سوسن كان عندها 8سنين
في صباح اليوم التالي لاختفاء سوسن، كان والده قد ذهب إلى المحطة لإنهاء بعض الأعمال.
هناك سمع عن طفلة مفقودة.
وعرف اسمها.
وعندما عاد إلى البيت، أخبر ابنه.
لكن والده لم يكن يريد التدخل.
قال له:
— دي مشكلة كبيرة… خليك بعيد.
لكن الابن لم يستطع تجاهل الأمر.
ذهب إلى بيت العائلة التي أخذت سوسن.
ورآها بنفسه.
كانت جالسة في البيت، واسمها ما زال على لسانها.
سأل الرجل:
— طب ليه ما رجعتهاش؟
أجاب:
— حاولت.
— وحصل إيه؟
— لما وصلت للبيت، حصل خلاف كبير.
سوسن سألت:
— بين مين ومين؟
قال:
— بين والدي وأهل البيت.
ثم أضاف:
— والدي كان عايز يبلغ المسؤولين فورًا، لكنهم كانوا خايفين من المشاكل، وقالوا إنهم هيحاولوا يرجعوها بطريقة تانية.
حمدان قال بغضب:
— والطريقة التانية دي كانت إيه؟
— إنهم ينتظروا حد يسأل عنها.
— وإنت؟
خفض الرجل رأسه.
— أنا كنت صغير وقتها، وخوفت أتصرف لوحدي.
سوسن سألته:
— طب ليه كتبت إن الحقيقة أكبر من قدرتك على الكلام؟
نظر إليها.
— لأن والدي قال لي حاجة قبل وفاته.
— إيه؟
— قال إن اللي حصل لسوسن كان ممكن ينتهي في نفس الأسبوع… لكن خطأ واحد خلّى الموضوع يستمر سنين.
سوسن سألته:
— إيه الخطأ؟
الرجل قال:
— إن اسمك اتسجل في مكان غلط.
حمدان عقد حاجبيه.
— يعني إيه؟
— بدل ما يتسجل إنك طفلة مفقودة، اتسجل إنك طفلة تم العثور عليها.
ساد الصمت.
سوسن قالت:
— يعني الأوراق قالت إني اتوجدت… لكن محدش عرف يوصل لأهلي؟
هز الرجل رأسه.
— بالضبط.
وهنا بدأت الصورة تكتمل.
لم يكن هناك اختفاء غامض ولا سر خارق.
كان هناك خطأ إداري، وخوف، وتأخير، وصمت.
أشياء صغيرة…
لكنها غيرت حياة طفلة وعائلة بالكامل.
حمدان ظل ساكتًا فترة طويلة.
ثم قال:
— وإنت ليه احتفظت بالورقة كل السنين دي؟
الرجل رد:
— لأني كنت عارف إن يومًا ما لازم الحقيقة تظهر.
ثم دخل إلى غرفة قديمة، وعاد بصندوق.
وضعه أمام سوسن.
قال:
— ده كان عند والدي.
فتحت الصندوق.
وجدت أوراقًا قديمة، وصورًا لمحطة القطار، ودفترًا صغيرًا.
لكن في أسفل الصندوق كانت هناك صورة واحدة.
صورة لسوسن وهي طفلة.
وخلف الصورة كان مكتوبًا:
"سوسن عبيد الطاهر — لم تُنسَ."
لم تستطع سوسن الكلام.
كانت تنظر إلى اسمها الذي احتفظ به شخص غريب طوال كل هذه السنوات.
ثم قالت:
— أنا كنت فاكرة إن محدش افتكرني.
حمدان رد:
— إحنا ما نسيناكيش.
الرجل أضاف:
— وفيه حاجة أخيرة لازم تعرفيها.
سوسن رفعت عينيها.
— إيه؟
قال:
— أبوكي ما كانش الوحيد اللي بيدور عليكي.
سوسن اتصدمت.
— مين كمان؟
أخرج ورقة قديمة.
كان عليها أسماء أشخاص شاركوا في البحث عنها.
وكان بينهم اسم والدتها.
وتحت الاسم ملاحظة:
"رفضت العودة قبل العثور على سوسن."
سوسن قرأت الجملة أكثر من مرة.
ثم قالت:
— يعني أمي فضلت تدور عليا؟
حمدان أغمض عينيه.
وقال:
— أمك فضلت تسأل عنك لحد آخر يوم في حياتها.
