سوسن كان عندها 8سنين

لمحة نيوز

سوسن كان عندها 8 سنين لما نزلت من القطار لدقائق…

لكن القطار اتحرك من غيرها.

والأغرب من اختفائها، إن أهلها فضلوا سنين طويلة يدوروا عليها، من غير ما يعرفوا إنها كانت عايشة في بيت عيلة تانية… على بُعد مسافة كبيرة من المكان اللي اختفت فيه.

القصة بدأت في سبعينيات القرن الماضي، في السودان.

في الوقت ده، كان القطار من أهم وسائل السفر، خصوصًا للرحلات الطويلة بين المدن والولايات.

وكانت الرحلات ممكن تستمر أيام، والقطار يقف في محطات كتير، والركاب ينزلوا يشتروا أكل أو مياه ويرجعوا قبل ما القطار يتحرك.

في واحدة من الرحلات، كانت عيلة حمدان عبيد الطاهر مسافرة ناحية بورتسودان.

حمدان كان معاه زوجته، وبنتيه، وابنه الصغير اللي كان لسه رضيع.

وفي محطة صغيرة، نزلت سوسن، بنتهم اللي عندها 8 سنين.

كانت المحطة هادية، والليل بدأ يشتد.

نزلت سوسن واشترت حاجة بسيطة، وبعدها وقفت تدور على أهلها.

وفجأة…

سمعت صوت القطار بيتحرك.

رفعت رأسها بسرعة.

جريت ناحية العربات وهي بتصرخ:

— استنوا! استنوا!

لكن القطار كان بدأ يتحرك بالفعل.

جريت وراه بكل قوتها، لكن المسافة زادت بينها وبينه.

ثواني…

وبعدين اختفى القطار تمامًا في الظلام.

وقفت سوسن في مكانها.

بصت حواليها.

مفيش أبوها.

مفيش أمها.

مفيش أختها.

ومفيش أي شخص تعرفه.

بدأت تعيط وهي مش عارفة تعمل إيه.

بعد دقائق، ظهر شاب من أهل المنطقة، ولاحظ الطفلة الواقفة لوحدها.

سألها:

— مالك يا بنتي؟

قالت وهي بتبكي:

— أنا كنت راكبة القطر… والقطر مشي وسابني.

سألها عن اسمها وأهلها ومكان سفرهم.

وبعد ما فهم إنها طفلة ضايعة، قرر ياخدها لبيته مؤقتًا، على أساس إنهم يحاولوا يعرفوا إزاي يوصلوا لأهلها.

لكن اللي حصل بعد كده كان بداية لغز استمر سنين.

لما وصل الشاب البيت، حكى لوالديه اللي حصل.

والدته نظرت لسوسن وسألتها:

— اسمك إيه؟

— سوسن.

— وأبوكي اسمه إيه؟

قالت الاسم.

ثم بدأت تحكي عن الرحلة وعن المكان اللي كانوا مسافرين له.

كان واضح إنها مش طفلة هربانة من بيتها.

دي طفلة اتفصلت عن أهلها بسبب حركة القطار.

وكان المفروض إن أول خطوة يعملوها هي إبلاغ المسؤولين.

لكن العيلة خافت من المشاكل، وقررت تحتفظ بالبنت عندها لحد ما تلاقي طريقة مناسبة لإرجاعها.

وفي الناحية التانية…

كان القطار بيكمل طريقه.

حمدان وزوجته كانوا نايمين من شدة التعب.

وبعد ما القطار تحرك من محطة تانية، صحيت الأم وبصت على بنتيها.

ثم فجأة قالت:

— سوسن فين؟

حمدان بص حواليه.

سأل أختهـا:

— سوسن كانت فين آخر مرة؟

ردت:

— نزلت في المحطة اللي فاتت.

تجمّد حمدان مكانه.

في اللحظة دي أدرك إن ابنته مش موجودة.

بدأ يسأل الركاب.

وبعد دقائق، عرفوا إن القطار غادر المحطة بالفعل.

حمدان طلب من المسؤولين التواصل مع المحطة السابقة، لكن القطار كان ابتعد مسافة كبيرة.

بدأت البلاغات تتسجل، وبدأ البحث.

وفي المحطة الصغيرة، تم السؤال عن طفلة اسمها سوسن.

لكن ماحدش كان يعرف إنها غادرت المحطة بالفعل مع الشاب.

وهكذا بدأت رحلة البحث.

والدها كان ينتقل من مكان لمكان.

يسأل في المحطات.

يسأل المسافرين.

ويحاول يعرف أي معلومة عن ابنته.

مرت أيام…

ثم أسابيع…

ثم شهور.

لكن سوسن اختفت تمامًا.

وفي بيت العيلة الأخرى، كانت سوسن بتعيش حياة مختلفة تمامًا.

