انا اتجوزتك

لمحة نيوز

في بعض من سنين...
وسكت لحظة.
ثم قال
إن أفراح كانت المفتاح الوحيد لإثبات مين صاحب الحق الحقيقي في كل ممتلكات العيلة.
بدر بص لأفراح، ثم للجد.
لكن قبل ما يسأل، انطفأت أنوار القصر كلها.
وفي الظلام، سمعوا صوت باب خارجي بيتفتح.
ثم صوت شخص بيقول
الملف معايا... ولو عايزين أفراح تفضل عايشة، محدش يتحرك بعد ما أفراح أنهت كلامها مع بدر، افتكرت إن كل حاجة انتهت.
لكنها كانت غلطانة.
في نفس الليلة، وهي راجعة أوضتها، لقت ظرف أبيض تحت الباب.
مفيش اسم.
مفيش عنوان.
فتحت الظرف بإيد مرتعشة.
كان جواه صورة قديمة جدًا.
أفراح قربت الصورة من النور، وفجأة وشها اتغير.
الصورة كانت لوالدها...
وبجانبه والد بدر...
لكن الشخص الثالث في الصورة لم يكن عم بدر.
كان شخصًا آخر تمامًا.
وتحت الصورة جملة واحدة
أبوك لم يختفِ يوم مات والد بدر... أبوك اختفى بعده بثلاثة أيام.
أفراح شهقت.
يعني بابا كان عايش بعد موت أبو بدر؟
وفي اللحظة دي، سمعت صوت طرق على الباب.
خبّت الصورة بسرعة.
مين؟
مفيش رد.
فتحت الباب بحذر...
ماكانش فيه حد.
لكن على الأرض كان فيه ظرف تاني.
فتحته.
ورقة واحدة
لو عايزة تعرفي أبوكي فين، متقوليش لبدر.
أفراح فضلت واقفة مكانها، مش عارفة تعمل إيه.
ولأول مرة، الشك دخل قلبها ناحية بدر نفسه.
مش لأنه خانها...
لكن لأنها بدأت تسأل نفسها
هل بدر كان يعرف إن أبوها كان لسه عايش؟
في نفس الوقت، كان بدر واقف في مكتب جده.
فتح الدرج القديم اللي ممنوع حد يقرب منه.
وطلع منه ملف صغير.
قلب أول صفحة...
فتوقف.
كان مكتوب فيها
ملف أفراح ممنوع فتحه إلا عند الضرورة.
بدر بدأ يقرأ.
كل سطر كان بيكشف سر أكبر.
لحد ما وصل لآخر صفحة.
كانت عبارة عن شهادة ميلاد قديمة.
قرأ الاسم.
وبعدين بص للورقة مرة تانية كأنه مش مصدق.
دخل جده فجأة.
إنت بتعمل إيه؟
بدر رفع عينيه ببطء.
إنت كنت عارف؟
الجد سكت.
كنت عارف إن أفراح...
وقبل ما يكمل، سمعوا صوت تكسير زجاج من الدور السفلي.
جرى بدر ناحية السلم.
أفراح كانت واقفة في الصالة، والصورة القديمة في إيدها.
لكنها لم تكن وحدها.
كان أمامها رجل مسن، وجهه شاحب، وملامحه متعبة.
الرجل بص لها وقال
أفراح...
هي اتجمدت.
صوته كان مألوفًا جدًا.
رفع إيده ببطء.
أنا أبوكي.
أفراح ماقدرتش تنطق.
أما بدر، فوقف عند آخر السلم، والصدمة على وشه.
لأن الرجل الذي ظن الجميع أنه اختفى منذ سنوات...
كان واقفًا أمامهم.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت في الجملة اللي قالها بعدها
أنا ما اختفيتش عشان أهرب... أنا اختفيت عشان أحميكي من الشخص اللي عايش في البيت ده الظلام غطّى القصر بالكامل.
أفراح سمعت صوت الرجل، لكن ماقدرتش تحدد مكانه.
مين؟! إنت عايز مني إيه؟!
جاء صوته من ناحية الباب
مش منك... أنا عايز اللي في إيد أبوكي.
بدر تحرك بسرعة ناحية أفراح.
خليكي ورايا.
والد أفراح رفع صوته
بدر، متتحركش!
لكن في اللحظة دي، اشتغل ضوء صغير عند باب القصر.
ظهر رجل لابس جاكت أسود، وفي إيده ملف.
الجد بص له، واتصدم.
إنت؟!
الرجل ابتسم.
أيوه... أنا.
بدر بص لجده
إنت تعرفه؟
الجد ما ردش.
الرجل رمى الملف على الأرض.
قبل ما تسألني أنا مين، اسأل جدك ليه خبّى الحقيقة عنك كل السنين دي.
بدر انحنى وأخذ الملف.
فتح أول ورقة.
كانت صورة قديمة لوالده.
وبجانب الصورة تقرير مكتوب عليه تاريخ يوم وفاته.
لكن المفاجأة إن التقرير كان عليه توقيع شخص واحد.
توقيع جد بدر.
بدر رفع عينيه ببطء.
إنت وقّعت على التقرير ده؟
الجد قال
اسمعني يا بدر...
جاوبني!
الرجل الغريب ضحك.
سيبه يا بدر... هو مش هيقولك الحقيقة.
ثم أخرج هاتفًا قديمًا وشغّل تسجيلًا.
جاء صوت والد بدر
لو حصل لي حاجة، متثقش في أخويا... ومتثقش في أبو أفراح...