كانت أول مرة تعرف فيها سوسن هذه التفاصيل.
كانت قد فقدت سنوات من حياتها…
لكنها اكتشفت شيئًا مهمًا:
أنها لم تكن منسية.
وفي اليوم التالي، عادت سوسن مع والدها إلى المكان الذي بدأت منه الحكاية.
محطة القطار القديمة.
وقفت على الرصيف نفسه.
المكان تغير كثيرًا.
لكنها أغمضت عينيها.
وحاولت تفتكر الطفلة الصغيرة التي كانت واقفة هنا ذات ليلة.
ثم قالت:
— لو كنت أعرف إن أبويا بيدور عليا… كنت استنيت.
حمدان رد:
— وإحنا لو كنا عرفنا إنك موجودة، كنا جينا لكِ في نفس اليوم.
ثم نظر إلى السكة وقال:
— لكن المهم إن القطار رجّعنا لبعض… حتى لو بعد سنين طويلة.
ابتسمت سوسن.
ولأول مرة منذ اختفائها…
شعرت أن قصتها انتهت.
لكنها لم تكن النهاية الحقيقية.
لأن سوسن قررت أن تحول قصتها إلى بداية لشيء جديد.
بدأت تجمع قصص الأطفال الذين فقدوا أسرهم، وتساعد في البحث عنهم، وتطالب بحفظ سجلات المفقودين بشكل دقيق.
وكانت دائمًا تقول:
— طفل يضيع دقيقة واحدة ممكن يغيّر حياة عيلة كاملة… فلازم كل دقيقة بعدها تكون في صالحه.
وبعد سنوات طويلة، أصبحت قصتها معروفة داخل عائلتها كواحدة من أغرب الحكايات التي مرت عليهم.
أما سوسن نفسها…
فلم تعتبر نفسها ضحية.
كانت تقول:
— أنا بنت اتأخرت في الرجوع… لكني رجعت.
وكانت دي بالنسبة لها أهم جملة في حياتها كلها.مرت سنوات بعد رجوع سوسن لعائلتها، لكن قصتها لم تنتهِ عند لحظة اللقاء.
كانت سوسن كلما تذكرت طفولتها، تتساءل عن شيء واحد:
لماذا بقيت بعض الأوراق مخفية كل هذه السنوات؟
وفي يوم، وبينما كانت تراجع المستندات القديمة التي جمعها والدها، وجدت ورقة لم ترها من قبل.
كانت ورقة صغيرة، مطوية بعناية، وعلى طرفها ختم قديم لمحطة القطار.
فتحتها.
كان مكتوبًا فيها:
"تم العثور على الطفلة، ولكن لم يتم تسليمها إلى ذويها."
سوسن قرأت الجملة أكثر من مرة.
ثم أسرعت إلى والدها.
— بابا… إنت شفت الورقة دي قبل كده؟
أخذ حمدان الورقة.
وبمجرد أن قرأها، تغير وجهه.
— لأ.
— بس الورقة دي عليها تاريخ بعد اختفائي بيوم واحد.
ظل حمدان صامتًا.
قالت سوسن:
— يعني حد عرف إني موجودة بعد يوم واحد بس!
هز رأسه.
— أيوه.
— طب ليه ما حدش بلغنا؟
لم يجد حمدان إجابة.
قرروا الرجوع إلى المحطة القديمة مرة أخرى.
وهناك، التقوا برجل مسن كان يعمل في السكك الحديدية.
عرضوا عليه صورة الورقة.
ظل ينظر إليها طويلًا.
ثم قال:
— الختم ده أعرفه.
سأله حمدان:
— معناه إيه؟
قال:
— معناه إن البلاغ دخل السجل الرسمي.
سوسن قالت:
— يعني كان المفروض أهلي يعرفوا؟
— أكيد.
— طب مين استلم البلاغ؟
الرجل أشار إلى خانة صغيرة أسفل الورقة.
— هنا اسم الموظف.
نظر الجميع إلى الاسم.
كان اسمًا لم يسمعوه من قبل.
لكن الرجل العجوز قال:
— أنا فاكر الشخص ده.
سأله حمدان:
— كان بيشتغل فين؟
— في مكتب تسجيل المفقودات.
— وهل كان موجود يوم اختفاء سوسن؟
— أيوه.
سوسن شعرت بأن لغز السنوات الماضية بدأ يتكشف من جديد.
