انا اتجوزتك

لمحة نيوز

في قصر كبير على أطراف البلد، كان الصمت تقيل لدرجة إن صوت عقارب الساعة كان واضح في كل ركن.
وقفت أفراح قدام بدر، عينيها مليانة تحدي رغم الخوف اللي كانت بتحاول تخبيه.
بدر بص لها ببرود وقال بسخرية
أنا اتجوزتك للمزاج وبس... أخدتك جارية ليا، لكن أنا لسه معتبرش نفسي اتجوزت بجد. لما أقرر أختار وأنقي، هتشوفي ضرتك هتبقى مين وبنت مين... ويمكن كمان هي اللي تربي ولدك، لأن الصراحة أنا مش ضامن تربيتك ليه.
أفراح كتفت إيديها وبصت له بسخرية وقالت
مش لما يبقى فيه ولد أصلاً.
اتغيرت ملامح بدر، فقالت بثبات
الولد ده أنا هنزله... مش عايزاه، ومش هتقدر تجبرني عليه.
بدر قرب منها خطوة، وصوته بقى غاضب
ومعاوزاهوش ليه؟ علشان مش من حبيب القلب؟
صرخت فيه
بطل سفالة بقى! قولتلك قبل كده، أنا لما قابلت الضابط ما قابلتوش علشان بينا حاجة. كنت بقابله لأنه وعدني يخلصني منك، ويسجنك، ويرجعلي حريتي اللي سرقتها مني!
قربت منه أكتر، وبصت في عينيه بتحدي
وبالنسبة للطفل... إنت عارف كويس أنا مش عايزاه ليه. بلاش تخليني أفكرك.
بدر سكت للحظة، وحوّل عينيه بعيد عنها، وكأنه بيحاول يخبي ارتباكه.
ثم قال بحدة
أنا لما قربت منك كنتي مراتي على سنة الله ورسوله. كتبنا كتابنا، وعملنا فرحنا، وكان من حقي...
قاطعت كلامه بصوت مرتفع
مكانش حق!
سكتت لحظة، ثم قالت بقسوة
اللي حصل كان غصب عني. إنت أخدت مني حاجة أنا رفضت أديها لك، وفرضت نفسك عليا بالقوة... علشان تثبت لنفسك إنك الأقوى. يا ابن البشوات.
اشتعل الغضب في عيني بدر، ومد إيده ومسك دراعها بعنف.
لو لسانك طول أكتر من كده، هتندمي. وسمي اللي حصل بينا زي ما إنتِ عايزة... لكن إنتِ مراتي، وأنا مش بفرط في حق من حقوقي.
ثم أضاف بتهديد
والولد لو جراله حاجة، مش هسامحك.
دفعها بعيدًا عنه، وخرج من الغرفة وهو في قمة غضبه.
أما أفراح، فظلت واقفة مكانها للحظات، تنظر إلى الباب الذي أغلقه خلفه.
ثم نزلت عينيها إلى بطنها.
وضعت يدها عليها، وملامحها امتلأت بغضب وحيرة.
همست
أنا مش هخلي حد يقرر مصيري تاني... حتى لو كان هو.
نزل بدر إلى الدور الأرضي بخطوات سريعة.
وجد إحدى الخادمات تمر أمامه، فناداها
يا وداد!
توقفت وداد فورًا
نعم يا سيدي؟
قال بضيق
اطلعي عشا لستك أفراح، وخليها تاكل. الدكتورة قالت إنها محتاجة تغذية كويسة.
ابتسمت وداد
حاضر يا سيدي.
ودخلت المطبخ بسرعة.
كان بدر على وشك مغادرة المكان، لكن صوت جده أوقفه
بدر!
التفت له.
قال الجد بغضب
عاجبك اللي حصل للبنت؟ كنت هتضيّع ولدك بإيدك!
تنهد بدر بضيق
وأنا كنت أعرف منين إنها حامل يا جدي؟ ولا إنت عايز تلومني وخلاص؟
رد الجد بحزم
ألومك ليه؟ في كل الأحوال إنت غلطان.
بدر عقد حاجبيه
غلطان في إيه؟
اقترب الجد منه وقال
لو ما كانتش حامل، يبقى عادي تأذيها؟ أنا قلتلك ألف مرة البنت دي ما اختارتش الجوازة دي. هي اتجبرت عليها، وكانت فاكرة إنها لما تتجوزك هتهرب من مصيبة، لكن إنت بدل ما تطمنها، زودت خوفها.
سكت لحظة ثم قال
راعي إنها بنت يتيمة، وهتتحاسب عليها.
تنهد بدر، وقال بصوت أقل حدة
إنت عارفني يا جدي. أنا مش عايز أأذيها. وعارف كمان إني ميال ليها، ولولا كده ما كنت اتجوزتها أصلًا... بس إنت شايف عمايلها.
رد الجد بسرعة
عمايلها عمايل بنت خايفة ومش عارفة تعمل إيه. والبنت العنيدة تقدر تهديها بكلمتين، مش بالقوة.
ثم أضاف بقلق
أنا خايف عليها من نفسها، وخايف على اللي في بطنها.
انتفض بدر عند سماع آخر جملة
تأذي إيه؟ ده ابني! ولو حصل له حاجة أنا...
وفجأة...
صوت خَبطة قوية جدًا جاء من الطابق العلوي.
تجمد بدر في مكانه.
نظر إلى جده.
الجد قال بقلق
استر يا رب...
لم ينتظر بدر.
صعد السلم بسرعة، وقلبه يخبط في صدره.
وصل إلى باب غرفته، وفتحه بعنف.
لكن بمجرد ما دخل...
اتسعت عيناه من الصدمة.
أفراح كانت على الأرض...
والطبق الذي أرسلته وداد كان مكسورًا بجوارها...
وفي يدها شيء صغير كانت قابضة عليه بقوة.
لكن الصدمة الحقيقية لم تكن سقوطها...
بل الشيء الذي رأه بدر بجوارها، والذي جعله يتجمد تمامًا مكانه.
أفراح... إيه اللي حصل؟!
رفعت أفراح عينيها إليه ببطء...
وقالت جملة واحدة جعلت الدم يهرب من وجهه
أنا عرفت الحقيقة يا بدر... وعرفت مين اللي كان عايز يخلص مني ومن الطفل كمل
بدر وقف مكانه للحظة، مش قادر يستوعب كلام أفراح.
مين اللي كان عايز يخلص منك؟
أفراح رفعت إيدها ببطء، وكان فيها ورقة صغيرة متكرمشة.
دي كانت جوه طبق الأكل.
بدر خطف الورقة من إيدها وفتحها بسرعة.
قرأ أول سطر...
وفجأة اتغير لون وشه.
أفراح كانت بتراقب ملامحه، وقالت
إيه؟ اتفاجئت؟
بدر ما ردش.
فضل يقرا الورقة لآخرها، وبعدها رفع عينيه عليها.
مين اداكي الورقة دي؟
لقيتها تحت الطبق.
ووداد؟
هي اللي جابت الأكل.
بدر لف ناحية الباب وصاح بأعلى صوته
وداااد!
جاء صوتها من بعيد
نعم يا سيدي؟
تعالي هنا حالًا!
دخلت وداد وهي مستغربة من صوته.
أول ما شافت الورقة في إيده، وشها اتغير.
بدر لاحظ التغيير.
إنتِ تعرفي الورقة دي؟
وداد ارتبكت
ورقة إيه يا سيدي؟
بدر قرب منها وقال بحدة
متلعبيش معايا... الورقة دي كانت في أكل أفراح.
وداد بدأت تهز رأسها
والله ما أعرف عنها حاجة.
أفراح قالت فجأة
كدابة.
وداد بصتلها بخوف.
أفراح قامت من مكانها رغم تعبها وقالت
قبل ما الأكل يوصلني، حد خبط على الباب.
بدر سأل بسرعة
مين؟
معرفش... لما فتحت، مكنش فيه حد.
سكتت لحظة، ثم أضافت
بس لما رجعت للأوضة، لقيت الطبق اتحط قدامي.
بدر بص لوداد.
مين كان في المطبخ؟
أنا... والطباخ... و...
سكتت.
ومين؟
وداد بلعت ريقها وقالت
الست الكبيرة.
بدر عقد حاجبيه
جدتي؟
هزت وداد رأسها.
لا يا سيدي... مش الحاجة الكبيرة.
ثم خفضت صوتها
واحدة من الحريم اللي بييجوا القصر.
أفراح قربت من بدر وقالت
أنا عارفة هي مين.
بدر التفت لها بسرعة.
تعرفيها؟
أفراح بصت له بثبات
أيوه.