ثم توقف التسجيل لثوانٍ.
وبعدها قال
لأن واحد منهم قتلني... والتاني ساعده يدفن الحقيقة.
أفراح بصت لوالدها بصدمة.
بابا... إنت كنت بتساعدهم؟
والدها هز رأسه بسرعة
لا يا بنتي، أنا حاولت أنقذه.
لكن الرجل الغريب قال
كداب.
ثم أخرج ورقة من جيبه.
عندي الدليل.
وفجأة، سمعوا سيارات الشرطة تتوقف أمام القصر.
الضابط دخل ومعاه القوة.
محدش يتحرك!
الرجل الغريب رفع إيده فورًا.
لكن قبل ما الشرطة تمسكه، بص لبدر وقال
عندك عشر دقايق بس.
عشر دقايق لإيه؟
ابتسم الرجل.
عشان تعرف مين في عيلتك كان السبب الحقيقي في كل اللي حصل.
ثم أشار ناحية أفراح.
ولو اتأخرت...
وسكت.
بدر اقترب منه
لو قربت منها، مش هتخرج من هنا.
الرجل رد بهدوء
أنا مش اللي هأذيها يا بدر.
ثم نظر ناحية الجد.
هو اللي أصدر الأمر.
الكل بص ناحية الجد.
والجد لأول مرة...
ما أنكرش الجد وقف ساكت، والكل مستني يسمع منه كلمة.
الضابط قرب منه
إنت متهم بإخفاء معلومات عن قضية وفاة قديمة، فلازم تجاوب.
الجد بص لبدر وقال
أنا ماقتلتش أبوك... لكني عرفت إن أخويا هو اللي دبّر كل حاجة، وسكت.
بدر قال بغضب
وسكت ليه؟
لأن أبوك كان ناوي يسلّم أخوه للشرطة، وأنا كنت خايف العيلة كلها تنهار.
والد أفراح قاطعه
وإنت كمان كنت عارف إنهم بيدوروا عليّا عشان يسكتوني!
الجد أنزل رأسه.
أيوه.
هنا فهم بدر كل حاجة.
السنين اللي عاشها وهو فاكر إن أبوه مات في حادث، وإن والد أفراح اختفى وترك بنته، كانت مبنية على أكاذيب متعمدة.
أما الرجل الغريب، فطلع ضابطًا سابقًا كان بيحقق في القضية من زمان، وقد احتفظ بالأدلة لأنه لم يثق في نفوذ العائلة.
تم تسليم التسجيلات والملفات للشرطة.
وبعد تحقيق طويل، ظهرت الحقيقة كاملة.
عم بدر كان العقل المدبر.
والجد أخفى الأدلة.
أما والد أفراح، فهرب سنوات لأنه كان الشاهد الوحيد القادر على إسقاطه.
وبالنسبة لأفراح، اكتشفت أن الأوراق التي وجدتها لم تكن دليلًا على شيء مخيف يخصها، وإنما كانت مستندات تثبت حق والدها القانوني في جزء من ممتلكات العائلة، بعدما حاول عم بدر الاستيلاء عليها.
بعد شهور، انتهت القضية.
خرج عم بدر من حياة العائلة نهائيًا بعد صدور الحكم عليه.
والجد ترك إدارة أملاك العائلة لبدر، لكنه لم يطلب منه المسامحة.
أما بدر، فكان عنده قرار أصعب.
وقف أمام أفراح وقال
أنا عارف إن اللي حصل بينا بدأ غلط... وإني ظلمتك بكلام وتصرفات مكنش ليّا حق فيها.
أفراح ردت
وأنا مش هنسى.
ولا أنا عايزك تنسي.
سكت لحظة.
بس لو هنكمل حياتنا، لازم يكون باختيارك. ولو عايزة تنهي كل حاجة، هحترم قرارك.
أفراح بصت له طويلًا.
ثم قالت
أنا مش مستعدة أبدأ من جديد كأن مفيش حاجة حصلت.
بدر هز رأسه.
فاهم.
لكن ممكن نبدأ من الصفر... من غير أوامر، ومن غير خوف، ومن غير أسرار.
ابتسم بدر لأول مرة.
موافق.
ومرت الأيام.
والبيت اللي كان مليان خوف وأسرار، بدأ يتحول لبيت هادي.
أما شجرة التوت القديمة، ففضلت شاهدة على كل الأسرار اللي اتدفنت تحتها.
وفي يوم، وقفت أفراح أمامها، ومعاها والدها.
قال لها
كنت فاكر إني بحميكي لما اختفيت.
ابتسمت بحزن
يمكن كنت بتحميني من الخطر... بس كنت محتاجة وجودك أكتر.
ضمّ والدها عينيه للحظة، ثم قال
سامحيني.
ردت
رجوعك كفاية.
وفي المساء، وصل لبدر آخر ظرف من الشرطة.
فتح الظرف، فوجد صورة قديمة لوالده.
وخلف الصورة جملة مكتوبة بخط يده
يا بدر... لو وصلت للحقيقة، متخليش الماضي يحدد مستقبلك.
بدر قرأها، ثم وضع الصورة داخل درج مكتبه.
وأغلقه.
هذه المرة لم يكن يغلق سرًا...
بل كان يغلق فصلًا كاملًا من حياته.
أما أفراح، فكانت قد اختارت بنفسها أن تبقى.
ولأول مرة منذ بداية الحكاية...
لم تكن زوجة أحد بالإجبار.
كانت أفراح...
إنسانة اختارت طريقها بنفسها.

تم نسخ الرابط