بحثوا عن الرجل.
وبعد وقت طويل، وجدوا عنوانًا قديمًا لعائلته.
ذهبوا إلى المكان.
لكن الرجل كان قد توفي.
ترك خلفه ابنًا يعيش في نفس البيت.
عندما سمع الابن اسم سوسن، دخل إلى غرفة قديمة.
وبعد دقائق عاد بصندوق خشبي.
وقال:
— أبويا كان محتفظ بالحاجات دي.
فتح الصندوق.
كانت بداخله دفاتر قديمة، وأوراق، وصور لمحطات وقطارات.
ثم أخرج ملفًا صغيرًا.
كان مكتوبًا عليه:
"الطفلة سوسن عبيد الطاهر."
تجمد الجميع.
حمدان أمسك الملف بيد مرتعشة.
فتح الصفحة الأولى.
وجد معلومات دقيقة عن سوسن.
اسمها.
عمرها.
اسم والدها.
اسم والدتها.
المحطة التي اختفت منها.
ثم وصل إلى الصفحة الأخيرة.
وكانت فيها جملة واحدة:
"تم التعرف على مكان الطفلة."
سوسن قالت:
— يعني هو كان عارف مكاني؟
ابن الرجل قال:
— الظاهر كده.
— طب فين باقي الورق؟
الرجل هز رأسه.
— ده كل اللي لقيته.
لكن سوسن لاحظت شيئًا.
كان هناك مكان واضح لصفحة مفقودة.
قالت:
— الصفحة دي اتشالت.
ابن الرجل نظر إلى الملف.
— فعلًا.
حمدان سأله:
— إنت تعرف عنها حاجة؟
قال:
— لأ.
ثم سكت قليلًا.
وأضاف:
— بس أبويا قبل وفاته كان دايمًا يقول جملة غريبة.
— كان بيقول إيه؟
— "أنا ضيعت فرصة إصلاح أكبر غلطة في حياتي."
سوسن ظلت ساكتة.
ثم قالت:
— يمكن الصفحة المفقودة هي اللي فيها الحقيقة.
بدأوا يبحثون عن النسخة القديمة من السجلات.
وبعد عدة محاولات، وصلوا إلى أرشيف قديم.
وهناك كانت المفاجأة.
وجدوا نسخة أخرى من الملف.
لكن الصفحة المفقودة كانت موجودة.
فتحها حمدان.
قرأ أول سطر.
ثم توقف.
سوسن سألت:
— مكتوب إيه؟
حمدان لم يرد.
أخذت الورقة منه.
وكان مكتوبًا:
"تم إبلاغ أحد أقارب الطفلة بوجودها."
سوسن شهقت.
— قريب؟
وتحت الجملة كان هناك اسم.
اسم رجل من أقارب العائلة.
شخص كانت سوسن تعرفه جيدًا قبل اختفائها.
حمدان أمسك رأسه.
— مستحيل…
سوسن قالت:
— مين؟
رفع حمدان عينيه إليها.
وقال:
— أخو والدتك.
ثم أضاف:
— الشخص ده كان أول واحد سأل عنه والدتك بعد اختفائك.
سوسن شعرت أن الأرض تهتز تحت قدميها.
لأن هذا يعني أن شخصًا من العائلة ربما كان قد عرف أن سوسن عُثر عليها…
لكن السؤال ظل:
هل كان يعرف مكانها فعلًا؟
أم أنه تلقى مجرد معلومة ولم يفهم أنها تخص سوسن؟
قرروا البحث عنه.
لكنهم اكتشفوا أن الرجل توفي منذ سنوات طويلة.
ومع ذلك، كان له ابن ما زال يعيش في نفس المدينة.
ذهبوا إليه.
وعندما سمع سبب الزيارة، قال:
— أبويا كان بيحكي عن بنت ضاعت من عيلتنا.
سوسن قالت:
— وإيه اللي قاله عني؟
الرجل أجاب:
— قال إنكم كنتوا بتدوروا عليها، وإنه وصلته معلومة إنها اتلاقت.
حمدان سأله:
— وإيه اللي عمله؟
الرجل سكت.
ثم قال:
— قال إنه حاول يرجعها.
سوسن سألت:
— حاول إزاي؟
رد:
— راح للمحطة.
— وبعدها؟
— قال إن المسؤول أخبره إن الطفلة غادرت مع أسرة أخرى، وإنهم سيحاولون التواصل معها.