في البداية كانت كل يوم تسأل:

— إمتى هرجع لأبويا؟

وكانوا يقولوا لها:

— قريب.

لكن الأيام مرت.

وسوسن بدأت تتأقلم مع المكان.

العيلة اهتمت بيها ووفرت لها الأكل والملابس، لكنهم لم يستطيعوا الوصول إلى أهلها.

والأغرب إن سوسن نفسها بدأت تنسى بعض تفاصيل الرحلة بسبب صغر سنها.

وبعد سنوات…

كبرت سوسن.

وأصبحت تعرف العيلة التي ربتها باسم عائلتها.

لكن كان عندها دائمًا سؤال واحد بداخلها:

مين أنا؟

ومن أين جئت؟

وفي يوم، وهي ترتب صندوقًا قديمًا في البيت، وجدت ورقة صغيرة كانت مخبأة بين بعض الأشياء القديمة.

كانت الورقة مكتوبة بخط والد الشاب.

وعليها جملة واحدة:

"البنت دي لازم ترجع لأهلها يومًا ما."

وقفت سوسن وهي تقرأ الجملة أكثر من مرة.

ولأول مرة بدأت تشك إن قصة وصولها للبيت لم تكن كما أخبروها طوال السنين.

ذهبت إلى الرجل العجوز وسألته:

— أنا جيت هنا إزاي بالضبط؟

سكت الرجل فترة طويلة.

ثم قال:

— الحقيقة إننا كنا خايفين عليكِ.

— خايفين من إيه؟

نظر إليها وقال:

— من إنك تفضلي ضايعة من غير ما حد يعرف مكانك.

— طب ليه ما رجعتونيش لأهلي؟

الرجل لم يرد.

وفي اليوم التالي، أعطاها شيئًا قديمًا كان محتفظًا به منذ ليلة وصولها.

كان عبارة عن قطعة قماش صغيرة، كانت سوسن ترتديها يوم اختفائها.

وبداخلها…

كان هناك اسم مكتوب بالقلم.

اسم والدها.

وفي نفس الوقت تقريبًا، كان أحد أقارب حمدان يحتفظ بصورة قديمة لسوسن، وكان كلما مرت السنوات يعيد نشرها بين معارفه على أمل أن يتعرف عليها أحد.

وفي أحد الأيام…

حدثت المفاجأة.

رجل مسن رأى الصورة.

ظل ينظر إليها طويلًا.

ثم قال:

— أنا شفت البنت دي قبل كده…

سأله قريب حمدان:

— فين؟

رد الرجل:

— في محطة قديمة… من سنين طويلة.

ثم ذكر اسم المحطة.

وكان هو نفس المكان الذي اختفت منه سوسن.

لكن الرجل أضاف معلومة أخطر:

— بس البنت ما فضلتش في المحطة.

— أمال راحت فين؟

رفع الرجل عينيه وقال:

— كان في شاب خدها معاه.

وهنا…

عاد الأمل لعائلة حمدان بعد سنوات طويلة.

لأول مرة أصبح عندهم خيط حقيقي.

اسم محطة.

وشاب.

وعيلة.

وسؤال واحد فقط:

هل كانت سوسن ما زالت على قيد الحياة؟

ولو كانت عايشة…

هل ستعرف عيلتها الحقيقية بعد كل هذه السنوات؟الرجل العجوز كرر كلامه:

— أنا فاكر الشاب كويس… كان راكب حمار، وكان داخل المحطة يشتري حاجات.

قريب حمدان سأله بسرعة:

— فاكر اسمه؟

الرجل هز رأسه.

— الاسم مش فاكره… لكن فاكر البلد اللي كان منها.

كانت معلومة بسيطة جدًا…

لكن بالنسبة لعيلة حمدان كانت أهم معلومة وصلوا لها من سنين.

بدأ البحث من جديد.

سألوا في البلد.

ثم في القرى القريبة.

حتى وصلوا إلى بيت قديم كان معروفًا إن صاحبه عاش فيه شاب في السبعينيات، وكانت عنده بنت صغيرة ظهرت في البيت فجأة في نفس الفترة.

لكن عندما ذهبوا إلى المكان…

كان البيت قديمًا ومغلقًا.

سألوا أحد الجيران.

فقال لهم:

— أصحاب البيت نقلوا من هنا من سنين طويلة.

— راحوا فين؟

— ما أعرفش… بس عندي اسم العيلة.

كتب الرجل الاسم على ورقة.

وهنا حدث شيء غريب.

قريب حمدان نظر إلى الاسم…

ثم رفع رأسه ببطء.

كان الاسم مطابقًا للاسم الذي سمعه من الرجل العجوز.

أصبحوا متأكدين تقريبًا أنهم وصلوا للعيلة التي أخذت سوسن.

