلش لنا؟

— معرفش.

ثم أضاف:

— لكن فيه حاجة تانية.

رفع سوسن عينيها.

— إيه؟

قال الرجل:

— في صباح اليوم التالي، رجعت للمحطة… ولقيت شخصًا بيسأل عنك.

— مين؟

الرجل نظر إليها طويلًا.

— رجل كان بيقول إنه قريب ليكي.

حمدان تجمد.

— قريب ليها؟

— أيوه.

— قال اسمه إيه؟

الرجل حاول التذكر.

ثم قال:

— قال اسم عيلتكم.

سوسن شعرت أن كل شيء توقف.

طوال سنوات كانوا يعتقدون أن لا أحد عرف مكانها.

لكن يبدو أن شخصًا من خارج العائلة كان قد وصل إلى المحطة وسأل عنها.

قال حمدان:

— ليه ما قلتليش الكلام ده من زمان؟

الرجل رد بحزن:

— لأنني لم أكن أعرف أين ذهب ذلك الرجل، ولم أكن أملك دليلًا على أنه كان فعلًا قريبًا لكم.

ثم أخرج صورة قديمة.

وقال:

— لكن يمكن الصورة دي تساعدكم.

أمسك حمدان الصورة.

وبمجرد أن رآها…

تغير وجهه.

قال بصوت منخفض:

— أنا أعرف الرجل ده.

سوسن سألته:

— مين؟

حمدان لم يجب فورًا.

ظل ينظر إلى الصورة.

ثم قال:

— ده كان واحد من أهل القرية اللي كنا عايشين فيها زمان.

— وكان يعرفني؟

— كان يعرف عيلتنا كلها.

لكن السؤال الأخطر ظل بلا إجابة:

إذا كان هذا الرجل قد عرف باختفاء سوسن في اليوم التالي…

فلماذا لم يخبر عائلتها؟

ولماذا اختفى بعد ذلك مباشرة؟

بدأ حمدان البحث عنه.

وبعد أيام، وصل إلى عنوان قديم.

لكن عندما ذهبوا إليه، اكتشفوا أن الرجل توفي منذ سنوات.

ولم يترك وراءه إلا صندوقًا صغيرًا.

داخل الصندوق…

وجدوا عشرات الأوراق القديمة.

وكانت هناك ورقة واحدة تحمل اسم سوسن.

فتحتها سوسن بيد مرتجفة.

وفيها جملة قصيرة:

"أنا عرفت مكان سوسن… لكن الحقيقة كانت أكبر من قدرتي على الكلام."

تحت الجملة كان هناك عنوان.

وعندما قرأ حمدان العنوان…

عرف المكان فورًا.

كان عنوان البيت الذي عاشت فيه سوسن لسنوات.

وهنا أدركوا أن شخصًا ما كان يعرف الحقيقة منذ البداية…

لكنه اختار الصمت.

والآن، بعد مرور كل هذه السنوات، أصبحت سوسن أمام السؤال الأصعب:

مين كان يعرف مكانها؟

وليه فضل ساكت كل السنين دي؟فضلت سوسن واقفة قدام الورقة، وعينيها ثابتة على العنوان.

حمدان قال:

— العنوان ده… أنا فاكره.

سوسن سألته:

— كان بيت مين؟

رد بعد لحظة:

— بيت واحد كان شغال معانا في نفس المنطقة زمان.

سافروا للمكان في اليوم التالي.

كان البيت قديمًا، وأغلب البيوت اللي حواليه اتغيرت، لكن أحد الجيران القدامى عرف الاسم.

قال لهم:

— صاحب البيت مات من سنين.

سأله حمدان:

— كان عايش لوحده؟

— لأ، كان عنده ابن.

— وابنه فين؟

الجـار أشار إلى بيت قريب وقال:

— عايش هناك.

ذهبوا إليه.

فتح لهم رجل كبير في السن.

وعندما عرف سبب الزيارة، تغيرت ملامحه.

قال:

— أنا كنت مستني اليوم ده.

حمدان سأله:

— مستني إيه؟

قال الرجل:

— مستني حد من عيلة سوسن ييجي ويسأل عن الحقيقة.

سوسن تقدمت خطوة.

— إنت تعرفني؟

نظر إليها طويلًا.

ثم قال:

— أنا ما شوفتكيش غير مرة واحدة… وإنتِ طفلة.

سوسن شعرت بقشعريرة.

— فين؟

— عند المحطة.

ثم بدأ يحكي.

تم نسخ الرابط