حمدان قال:
— يعني هو كان فاكر إن الموضوع بيتحل؟
— أيوه.
سوسن سكتت.
فجأة فهمت شيئًا.
لم يكن هناك شخص واحد تعمد إخفاء الحقيقة.
كانت هناك سلسلة من الأخطاء…
كل شخص ظن أن شخصًا آخر سيتصرف.
وفي النهاية…
مرت السنوات.
وبينما كانت سوسن تستوعب الحقيقة، أخرج الرجل صندوقًا صغيرًا من دولاب قديم.
قال:
— أبويا ترك ده.
فتحه.
كان بداخله شيء واحد فقط.
ورقة قديمة.
وفي أسفلها توقيع والد سوسن.
سوسن نظرت إليها.
ثم قالت:
— دي مش ورقة من المحطة…
حمدان نظر إليها.
— أمال إيه؟
قالت:
— دي رسالة كان بابا كاتبها ليا.
وكانت الرسالة مؤرخة بعد اختفائها بأيام قليلة.
وفي أول سطر منها:
"يا سوسن… لو وصلتك الرسالة دي يومًا، اعرفي إننا ما وقفناش عن البحث عنك."
سوسن ظلت تقرأ الرسالة بصمت.
لكن في آخرها كانت هناك جملة جعلتها تتوقف تمامًا:
"ولو عرفتي يومًا إن حد قال لك إننا نسيناك… ما تصدقيهوش."
رفعت سوسن عينيها.
لأن السؤال لم يعد:
أين كانت سوسن؟
السؤال أصبح:
من الذي حاول إقناع الجميع أن البحث عنها انتهى؟سوسن فضلت ماسكة الرسالة القديمة، وعينيها على آخر جملة:
"ولو عرفتي يومًا إن حد قال لك إننا نسيناك… ما تصدقيهوش."
رفعت رأسها وقالت:
— بابا، مين كان ممكن يقول إنكم نسيتوني؟
حمدان هز رأسه.
— ما أعرفش.
لكن قبل ما يكمل كلامه، ابن الرجل العجوز قال:
— استنوا… أنا فاكر حاجة.
الجميع بص له.
قال:
— أبويا كان عنده دفتر صغير، غير الدفتر اللي لقيناه.
— فين الدفتر ده؟
— مش عارف… بس كان دايمًا يخبيه في مكان محدش يعرفه.
بدأوا يبحثون في البيت القديم.
وبعد ساعات، وجدوا صندوقًا صغيرًا فوق خزانة قديمة.
فتحوه.
كان بداخله دفتر بني اللون.
قلب حمدان الصفحات بسرعة.
أسماء…
تواريخ…
محطات…
وملاحظات قصيرة.
وفي منتصف الدفتر ظهر اسم سوسن.
وتحته:
"تم العثور عليها."
ثم سطر آخر:
"أهلها لم يصلوا."
وبجانب السطر علامة بالقلم.
سوسن قالت:
— العلامة دي معناها إيه؟
ابن الرجل قال:
— أبويا كان بيحط العلامة دي لما يكون في معلومة محتاجة متابعة.
حمدان قلب الصفحة التالية.
وهنا ظهرت المفاجأة.
كان مكتوبًا:
"شخص من أقارب الأسرة حضر وسأل عن الطفلة."
ثم اسم قريب العائلة.
وبجواره تاريخ.
والتاريخ كان بعد اختفاء سوسن بأيام قليلة.
حمدان قال:
— يعني قريبنا وصل للمعلومة فعلًا.
لكن سوسن لاحظت شيئًا آخر.
قالت:
— بصوا هنا.
كانت هناك ملاحظة أسفل الاسم:
"تم إخباره أن الطفلة في أمان."
سكت الجميع.
قالت سوسن:
— يمكن عشان كده ماحدش عرف يوصل لي.
لكن الصفحة التالية كانت أكثر غرابة.
كان مكتوبًا:
"تم إرسال عنوان الأسرة التي توجد عندها الطفلة."
حمدان اتسعت عيناه.
— عنوان؟
قلب الصفحة بسرعة.
لكن الجزء الذي يحتوي على العنوان كان ممزقًا.
سوسن قالت:
— ليه كل ما نوصل للحقيقة نلاقي الورقة ناقصة؟
ابن الرجل رد:
— يمكن حد كان خايف إن الحقيقة تظهر.