لكن المشكلة أن العيلة لم تعد في القرية.

بدأ البحث عنهم في أكثر من مكان.

مرت أيام.

ثم وصل خبر من قرية بعيدة:

— في ست كبيرة عايشة هنا، وبتقول إن عندها بنت ربتها من وهي صغيرة.

لم يصدقوا أنفسهم.

سافر قريب حمدان فورًا.

وعندما وصل، وجد امرأة مسنة تجلس أمام بيت بسيط.

سألها عن اسم العيلة.

ارتبكت المرأة.

ثم قالت:

— إنتوا عايزين إيه؟

قال لها:

— بندور على طفلة ضاعت من أهلها من سنين طويلة.

سكتت المرأة.

قال:

— اسمها سوسن.

في اللحظة التي نطق فيها الاسم…

تغير وجه المرأة.

لم تتكلم.

لكن عينيها امتلأتا بالدموع.

فهم الرجل أن هناك شيئًا تخفيه.

سألها:

— سوسن عايشة؟

المرأة ظلت صامتة.

ثم قالت بصوت منخفض:

— هي مش هنا.

— فين؟

— سافرت من فترة.

— راحت فين؟

أعطته عنوانًا.

وعندما عاد إلى عائلة حمدان، كانت الصدمة أكبر من كل توقعاتهم.

العنوان كان لمدينة بعيدة.

والاسم الموجود في العنوان كان اسم امرأة شابة.

لكن بجانب الاسم…

كانت هناك ملاحظة مكتوبة:

"لا تعرف شيئًا عن أصلها."

حمدان، الذي أصبح رجلًا مسنًا بعد مرور السنوات، ظل ينظر إلى الورقة.

وقال:

— لو دي بنتي… أنا مش عايز أضيعها تاني.

سافر مع قريبه.

وفي الطريق، كان كل واحد منهم يتخيل اللحظة التي سيقابلون فيها سوسن.

لكنهم كانوا خائفين أيضًا.

ماذا لو كانت لا تتذكرهم؟

ماذا لو رفضت تصديقهم؟

ماذا لو كان الاسم مختلفًا؟

وصلوا إلى العنوان.

طرقوا الباب.

فتحت لهم امرأة في منتصف العمر.

نظر حمدان إليها…

وتوقف مكانه.

لم يكن يعرف لماذا شعر بهذا الإحساس الغريب.

سألها:

— حضرتك اسمك سوسن؟

المرأة سكتت.

ثم قالت:

— أيوه.

حمدان لم يستطع الكلام.

قريبه أخرج صورة قديمة.

كانت صورة لسوسن وهي طفلة.

وقال:

— ممكن تبصي على الصورة دي؟

نظرت المرأة إلى الصورة.

وظلت صامتة.

ثم اقتربت منها أكثر.

كانت الصورة قديمة جدًا، لكن ملامح الطفلة كانت واضحة.

رفعت المرأة عينيها وقالت:

— الصورة دي لمين؟

قال:

— ليكي.

ضحكت المرأة بتوتر.

— مستحيل.

قال حمدان لأول مرة:

— اسم والدك حمدان.

تجمدت في مكانها.

لم تعرف لماذا، لكن الاسم هز شيئًا قديمًا داخل ذاكرتها.

قالت:

— أنا اتقال لي طول عمري إن أهلي مش معروفين.

اقترب حمدان خطوة.

ثم قال:

— والدتك اسمها...

وذكر اسمها.

هنا بدأت دموع سوسن تنزل.

لم تكن تتذكر وجه أمها.

ولا صوتها.

لكنها تذكرت شيئًا صغيرًا جدًا.

صوت امرأة كانت تغني لها وهي طفلة.

وكانت نفس الكلمات التي كانت والدتها تقولها لها قبل النوم.

قالت سوسن بصوت مرتجف:

— إنتوا… متأكدين؟

أخرج حمدان ورقة قديمة كان يحتفظ بها منذ سنوات.

كانت فيها بيانات ابنته.

ثم أخرج شيئًا آخر…

قطعة قماش صغيرة.

كانت قديمة ومهترئة.

وقال:

— دي كانت معاكي يوم ما ضيعناكي.

نظرت سوسن إليها.

وفجأة…

بدأت تتذكر.

محطة.

قطار.

صوت عجلات.

رجل ينادي عليها.

وأبوها واقف في مكان بعيد.

ثم بدأت تبكي.

لكن حمدان لم يحاول إجبارها على شيء.

قال لها بهدوء:

— أنا مش جاي آخدك غصب عنك.

— أنا بس عايزك تعرفي إن أبوكي ما نسيكيش يوم واحد.

سوسن ظلت ساكتة.

ثم سألت:

— طول السنين دي… كنتوا بتدوروا عليا؟

رد:

— كل سنة.

تم نسخ الرابط