جوزى

لمحة نيوز

التجربة علمتها درسًا جديدًا
الثقة لوحدها مش كفاية في الشغل. لازم يكون فيه نظام يحمي الجميع.
عملت نظام موافقات جديد.
أي تحويل فوق 10 آلاف جنيه لازم يتراجع من شخصين.
وأي فاتورة لازم تتأكد من المورد مباشرة.
محمود قال لها
إنتِ بقيتي مديرة بجد.
ضحكت
اتعلمت من غلطة الكارت.
قال
وأنا كمان.
بعدها بأسبوع، جاء اتصال غير متوقع.
كانت من مؤسسة كبيرة سمعت عن المركز.
قالوا
إحنا عايزين نمول توسعة للمركز.
دينا سألت
مقابل إيه؟
مفيش مقابل شخصي. التمويل مخصص لتدريب 500 بنت خلال السنة القادمة.
قفلت المكالمة وهي مش مصدقة.
وفي المساء، حكت لمحمود.
قال
دي فرصة عظيمة.
لكن دينا قالت
لازم أقرأ كل بند قبل ما أوافق.
ضحك
زمان كنتِ بتقولي لي ما تمضيش حاجة قبل ما تقراها.
ولسه بقولها لك.
بعد أسبوع من المراجعة، وافقت.
وتحول المركز من مكان صغير إلى مؤسسة حقيقية.
لكن وسط كل النجاح ده، حصل موقف جعل دينا تفتكر أول يوم حطت فيه كراتين محمود الستة.
كانت نوال قاعدة معاها ذات مساء، وقالت
تعرفي يا دينا؟ أنا ساعات بفكر في اللي حصل يوم الحفلة.
دينا ابتسمت
وأنا كمان.
قالت نوال
كنت غلطانة لما قلت إن واجبك تدفعي.
حصل خير يا طنط.
لأ، لازم أقولها.
سكتت لحظة ثم قالت
أنا كنت متعودة إن محمود يشيل عني، ولما اتجوز افتكرت إنك بقيتي جزء من المسؤولية دي. لكني فهمت إنك إنسانة ليكي تعبك وحقوقك.
دينا ابتسمت.
وإنتِ برضه ليكي حق تتدلعّي في عيد ميلادك.
ضحكت نوال.
بس المرة الجاية حفلة صغيرة.
ضحكت دينا.
وفي نفس اللحظة، دخل محمود وقال
سمعت كلمة حفلة؟
نوال ردت
لا يا ابني، متخافش.
دينا قالت
لو حفلة تاني، الحساب علينا إحنا التلاتة.
ضحكوا كلهم.
وبعد سنوات، لما حد كان يسأل دينا عن بداية المركز، كانت تقول
المركز بدأ يوم اكتشفت إن تحويشة عمري مش مجرد فلوس.
ثم تسكت قليلًا وتكمل
كانت اختبار.
اختبار لمحمود.
واختبار لعيلته.
واختبار ليا أنا.
والحمد لله
كلنا نجحنا فيه في الآخر.
أما الكراتين الستة، فدينا احتفظت بيهم في المخزن.
وفي يوم سألتها واحدة من البنات
إيه دول؟
ضحكت دينا وقالت
دول ذكرى يوم قررت أحط حدود في حياتي.
ثم أضافت
وأحيانًا، أول خطوة للراحة مش إنك تخسر الناس
لكن إنك تعلمهم إزاي يحترموك بعد مرور ثلاث سنين، بقى مركز حسن معروف في أكتر من محافظة.
دينا ما كانتش مصدقة إن المكان الصغير اللي بدأ بفكرة بسيطة بقى فيه أكتر من فرع، وإن مئات البنات اتعلموا فيه مهارات ساعدتهم يلاقوا شغل أو يبدأوا مشاريعهم.
لكن في صباح يوم، وصلها خطاب رسمي.
فتحت الظرف.
وكان فيه دعوة لحضور حفل تكريم لأفضل المشروعات الاجتماعية في السنة.
اسم المركز كان ضمن القائمة.
ابتسمت، واتصلت بمحمود.
محمود، إحنا اترشحنا لجائزة.
قال بفرحة
كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
بس أنا مش عايزة أروح لوحدي.
ولا أنا عايزك تروحي لوحدك.
ضحكت
أقصد عايزة نوال وسارة وكريم ييجوا.
قال
يبقى كلنا نروح.
وفي يوم الحفل، كانت القاعة مليانة.
ولما نادوا اسم دينا، وقفت على المسرح.
المذيع قال
السيدة دينا حسن، مؤسسة مركز حسن للتدريب وتنمية المهارات.
طلعت وسط تصفيق كبير.
استلمت الجائزة.
لكن بدل ما تبدأ تتكلم عن نفسها، قالت
أنا مش واقفة هنا عشان أقول إني عملت حاجة لوحدي.
وسكتت لحظة.
أنا بدأت من موقف خلاني أفهم إن الإنسان لازم يحافظ على حقه، لكن كمان لازم يحافظ على اللي حواليه.
ثم شكرت فريق المركز، وأهلها، ومحمود.
وبعد الحفل، وهي خارجة من القاعة، اقترب منها رجل كبير في السن.
قال
أستاذة دينا، ممكن دقيقة؟
طبعًا.
قال
أنا كنت أعرف جدك.
اتجمدت مكانها.
جدي؟
أيوه.
أخرج من حقيبته صورة قديمة.
كانت صورة لجدها مع مجموعة من الناس.
ناولها لها وقال
جدك كان دايمًا يقول إن أهم حاجة يسيبها للناس مش فلوس لكن أثر.
دينا مسكت الصورة بإيدين مرتعشتين.
الرجل أكمل
قبل وفاته، كان سايب وصية عندي.
وصية؟
أيوه.
وأخرج ظرفًا قديمًا عليه اسمها.
دينا فتحت الظرف.
كان فيه جواب بخط جدها.
قرأته
دينا، لو وصل لك الخطاب ده، يبقى كبرتِ وبقيتي قادرة تفهمي الكلام اللي كنت بقوله لك وإنتِ صغيرة.
أنا عارف إنك بتحبي تجمعي وتوفري، وده شيء كويس.
لكن خليكي فاكرة إن المال وسيلة، مش غاية.
احفظي حقك، وساعدي اللي يستحق، ومتسمحيش لأي حد يحسسك إن الحفاظ على تعبك أنانية.
ولو ربنا رزقك بزيادة، خلي جزء منها سبب في رزق غيرك.
وقفت دينا ساكتة.
كانت عينيها مليانة دموع.
لكنها ابتسمت.
لأنها فهمت إن كل اللي حصل في حياتها كان بيقودها لنفس المعنى.
رجعت البيت، وحكت لمحمود.
قرأ الخطاب.
وقال
جدك كان سابق زمانه.
ردت
وأنا نفسي أكمل اللي بدأه.
قال
نعمل إيه؟
دينا سكتت قليلًا.
ثم قالت
نفتح فرع جديد.
فين؟
في قرية صغيرة، البنات هناك مش لاقيين مكان يتعلموا فيه.
ابتسم محمود.
خلاص. نبدأ.
وبعد سنة، اتفتح الفرع الجديد.
وفي أول يوم، كانت فيه بنت صغيرة واقفة على الباب، ماسكة شنطة قديمة.
دينا قالت لها
عايزة تتعلمي إيه؟
البنت قالت بخجل
أي حاجة تخليني أقدر أشتغل وأساعد أمي.
ابتسمت دينا وقالت
يبقى إنتِ جيتي المكان الصح.
وفي نهاية اليوم، رجعت دينا البيت وفتحت درج مكتبها.
كانت فيه ورقة قديمة.
إيصال المطعم.
286 ألف و جنيه.
احتفظت به من يوم المشكلة.
محمود شاف الورقة وقال
لسه محتفظة بيه؟
ضحكت.
أيوه.
ليه؟
قالت
عشان كل ما أشوفه أفتكر إن أكبر مشكلة حصلت في حياتنا كانت بداية أحسن قرار خدناه.
محمود هز رأسه.
فعلاً.
دينا قفلت الدرج.
وقالت
والأهم إننا اتعلمنا إن البيت مش بيتبني بالفلوس بس.
بيتبني بإيه؟
ابتسمت وقالت
بالاحترام، والاتفاق، وكل واحد يعرف قيمة تعب التاني بعد خمس سنين، كان اسم مركز حسن بقى معروف في محافظات كتير.
دينا بقت مديرة مؤسسة كبيرة، ومحمود ساب شغله القديم وبدأ يساعدها في الإدارة والحسابات.
لكن النجاح الكبير جاب مسؤوليات أكبر.
في يوم، وصل للمركز خطاب رسمي من جهة رقابية بتطلب مراجعة كل الحسابات والمستندات الخاصة بالمؤسسة.
دينا ما خافتش.
قالت لمحمود
كل ورقة موجودة، وكل جنيه داخل أو خارج متسجل.