حمدان لم يقتنع.
قال:
— لازم نعرف مين مزق الصفحة.
بحثوا في الأوراق القديمة، حتى وجدوا شيئًا مهمًا.
كانت هناك نسخة من خطاب أُرسل إلى قريب العائلة.
وفي أسفل الخطاب توقيع موظف المحطة.
لكن بجانب التوقيع كانت هناك ملاحظة بخط اليد:
"المستلم رفض الاحتفاظ بالعنوان."
سوسن سألت:
— يعني إيه رفض الاحتفاظ بالعنوان؟
الرجل أجاب:
— يمكن كان خايف يضيعه… أو يمكن كان عنده سبب تاني.
لكن حمدان قال:
— لا.
ثم أشار إلى تاريخ الخطاب.
— بصوا.
كان الخطاب مكتوبًا بعد اختفاء سوسن بأسبوع واحد فقط.
قال:
— لو العنوان وصل لأحد من عيلتنا وقتها، كان ممكن نرجع بنتنا.
سوسن ظلت صامتة.
ثم قالت:
— بس أنا مش عايزة أعرف مين الغلطان.
حمدان نظر إليها.
— عايزة أعرف الحقيقة بس.
ابتسمت سوسن.
— أيوه.
بدأوا البحث عن آخر شخص تعامل مع الخطاب.
وبعد أسابيع، وجدوا رجلاً مسنًا كان يعمل في مكتب البريد في ذلك الوقت.
عندما رأى صورة الخطاب، قال:
— فاكر الظرف ده.
حمدان سأله:
— مين استلمه؟
الرجل فتح دفترًا قديمًا.
ثم قال:
— الاسم موجود.
قرأ الاسم.
كان اسم قريب آخر من العائلة.
سوسن شعرت بالدهشة.
— قريب تاني؟
الرجل قال:
— أيوه.
ثم أضاف:
— لكن في حاجة غريبة.
— إيه؟
— الشخص ده استلم الظرف… وبعد يومين رجعه للمكتب.
حمدان سأله:
— ليه؟
— قال إن العنوان غير صحيح.
سوسن قالت:
— غير صحيح؟
الرجل أومأ.
— أيوه.
حمدان بدأ يفكر.
فجأة قال:
— طب لو العنوان كان صحيح أصلًا؟
الرجل نظر إليه.
— تقصد إيه؟
قال حمدان:
— يمكن حد غيّر العنوان.
ساد الصمت.
ولأول مرة، بدأ احتمال جديد يظهر.
ربما لم تكن المشكلة مجرد ضياع طفلة.
ربما كانت هناك معلومات صحيحة وصلت بالفعل…
لكنها لم تصل إلى الشخص الصحيح.
ومع استمرار البحث، اكتشفوا أن العنوان الموجود على الظرف كان بالفعل مختلفًا عن العنوان الذي ظهر في ملف المحطة.
كان هناك رقم منزل واحد فقط مختلف.
رقم واحد…
لكنه كان كافيًا ليأخذ أي شخص إلى بيت آخر تمامًا.
سوسن قالت:
— يعني لو الرقم ده كان صحيح… كان ممكن بابا يوصل لي؟
حمدان رد:
— كان ممكن نوصلك من زمان.
ثم نظر إلى الورقة.
وقال:
— والسؤال بقى…
مين غيّر الرقم؟
في اليوم التالي، عادوا إلى القرية القديمة.
وكان هناك رجل مسن يعرف معظم العائلات.
عندما سمع رقم المنزل، تغير وجهه.
قال:
— الرقم ده كان بيت شخص معروف وقتها.
حمدان سأله:
— مين؟
الرجل ذكر اسمًا.
سوسن لم تعرفه.
لكن حمدان عرفه.
ظل ساكتًا عدة ثوانٍ.
ثم قال:
— ده نفس الرجل اللي شافني آخر مرة قبل ما نسافر.
سوسن سألته:
— وكان يعرف إننا مسافرين؟
حمدان قال:
— أيوه.
وهنا ظهرت الحقيقة التي لم يتوقعها أحد:
الشخص الذي ظهر اسمه في الأوراق لم يكن هو الذي أخذ سوسن…
لكنه كان يعرف أنها ضاعت.
وكان يعرف أن عائلتها تبحث عنها.
والآن أصبح السؤال أخطر:
ليه غيّر عنوانًا واحدًا فقط… عنوان كان ممكن يرجّع سوسن لأهلها؟حمدان فضل ساكت وهو بيبص للناس اللي حواليه.