مين؟
وقبل ما تجاوبه، سمعوا صوت خطوات جاية من الممر.
الكل سكت.
خطوات هادية... لكنها كانت بتقرب.
بدر أشار لوداد إنها تخرج، ثم وقف أمام أفراح.
الباب اتفتح ببطء.
ودخلت امرأة غريبة عن القصر.
كانت لابسة نقاب، ووقفت عند الباب من غير ما تتكلم.
بدر قال بحدة
إنتِ مين؟
المرأة ما ردتش.
أفراح بصتلها للحظات، وفجأة شهقت
إنتِ؟!
المرأة رفعت عينيها نحو أفراح...
وقالت بصوت هادئ
كنت مستنية اليوم اللي تعرفي فيه الحقيقة.
بدر وقف بينهما وقال
حقيقة إيه؟
المرأة بصت له، ثم قالت
الحقيقة اللي لو عرفتها، هتندم إنك ظلمت أفراح من أول يوم دخلت فيه بيتك.
بدر اتجمد.
اتكلمي.
المرأة أغلقت الباب خلفها...
وقالت
أبوك ما ماتش بسبب الحادث اللي قالولك عليه.
الصمت نزل على الغرفة كأنه صدمة.
بدر قرب منها خطوة
إنتِ بتقولي إيه؟
المرأة ردت
أبوك اتقتل...
ثم بصت لأفراح وقالت
والسبب له علاقة مباشرة بالجوازة دي.
بدر وشه اتغير.
إنتِ بتكدبي.
لكن أفراح قالت بصوت مرتجف
لا... هي مش بتكدب.
بدر التفت لها بسرعة.
إنتِ تعرفيها منين؟
أفراح سكتت.
وهنا المرأة قالت
لأنها كانت آخر شخص شاف والد أفراح قبل ما يختفي.
بدر بص لأفراح، ثم للمرأة.
ولأول مرة...
بدأ يشك إن الجوازة اللي كان فاكرها مجرد قرار منه...
كانت في الحقيقة جزء من سر أكبر بكتير مما تخيل اتسعت عينا بدر وهو بيبص لأفراح، وكأن كل كلمة سمعها قلبت حاجة جواه.
أبوكي؟!
المرأة هزت رأسها ببطء.
أيوه... والدها كان آخر شخص شاف أبوك قبل موته.
أفراح بصت لبدر وقالت بسرعة
عشان كده أنا اتجوزتك.
بدر عقد حاجبيه
إيه علاقة جوازنا بموت أبويا؟
المرأة ردت
العلاقة إن اللي حصل من سنين ماكانش حادث عادي... وكان فيه حد من عيلة بدر مستفيد من موت الراجلين.
بدر اتراجع خطوة.
من عيلتي؟
أيوه.
ساد الصمت.
وفجأة بدر لاحظ إن أفراح كانت بتبص للمرأة بخوف، مش بدهشة.
إنتِ كنتِ عارفة الكلام ده من إمتى؟
أفراح سكتت.
بدر صوته ارتفع
سألتك! كنتِ عارفة من إمتى؟
قالت بصوت ضعيف
من قبل ما أتجوزك.
اتجمد بدر.
يعني إنتِ دخلتي بيتي وإنتِ مخبية عليا سر بالشكل ده؟
كنت بحاول أعرف الحقيقة.
والحقيقة إنك قابلتي الضابط عشان تساعدي نفسك، صح؟
أفراح هزت رأسها
الضابط كان بيدور على نفس الشخص.
بدر بص للمرأة
وإنتِ مين بالظبط؟
المرأة رفعت إيدها ببطء وخلعت النقاب.
بدر شهق.
أفراح غمضت عينيها، وكأنها كانت مستنية اللحظة دي من زمان.
قالت المرأة
أنا سعاد... مرات عم أفراح.
بدر بص لأفراح بدهشة
مرات عمك؟! مش كانوا قالوا إن عمك مات من سنين؟
سعاد ردت
قالوا كده.
ثم أضافت
لكن الحقيقة إني عشت مستخبية كل السنين دي، لأني كنت الشاهدة الوحيدة على اللي حصل.
بدر قرب منها
مين قتل أبويا؟
سعاد بصت له للحظات، ثم قالت
لو قلتلك اسمه، مش هتصدقني.
قولي!
سعاد اترددت.
وفجأة سُمع صوت زجاج

تم نسخ الرابط