لكن أثناء المراجعة، ظهرت مشكلة.
المراجع قال
فيه مبلغ قيمته 700 ألف جنيه ظاهر في السجلات كتمويل للمشروع، لكن المستندات ناقصة.
دينا اتفاجئت.
مستحيل.
فتحت الملفات بنفسها.
المبلغ فعلًا موجود في الحساب، لكن ورقة مصدر التمويل مش موجودة.
محمود قال
ممكن يكون خطأ في الأرشيف.
دينا ردت
ممكن. بس لازم نثبت ده.
بدأوا يراجعوا الحسابات من أول يوم.
بعد يومين كاملين، اكتشفوا إن المبلغ كان منحة قديمة وصلت للمركز عن طريق مؤسسة خيرية، لكن الملف الأصلي كان محفوظ في فرع قديم تم إغلاقه.
المشكلة اتحلت.
لكن دينا قررت تعمل حاجة أكبر.
قالت
من النهارده كل فرع هيكون له أرشيف إلكتروني ونسخة ورقية، ومفيش ورقة هتضيع تاني.
محمود ضحك
إنتِ بقيتي بتحبي النظام أكتر من الفلوس.
قالت
النظام هو اللي بيحافظ على الفلوس.
وبعد فترة قصيرة، جالها اتصال من وزارة التضامن.
قالوا لها إنهم عايزين يتعاونوا مع المركز في برنامج قومي لتدريب السيدات على العمل والحرف.
دينا ما صدقتش.
يعني هنقدر نوصل لآلاف الستات؟
أيوه.
قفلت المكالمة وهي ساكتة.
محمود قال
مبروك.
قالت
فاكر أول يوم؟
يوم ال ألف؟
ضحكت
أيوه.
فاكر.
قالت
أنا وقتها كنت فاكرة إن أكبر حلم ليا شقة وتحويشة أمان.
سألها
ودلوقتي؟
بصت من الشباك.
دلوقتي حلمي إن كل واحدة تدخل المركز تخرج وهي عارفة إنها تقدر تعتمد على نفسها.
في نفس الأسبوع، نوال أصرت إنها تزور أحد فروع المركز.
دخلت وشافت عشرات السيدات بيتعلموا.
وقفت تتفرج فترة طويلة.
ثم قالت لدينا
أنا فخورة بيكي.
دينا ابتسمت.
وإنتِ ليكي جزء من الحكاية.
نوال هزت رأسها.
لأ. إنتِ اللي بدأتيها.
قالت دينا
كلنا اتعلمنا.
وبعد شهر، حصل شيء لم يكن أحد يتوقعه.
دينا تلقت خطابًا من البنك.
الرسالة كانت بخصوص الحساب القديم اللي بدأت منه كل الحكاية.
لكن هذه المرة لم تكن الرسالة عن خصم أو سحب.
كان فيها عرض من البنك لتكريمها كنموذج لعميلة تمكنت من تحويل مدخراتها إلى مشروعات منتجة ذات أثر اجتماعي.
محمود قرأ الخطاب وقال
البنك نفسه فاكر ال ألف؟
ضحكت دينا
شكل الرقم ده مش هيسيبنا.
وفي حفل التكريم، سألها أحد الصحفيين
إيه أهم درس اتعلمتيه في حياتك؟
دينا فكرت قليلًا، ثم قالت
إن الإنسان ممكن يخسر فلوس ويرجع يعوضها.
وسكتت لحظة.
لكن لو خسر احترامه لنفسه، استرجاعه أصعب.
ثم أضافت
وعشان كده، لازم نحافظ على حقوقنا من غير ما نظلم حد، ونساعد أهلنا من غير ما ننسى نفسنا.
صفق الحضور.
ومحمود كان واقف بعيد، مبتسمًا بفخر.
وفي طريق العودة، قال لها
لو رجع بي الزمن، كنت هتصرف بطريقة مختلفة.
سألته
إزاي؟
قال
كنت هقول لك من الأول دينا، محتاج مساعدتك.
ابتسمت وقالت
وأنا كنت هقول لك تعالى نشوف نقدر نساعد قد إيه.
قال
بدل ما أقول لك افتحي الكارت.
ضحكوا.
ولأول مرة، كان الرقم 286 ألف و جنيه مجرد ذكرى قديمة.
مش ذكرى أزمة
لكن ذكرى اليوم اللي اتغيرت فيه حياة عيلة كاملة.
وفي نهاية السنة، وقفت دينا أمام باب أكبر
تم نسخ الرابط