اسم الرجل اللي ظهر في الأوراق رجّع له ذكرى قديمة جدًا.
قال:
— أنا فاكره… كان دايمًا بيسألني عن السفر، وعن موعد القطار، ورايح فين.
سوسن قالت:
— وكان يعرف إننا مسافرين؟
— أيوه.
— وكان يعرف إنك بتدور عليا؟
حمدان هز رأسه.
— الظاهر إنه عرف.
لكنهم لم يعرفوا لماذا.
قرروا البحث عن أي شخص ما زال يتذكر الرجل.
وبعد ساعات من السؤال، وصلوا إلى رجل مسن كان يعمل معه في نفس المكان.
قال لهم:
— هو كان شخص غريب شوية… وكان بيحب يعرف تفاصيل كل حاجة.
حمدان سأله:
— كان يعرف عن سوسن؟
الرجل سكت.
ثم قال:
— أيوه.
سوسن تقدمت نحوه.
— إنت متأكد؟
— أيوه.
— عرف منين؟
قال:
— في اليوم اللي بعد اختفائك، سمع إن طفلة ضاعت من القطار.
ثم أضاف:
— وبعدها بيومين، قال لي إنه عرف مكانها.
حمدان اتصدم.
— عرف مكانها؟!
— أيوه.
— وقال لك فين؟
الرجل هز رأسه.
— ما قالش.
سوسن سألت:
— طب ليه؟
الرجل تنهد.
— قال جملة واحدة.
— إيه؟
— "لو أهلها عرفوا مكانها، الموضوع هيكبر."
ساد الصمت.
حمدان قال بغضب:
— يعني كان يعرف!
الرجل رد:
— الظاهر كده.
لكن قبل ما يغادروا، أوقفهم وقال:
— استنوا… فيه حاجة تانية.
ثم دخل غرفته وعاد بدفتر صغير.
قال:
— أنا احتفظت بده سنين.
فتح الدفتر.
كان فيه أسماء ومواعيد وأرقام.
وفي إحدى الصفحات كان اسم الرجل نفسه.
وبجواره رقم منزل.
حمدان قال:
— ده عنوانه القديم.
ثم وجدوا أسفل الرقم ملاحظة:
"ذهب إلى المحطة مساء الخميس."
وكان يوم الخميس هو نفس اليوم الذي بدأت فيه العائلة البحث عن سوسن.
حمدان قال:
— لازم نعرف راح المحطة ليه.
بدأوا البحث في السجلات القديمة.
وبعد أيام، وجدوا شهادة مكتوبة بخط موظف المحطة.
كان فيها أن الرجل حضر فعلًا.
وسأل عن سوسن.
لكن الموظف كتب ملاحظة غريبة:
"رفض إعطاء تفاصيل عن علاقته بالطفلة."
سوسن قالت:
— علاقته بيا؟
حمدان رد:
— هو ما كانش قريب لنا.
وهنا أصبح الأمر أكثر غموضًا.
لماذا كان رجل غريب يسأل عن طفلة ضاعت من قطار؟
ولماذا كان يعرف مكانها؟
ولماذا حاول إخفاء المعلومات؟
بعد بحث طويل، وجدوا شخصًا كان يعرفه.
قال لهم:
— كان عنده أخ مسافر في نفس القطار.
سوسن سألت:
— يعني أخوه كان معانا؟
— أيوه.
حمدان قال:
— طب إزاي ما افتكرناهوش؟
الرجل أجاب:
— لأنه نزل قبل محطتكم.
كانت المعلومة مهمة.
لكنها لم تفسر شيئًا.
ثم قال الرجل:
— أخوه كان يعرف إن فيه طفلة ضاعت.
سوسن سألت:
— هو اللي قال له؟
— أيوه.
وهنا بدأت الصورة تتضح.
ربما لم يكن الرجل هو الشخص الذي غيّر العنوان.
ربما أخوه هو الذي نقل له المعلومة.
لكن لماذا؟
قرروا البحث عن الأخ.
وبعد عدة أيام، اكتشفوا أنه كان قد ترك المنطقة منذ سنوات.
لكن أحد أبنائه ما زال يعيش هناك.
ذهبوا إليه.
وعندما سمع اسم سوسن، قال:
— أنا سمعت القصة دي من أبويا.
