ابنى نوح حكايات توتا

لمحة نيوز

كلها دفاتر أطفال.
كل دفتر فيه أحلام طفل، ورسمة، وملاحظة عن الشيء الذي كان يتمنى أن يحصل عليه.
قالت لوسي
دي مش أسرار دي أحلام.
ظهر آدم عند الباب.
قال
بالضبط.
ثم أخبرهما أن المشروع لم يبدأ من آدم أصلًا.
قبل آدم بسنوات، كانت هناك معلمة اسمها الأستاذة هناء.
كانت تلاحظ أن بعض الأطفال يأتون للمدرسة من غير طعام أو أدوات.
فبدأت تجمع الأشياء البسيطة من الطلاب.
لكنها رفضت أن تسميها تبرعات.
كانت تقول دائمًا
إحنا مش بنعطي طفل حاجة لأنه ضعيف إحنا بنشاركه اللي عندنا لأنه واحد مننا.
آدم كان أحد تلاميذها.
ومنها تعلم الفكرة.
ثم نقلها لأطفال آخرين.
ثم جاء نوح.
ثم لوسي.
ثم آلاف الأطفال.
نوح قال
يعني اللانش بوكس القديم كان بتاع الأستاذة هناء؟
آدم ابتسم.
أيوه.
وفي قاع أحد الصناديق، وجدوا صورة قديمة للمعلمة هناء وهي تقف أمام مجموعة من الأطفال.
وخلف الصورة جملة
أتمنى أن يأتي يوم لا يحتاج فيه أي طفل أن يخفي جوعه.
نوح ظل صامتًا.
ثم قال
إحنا لسه بعيد.
آدم رد
يمكن لكنكم قربتم.
وفي اليوم التالي، قرر نوح ولوسي تحويل الغرفة القديمة إلى متحف صغير.
سموه
غرفة البدايات.
وضعوا فيها الفستان الأحمر.
واللانش بوكس.
وصورة آدم.
وصورة الأستاذة هناء.
وكتبوا على الحائط
كل شيء كبير بدأ بشيء صغير.
بعد افتتاح الغرفة بأسبوع، جاءت الأستاذة هناء نفسها.
كانت قد تقدمت في السن، لكنها ما زالت تتذكر المدرسة.
وقفت أمام الفستان الأحمر طويلًا.
ثم قالت
مين الطفل اللي بدأ كل ده؟
نوح قال
أنا.
ابتسمت وقالت
لأ.
استغرب.
أشارت إلى اللانش بوكس.
الطفل اللي بدأ كل ده كان كل طفل قرر في يوم من الأيام يشارك حاجة مع غيره.
ثم نظرت إلى لوسي.
وقالت
وإنتِ كمان جزء من الحكاية.
لوسي ابتسمت.
وفي نهاية اليوم، خرجت الأستاذة هناء من الغرفة.
لكن قبل أن تغادر، تركت ورقة صغيرة.
نوح فتحها بعد رحيلها.
كان مكتوبًا
لا تجعلوا المركز مكانًا يحتاج إليه الأطفال دائمًا اجعلوه مكانًا يساعد الأطفال حتى يصبحوا هم القادرين على مساعدة غيرهم.
قرأ نوح الجملة.
ثم قال
دي أصعب مرحلة.
لوسي ردت
وأجمل مرحلة.
ومن اليوم التالي، بدأ المركز مشروعًا جديدًا.
من طفل محتاج إلى طفل قادر على العطاء.
وهكذا بدأت الحكاية من جديد.
لكن هذه المرة
لم يعد نوح هو البطل.
ولا لوسي.
البطل كان كل طفل تعلم أن الخير لا يتوقف عنده.
وكان الفستان الأحمر لا يزال معلقًا في غرفة البدايات.
تحت جملة واحدة
لا تستهين أبدًا بالخير الصغير فقد يكون بداية لحكاية أكبر مما تتخيل. بعد أسبوع من افتتاح مكتبة الأطفال، حصل شيء ماحدش كان متوقعه.
وصل للمركز خطاب من قرية بعيدة.
الخطاب كان قصيرًا جدًا
إحنا عندنا مدرسة صغيرة، لكن مفيش فيها مكتبة، ومفيش أطفال قادرين يشتروا كتب. سمعنا عنكم ونحتاج مساعدتكم.
نوح قرأ الخطاب مرتين.
ثم قال
هنروح.
قالت لوسي
هنحتاج عربية كبيرة.
يوسف رد
ومكتبة متنقلة.
وهنا بدأت فكرة جديدة.
بدل ما ينتظروا الأطفال ييجوا للمركز
المركز هو اللي هيروح لهم.
جمعوا الكتب.
جهزوا صناديق الطعام.
ووضعوا الأدوات المدرسية في صناديق كبيرة.
وفي آخر سيارة، وضع نوح اللانش بوكس القديم.
سألته لوسي
ليه بتاخده معانا؟
قال
عشان أي بداية جديدة لازم تفتكر البداية الأولى.
وصلوا القرية بعد ساعات.
المدرسة كانت صغيرة جدًا.
ثلاث فصول فقط.
لكن الأطفال كانوا واقفين أمام الباب، وكل واحد منهم ماسك ورقة كتب عليها حلمه.
طفل كتب
نفسي أبقى مهندس.
بنت كتبت
نفسي أبقى رسامة.
طفل آخر كتب
نفسي أتعلم الكمبيوتر.
نوح قرأ الأوراق كلها.
ثم قال
إحنا مش جايين نقول لكم تحلموا إحنا جايين نساعدكم تبدأوا.
بدأوا بتجهيز المكتبة.
لكن أثناء العمل، لاحظ نوح بنت صغيرة قاعدة وحدها في آخر الفصل.
كانت لا تشارك أحدًا.
اقترب منها وسألها
اسمك إيه؟
قالت
سارة.
بتحبي القراءة؟
هزت رأسها.
عندي كتاب واحد.
أخرجت من حقيبتها كتابًا قديمًا جدًا، غلافه شبه ممزق.
نوح قال
إيه أكتر حاجة بتحبيها فيه؟
قالت
البنت اللي فيه بتساعد كل الناس.
نوح ابتسم.
طب نفسك تعملي إيه لما تكبري؟
سارة بصت للكتاب.
وقالت
أعمل مكتبة زي دي.
نوح سكت لحظة.
ثم أعطاها مفتاحًا صغيرًا.
قالت
ده إيه؟
مفتاح مكتبتك.
ضحكت.
بس دي مكتبة المدرسة.
قال
النهارده آه لكن بعدين ممكن تكون مكتبتك.
بدأت سارة تساعد في ترتيب الكتب.
وفي نهاية اليوم، كانت أول طفلة تستعير كتابًا.
لكن قبل ما يمشوا، جاءت مديرة المدرسة وقالت
في حاجة لازم أوريهالك.
أخذتهم إلى مخزن قديم خلف المدرسة.
كان فيه صندوق خشبي مغلق.
وعلى الصندوق علامة غريبة.
نوح اقترب.
كانت نفس العلامة الموجودة على اللانش بوكس القديم.
نظر إلى لوسي.
مش معقول.
قالت
هو المشروع وصل هنا قبلنا؟
المديرة قالت
الصندوق ده هنا من أكتر من عشرين سنة.
فتحه نوح.
جواه عشرات الرسائل.
كل رسالة من طفل.
لكن آخر رسالة كانت جديدة.
مكتوب عليها
إلى الشخص الذي يحمل اللانش بوكس المعدني.
نوح فتحها.
قرأ
لو وصلت الرسالة دي، يبقى الخير وصل للقرية.
لكن فيه طفل واحد هنا محتاج مساعدتك أكثر من أي شيء مادي.
اسمه مكتوب في آخر الصفحة.
قلب نوح الورقة.
وكان الاسم
سارة.
نوح رفع رأسه فورًا.
سارة؟
لكن البنت لم تكن في الفصل.
بدأ الجميع يبحث عنها.
خرجوا إلى فناء المدرسة.
ثم سمعوا صوتًا من خلف المكتبة الجديدة
أنا هنا.
كانت سارة واقفة أمام باب صغير لم يلاحظه أحد.
وقالت
لقيت حاجة.
كانت ماسكة صندوقًا أحمر صغيرًا.
فتحه نوح.
لم يكن بداخله مال.
ولا ذهب.
ولا أوراق سرية.
كان بداخله دفتر رسم.
في أول صفحة رسمت سارة مكتبة كبيرة جدًا، وحولها أطفال كثيرون.
وفي أعلى الصفحة كتبت
المكتبة اللي هبنيها لما أكبر.
نوح ابتسم.
وقال
مش لازم تستني لما تكبري.
نظرت له.
يعني؟
نبدأ من النهارده.
وأعطوها دفترًا جديدًا.
وقال
كل أسبوع اكتبي حاجة جديدة تتعلميها.
ثم وضعوا اسمها على أول بطاقة في المكتبة
سارة أول أمينة مكتبة صغيرة.
وفي طريق العودة، كانت السيارة مليانة كتب وأطفال يلوحون لهم من بعيد.
لوسي قالت
إحنا كل مرة بنروح مكان، بنكتشف إن الحكاية كانت بدأت قبلكم.
نوح رد
يمكن دي أهم حاجة اتعلمناها.
إيه؟
نظر إلى اللانش بوكس القديم وقال
إن الخير مش له صاحب واحد.
ثم أضاف
كل واحد بيعمل حاجة كويسة بيترك جزءًا منها في مكان ما وبعد سنين، شخص تاني يلاقيها ويكمل.
وفي آخر السيارة، كان اللانش بوكس المعدني يهتز مع الطريق.
لكن هذه المرة
لم يكن يحمل سرًا.
كان يحمل بداية جديدة.
يتبع

تم نسخ الرابط