بصراحة ل انجى الخطيب

لمحة نيوز

نزلت من المسرح، قال
فاكرة أول يوم؟
ضحكت
أنساه إزاي؟
لو كنتِ سكتّي وقتها، يمكن كل ده ماكانش حصل.
ردت هناء
ولو إنت ماوقفتش جنبي، يمكن ماكنتش قدرت أكمل.
ثم نظرا إلى المؤسسة التي أصبحت مليئة بالأطفال والشباب.
وقالت هناء
الغريب إن يومًا بدأ بإهانة انتهى بمكان بيدي الناس فرصة.
أحمد رد
يمكن دي أحسن نهاية كانت ممكن تحصل.
لكن هناء هزت رأسها وقالت
لسه النهاية.
لسه؟
ابتسمت وقالت
أنا عندي حلم جديد.
نظر إليها أحمد باستغراب
إيه هو؟
أشارت إلى مجموعة الأطفال أمامهم وقالت
عايزة أفتح مدرسة مجانية بالكامل للأطفال اللي ظروفهم صعبة.
سكت أحمد لحظة، ثم ابتسم.
يبقى نبدأ من بكرة.
وهكذا، لم تكن قصة هناء مجرد قصة امرأة دافعت عن كرامتها
بل قصة امرأة حولت وجعها إلى قوة، وقوتها إلى فرصة لغيرها.
وأحيانًا أكبر انتصار للإنسان مش إنه ينتقم ممن ظلمه، لكن إنه يعيش حياة أجمل من الحياة اللي كانوا فاكرين إنه يستحقها بعد ما قررت هناء تفتح المدرسة، لم تكن تعرف أن تنفيذ الفكرة سيكون أصعب مما تخيلت.
المبنى يحتاج ترميمًا، والتراخيص تحتاج وقتًا، والتجهيزات تحتاج أموالًا.
لكن هناء لم تتراجع.
قالت لأحمد
إحنا بدأنا المركز من الصفر، واللي قدرنا نعمله مرة نقدر نعمله تاني.
بدأوا البحث عن مكان مناسب.
وبعد أسابيع، وجدوا مبنى قديمًا كان مغلقًا منذ سنوات.
المكان كان كبيرًا، لكنه مهمل.
دخلت هناء أول غرفة، ونظرت إلى الجدران المتشققة.
ابتسمت وقالت
هنا هتبقى أول فصل.
أحمد ضحك
إنتِ شايفة مدرسة في المكان ده؟
أنا شايفة البداية.
وبالفعل، بدأ العمال في الترميم.
كل يوم كانت هناء تتابع بنفسها.
وبعد عدة أشهر، أصبح المبنى مختلفًا تمامًا.
فصول.
مكتبة.
معمل كمبيوتر.
قاعة للأنشطة.
وفناء واسع للأطفال.
لكن قبل الافتتاح بأسبوع، وصل خطاب جديد.
وكان هذه المرة من جهة رسمية.
الخطاب يقول إن هناك اعتراضًا على ترخيص المدرسة، لأن المبنى يقع على أرض لها ملف ملكية قديم.
أحمد قال
مش معقول! هنرجع لنفس الدائرة؟
هناء أخذت الخطاب وقالت
لا. المرة دي إحنا فاهمين الإجراءات.
ذهبوا للمحامي، وبدأوا مراجعة المستندات.
وبعد البحث، اكتشفوا أن المشكلة ليست في ملكية المبنى، بل في ورقة قديمة لم يتم تحديثها منذ سنوات.
كان يمكن حلها قانونيًا، لكن الأمر يحتاج وقتًا.
هناء قالت
يبقى ننتظر. مش هنفتح المدرسة بورقة ناقصة.
وبعد شهرين، اكتملت كل الإجراءات.
وجاء يوم الافتتاح.
أول طفل دخل المدرسة كان ولدًا صغيرًا اسمه ياسين.
وقف أمام هناء وقال
هو أنا هتعلم هنا من غير فلوس؟
ابتسمت هناء
أيوه.
طب ليه؟
قالت
علشان العلم حقك.
دخل الطفل وهو يبتسم.
وبعده دخل عشرات الأطفال.
كانت والدة أحمد واقفة في الخلف، تراقب المشهد بعينين مليئتين بالفخر.
اقتربت من هناء وقالت
فاكرة لما قلتلك إنك مش شاطرة في البيت؟
ضحكت هناء
فاكرة.
قالت
كنت غلطانة.
هناء ردت
كلنا بنتعلم.
لكن والدة أحمد لم تكتفِ بذلك.
أخرجت ظرفًا من حقيبتها وسلمته لهناء.
ده ليكي.
فتحت هناء الظرف.
وجدت شيكًا بمبلغ كبير.
اتصدمت
إيه ده؟
قالت
بعت قطعة أرض كانت باسمي، وقررت أتبرع بقيمتها للمدرسة.
هناء لم تعرف ماذا تقول.
قالت والدته
زمان كنت بفكر في الحاجات اللي ناقصة في بيتك دلوقتي بقيت بفكر في الحاجات اللي ممكن نضيفها للناس.
ابتسمت هناء.
وبعد الافتتاح، اجتمعت العائلة كلها في الفناء.
أحمد رفع كوب العصير وقال
لأول يوم في مدرسة بدأت بحلم.
إبراهيم قال
ولأختنا هناء اللي علمتنا إن الكلام لوحده مابيغيرش حاجة.
نهى ابتسمت وقالت
وإن الحكم على الناس من أول نظرة غلط.
ضحك الجميع.
أما هناء، فنظرت إلى الأطفال وهم يلعبون، ثم قالت
أنا زمان كنت فاكرة إن أصعب حاجة في الدنيا إن الناس تقلل منك.
سكت الجميع.
وأكملت
لكن اكتشفت إن الأصعب إنك تصدق كلامهم.
ثم ابتسمت
وأول ما تصدق نفسك تقدر تبدأ من جديد.
وفي نهاية اليوم، دخلت هناء فصلًا فارغًا.
وضعت على أول مكتب كتابًا جديدًا.
ثم كتبت على السبورة
هنا تبدأ الحكايات التي لم يجد أصحابها فرصة من قبل.
وقفت أمام الجملة للحظات.
ثم ابتسمت.
لم تكن تعرف أن أول يوم دراسي سيحمل لها مفاجأة جديدة
لأن بين أسماء الأطفال المسجلين في المدرسة، كان هناك اسم جعلها تتوقف طويلًا
ابن الشخص الذي كان سببًا في أكبر مشكلة مرت بها عائلتها هناء فضلت باصة للاسم الموجود في كشف الطلاب.
آدم سامح عبد الرحمن.
قلبت في الأوراق بسرعة.
وجدت اسم ولي الأمر
سامح عبد الرحمن.
رفعت رأسها وقالت
سامح؟
كان أحمد داخل المكتب في اللحظة دي.
سألها
في إيه؟
أشارت إلى الورقة.
الطفل ده ابن سامح.
أحمد فهم فورًا.
سامح صاحب النزاع القديم؟
هزت رأسها.
أيوه.
سكت أحمد لحظة.
ثم قال
هو قدم ابنه عندنا؟
واضح.
دخلت هناء الفصل في أول يوم دراسي.
وجدت آدم جالسًا وحده في آخر مقعد.
كان هادئًا جدًا، ومش بيتكلم مع الأطفال.
اقتربت منه وقالت
إنت آدم؟
هز رأسه.
أيوه.
مبسوط بالمدرسة؟
قال بصوت منخفض
أيوه.
طب ليه قاعد لوحدك؟
نظر حوله وقال
بابا قال لي إني لازم أكون كويس هنا علشان محدش يقول إننا أخدنا حاجة مش من حقنا.
هناء فهمت فورًا أن الطفل يحمل كلام الكبار فوق طاقته.
جلست أمامه وقالت
اسمعني يا آدم مشاكل الكبار مش مسؤوليتك.
رفع عينيه إليها.
يعني مش لازم أدافع عن بابا؟
لا. إنت مهمتك تتعلم وتلعب وتبقى طفل.
لأول مرة ظهر على وجهه شيء يشبه الابتسامة.
وبعد أيام، بدأ آدم يندمج مع زملائه.
كان متفوقًا في الحساب، لكنه ضعيف في القراءة.
فقررت هناء أن تساعده بنفسها.
ومع الوقت، اكتشفت أن الطفل لديه موهبة كبيرة في الرسم.
كان يرسم مباني ومدارس وحدائق، وكل رسمة فيها أطفال كثيرون.
سألته
نفسك تبقى إيه لما تكبر؟
قال
مهندس.
ليه؟
أجاب
علشان أبني مدارس للأطفال اللي زيي.
ابتسمت هناء.
يبقى لازم تجتهد.
وفي نهاية الشهر، حضر سامح إلى المدرسة لمتابعة ابنه.
قابل هناء عند الباب.
قال
أنا عارف إن وجود ابني هنا ممكن يكون غريب.
هناء ردت
هو طالب زي أي طالب.
سامح قال
أنا كنت متردد أسجله عندكم.
ليه؟
علشان الخلاف القديم.
هناء قالت
الخلاف انتهى بالقانون. آدم ملوش ذنب فيه.
سامح سكت، ثم قال
علشان كده اخترت مدرستكم.
سألته هناء
ليه؟
قال
لأنك أثبتِ إنك بتقدري تفصلي بين الخلاف والإنسان.
ثم أخرج ورقة.
أنا عايز أساهم في المدرسة.
هناء استغربت
إزاي؟
عندي شركة مقاولات. وعايز أتكفل بتجهيز المعمل الجديد.
رفضت هناء في البداية.
لكن سامح قال
مش مقابل حاجة. ولا عايز اسم على مبنى. دي مساهمة لابني وللأطفال.
وافقت هناء.
وبعد شهور، افتُتح معمل العلوم الجديد.
كان آدم أول طفل يدخل إليه.
وقف أمام هناء وقال
أنا هبقى مهندس وأبني مدرسة أكبر من دي.
ضحكت
وأنا مستنياك.
لكن في نفس اليوم، حدث شيء لم يتوقعه أحد.
وصل خطاب إلى هناء من وزارة التعليم.
كان الخطاب يحمل خبرًا كبيرًا
المدرسة تم اختيارها ضمن أفضل المشروعات التعليمية المجتمعية في المحافظة.
أحمد قرأ الخطاب وقال
يعني هنشارك في مسابقة على مستوى الجمهورية.
هناء ابتسمت.
إحنا؟
إحنا.
نظرت هناء إلى الأطفال من نافذة المكتب.
وقالت
أنا مش عايزة جايزة.
أحمد سألها
أمال عايزة إيه؟
قالت
عايزة المدرسة تكبر.
وهتكبر.
وعايزة كل طفل يدخل من الباب ده يخرج وهو مصدق إنه يقدر يبقى حاجة كبيرة.
أحمد ابتسم
يبقى عندنا شغل كتير.
وفي اليوم التالي، بدأت هناء تجهز ملف المسابقة.
لكنها لم تكن تعرف أن اللجنة ستطلب منها أن تحكي أمام الجميع عن اليوم الذي بدأت فيه قصتها
اليوم الذي جلست فيه على السفرة، وسمعت الجملة التي غيرت حياتها
أنا مستغربة إن حد رضي يتجوزك أصلًا.
ولأول مرة، ستضطر هناء أن تحكي القصة كاملة أمام جمهور كبير
لكن هذه المرة، لن تحكيها وهي مكسورة.
ستحكيها وهي واقفة على قدميها جاء يوم المسابقة.
كانت القاعة مليانة بممثلين عن المدارس والمؤسسات التعليمية، وكل مؤسسة معها عرض عن فكرتها وإنجازاتها.
جلست هناء بجانب أحمد، وأمامها ملف المدرسة.
كانت متوترة.
قال لها أحمد
إنتِ مش داخلة امتحان.
ابتسمت
حاسّة إني داخلة امتحان فعلًا.
إنتِ عندك حاجة أهم من أي ورق.
إيه؟
حكاية حقيقية.
نظرت له هناء، ثم أخذت نفسًا عميقًا.
نادى المذيع اسم المدرسة.
وقفت هناء وصعدت إلى المسرح.
بدأت تتكلم عن المشروع، وعن الأطفال، وعن المركز، وعن فكرة التعليم المجاني.
ثم قالت
لكن قبل ما أحكي لكم إزاي المدرسة بدأت، لازم أحكي لكم عن اليوم اللي غير حياتي.
ساد الهدوء في القاعة.
قالت
من سنين، كنت قاعدة على سفرة في بيتي، مع عيلة جوزي. كنت مجهزة الغدا من الصبح، ونضفت البيت، وعملت كل اللي أقدر عليه.
سكتت لحظة.
لكن بدل ما أسمع كلمة شكر، سمعت جملة وجعتني جدًا أنا مستغربة إن حد رضي يتجوزك أصلًا.
بعض الحاضرين نظروا إليها بتأثر.
أكملت
يومها كنت أقدر أصرخ، وأطردهم، وأقطع علاقتي بكل الناس. لكني عملت حاجة مختلفة.
سألها أحد أعضاء اللجنة
إيه هي؟
قالت
وقفت وقلت كفاية.
ثم أضافت
ومن اللحظة دي فهمت إن الدفاع عن كرامتي مش معناه إني أكره الناس. معناه إني أتعلم أحط حدود.
صفق بعض الحاضرين.
هناء أكملت
بعدها جوزي وقف جنبي، وأهله راجعوا نفسهم، وإحنا كلنا اتعلمنا درس
تم نسخ الرابط