سوسن سألت:
— قال لك إيه؟
قال:
— قال إن عمه كان يعرف مكانك.
— عمي؟
— أيوه.
حمدان سأله:
— مين عمه؟
ذكر اسم الرجل.
حمدان شعر بالصدمة.
نفس الرجل الذي ظهر في الأوراق!
لكن الابن أكمل:
— أبويا كان بيقول إن عمه حاول يصلح الموضوع، لكنه خاف.
سوسن قالت:
— خاف من إيه؟
— من إن الناس تتهمه إنه أخفى طفلة.
سكت الجميع.
ثم قال الرجل:
— وقبل ما يموت، عمي كتب ورقة.
— فين الورقة؟
— عندي.
أخرج ظرفًا قديمًا.
كان مغلقًا منذ سنوات.
حمدان فتحه.
في داخله رسالة قصيرة:
"أنا لم آخذ سوسن، ولم أساعد على إخفائها. لكنني عرفت مكانها، وخفت أن أتكلم في الوقت الخطأ. أكبر غلطة ارتكبتها أنني ظننت أن السكوت سيحل المشكلة."
سوسن قرأت الرسالة ببطء.
ثم قالت:
— يعني كل ده حصل بسبب الخوف؟
حمدان قال:
— الخوف أحيانًا بيعمل مشاكل أكبر من الخطأ نفسه.
لكن في أسفل الرسالة كان هناك سطر آخر:
"والشخص الوحيد الذي يعرف لماذا غُيّر العنوان هو..."
وتوقف السطر فجأة.
الاسم كان ممسوحًا بالحبر.
سوسن نظرت إلى الورقة.
— ليه الاسم ممسوح؟
الرجل قال:
— معرفش.
حمدان أخذ الورقة وبدأ يفحصها.
وبعد لحظات لاحظ شيئًا.
الحبر الذي غطى الاسم كان أحدث من بقية الكتابة.
يعني…
شخص ما تعمد إخفاء الاسم بعد كتابة الرسالة.
وبينما كانوا يحاولون معرفة من فعل ذلك، وصلتهم معلومة جديدة قلبت كل شيء:
الرجل الذي كتب الرسالة لم يكن هو الوحيد الذي احتفظ بنسخة منها.
كان هناك نسخة ثانية من الرسالة…
وموجودة في مكان لم يتوقعه أحد.
وفي آخرها…
كان الاسم كاملًا.ظل حمدان ماسك الورقة، وعينه على المكان اللي اتمسح فيه الاسم.
قال:
— لازم نلاقي النسخة التانية.
بدأوا يسألوا عن أوراق الرجل القديمة.
وبعد بحث طويل، عرفوا إن الرجل كان له صندوق أمانات قديم، انتقلت محتوياته لأحد أقاربه بعد وفاته.
ذهبوا إليه.
وبعد ساعات من البحث، وجدوا ظرفًا بنيًا صغيرًا.
كان عليه تاريخ قديم جدًا.
فتح حمدان الظرف.
وفي داخله كانت النسخة الثانية من الرسالة.
سوسن اقتربت منه.
قالت:
— اقرأها.
بدأ حمدان القراءة.
وفي نهاية الرسالة ظهر الاسم كاملًا.
ظل صامتًا.
سوسن سألته:
— مين؟
رفع حمدان رأسه.
وقال:
— موظف كان مسؤول عن تسجيل البلاغات في المحطة.
سوسن لم تفهم.
— هو اللي غيّر العنوان؟
حمدان قال:
— الرسالة بتقول إنه كان الشخص الوحيد اللي عنده النسخة الأصلية من العنوان.
لكن كان هناك شيء أغرب.
أسفل الاسم كتب الرجل:
"لم أفهم سبب تغييره للعنوان إلا بعد سنوات."
سوسن قالت:
— وبعد سنوات عرف إيه؟
قلب حمدان الصفحة.
كان هناك سطر آخر:
"الرجل لم يكن يريد أخذ الطفلة، لكنه كان يخشى أن تصل إلى أهلها قبل أن يتأكد من شيء."
حمدان قال:
— يتأكد من إيه؟
لم تكن هناك إجابة.
لكن مع الرسالة كانت هناك ورقة صغيرة عليها اسم قرية.
قرروا السفر إليها.
كانت القرية بعيدة، والناس فيها قليلون.
سألوا عن اسم الموظف.
أحد كبار السن قال: