ابنى نوح حكايات توتا
المحتويات
يكمل.
مريم وعدته.
وبعدها بسنوات، اتغير شكل المركز بالكامل.
نوح أصبح شابًا مسؤولًا عن المبادرة.
ولوسي أصبحت واحدة من أهم الأشخاص فيه.
أما هنا، فكانت كل سنة تحكي للأطفال عن اليوم الذي اشترى فيه نوح الفستان الأحمر من مصروفه.
لكنها كانت دائمًا تنهي الحكاية بنفس الجملة
أحيانًا الإنسان يفتكر إن اللي معاه قليل لكن لو استخدم القليل صح، ممكن يعمل منه حاجة كبيرة جدًا.
وفي أحد الأيام، دخل طفل صغير إلى المركز.
كان ماسك لانش بوكس بلاستيك قديم.
سألته لوسي
جاي تعمل إيه؟
قال
أنا عايز أتبرع.
فتحت اللانش بوكس.
كان جواه ساندويتش واحد فقط.
لوسي ابتسمت وقالت
ده أكلك.
هز رأسه.
أنا عندي واحد تاني في البيت.
ثم أخرج ورقة صغيرة.
كان مكتوب عليها
أنا عندي كتير حتى لو اللي عندي بسيط.
وقفت لوسي تنظر للورقة.
ثم نظرت إلى نوح.
نوح لم يقل شيئًا.
فقط ابتسم.
لأن الاثنين عرفوا في اللحظة دي إن الحكاية لم تنتهِ.
ولن تنتهي.
الفستان الأحمر انتقل من طفلة لطفلة
واللانش بوكس انتقل من طفل لطفل
أما الفكرة نفسها، ففضلت تكبر
ساعد غيرك من غير ما تحسسه إنه أقل منك.
وكانت تلك هي النهاية الحقيقية للحكاية.
مش إن نوح أنقذ لوسي
ولا إن لوسي احتاجت نوح.
لكن إن طفلًا صغيرًا أثبت للجميع أن الرحمة لا تحتاج سنًا كبيرًا، وأن الخير لا يحتاج مالًا كثيرًا، وأن أجمل أثر ممكن يتركه الإنسان هو أن يجعل شخصًا آخر يؤمن بنفسه.
النهاية بعد مرور سنوات، افتكرت إن الحكاية أخيرًا وصلت لنهايتها.
لكن في يوم، وصل للمركز جواب من مدرسة بعيدة جدًا.
الجواب كان من مديرة المدرسة، وبتطلب مقابلة نوح.
لما راح، اكتشف إن المدرسة عندها غرفة قديمة مليانة حاجات تبرع بها الأهالي من سنين.
لكن وسط الحاجات دي، كان فيه صندوق خشبي عليه نفس العلامة القديمة الموجودة على اللانش بوكس.
نوح سأل
الصندوق ده جه هنا إمتى؟
المديرة ردت
من أكتر من عشرين سنة.
فتحوا الصندوق.
كان جواه دفتر كبير.
نوح قلب الصفحات، وفجأة لقى اسمًا يعرفه.
آدم.
لكن هذه المرة، لم تكن الرسالة موجهة إليه.
كانت موجهة إلى أي شخص يجد الدفتر.
كتب آدم
لو وصلت إلى هنا، فأنت تعرف أن الخير لا يعيش على صاحبه. الخير ينتقل من شخص إلى آخر.
وفي الصفحة الأخيرة كان هناك سؤال
هل تستطيع أن تبدأ شيئًا لا يكون لك وحدك؟
نوح قرأ السؤال أكثر من مرة.
ثم ابتسم.
وقال
أيوه.
رجع إلى المركز، وجمع فريق العمل.
وقال لهم
إحنا طول الوقت بنساعد الأطفال اللي حوالينا. لكن فيه أطفال في قرى ومناطق بعيدة عمرهم ما سمعوا عن المركز.
اقترح إطلاق مبادرة جديدة باسم
الفستان الأحمر قافلة الخير.
الفكرة كانت بسيطة
كل شهر تذهب مجموعة من المتطوعين إلى مدرسة مختلفة، وتقدم وجبات، وكتبًا، وملابس، وأدوات مدرسية، لكن الأهم أنهم يسألون كل طفل
إنت بتحلم بإيه؟
وبعدها يساعدونه في أول خطوة لتحقيق حلمه.
في أول قافلة، قابل نوح طفلًا صغيرًا اسمه يوسف.
كان يوسف يجلس دائمًا في آخر الفصل.
سأله نوح
بتحب تعمل إيه؟
يوسف قال
أصلح حاجات.
إيه يعني؟
أخرج يوسف ساعة قديمة من حقيبته.
أنا بفك الساعات والألعاب وأحاول أصلحها.
نوح ابتسم.
طيب نفسك تبقى إيه لما تكبر؟
يوسف فكر قليلًا.
مهندس.
في اليوم التالي، وصل للمركز صندوق صغير.
كان بداخله مجموعة أدوات تعليمية بسيطة للدوائر والروبوتات.
ومكتوب على الصندوق
للمهندس يوسف.
بعد شهر، يوسف صنع أول سيارة صغيرة تعمل ببطارية.
وبعد سنة، أصبح يشارك في مسابقات المدرسة.
ومع كل طفل، كانت الحكاية تتكرر.
طفلة تحب الرسم.
طفل يحلم بأن يصبح طبيبًا.
بنت تحب الخياطة.
ولد يحب الزراعة.
المركز لم يعد مجرد مكان لتوزيع الأشياء.
أصبح مكانًا لاكتشاف الأحلام.
وفي أحد الأيام، دخل نوح المكتب فوجد اللانش بوكس القديم فوق مكتبه.
بجواره الفستان الأحمر.
سأل
مين حطهم هنا؟
لوسي قالت
أنا.
سألها
ليه؟
قالت
عشان نفتكر البداية.
وقف نوح أمامهما.
فستان صغير
ولانش بوكس قديم
وحولهما صور مئات الأطفال الذين تغيرت حياتهم.
قال نوح
فاكرة أول يوم؟
ابتسمت لوسي.
أيوه.
قال
أنا كنت فاكر إني اشتريت فستان.
ردت
طلع إنك اشتريت بداية.
ضحك نوح.
وفي تلك اللحظة، دخل طفل صغير إلى المكتب.
كان يحمل ظرفًا أحمر.
قال
ده ليكم.
فتح نوح الظرف.
وجد بداخله صورة مرسومة بالقلم.
كانت الصورة لطفل صغير يعطي فستانًا أحمر لطفلة.
وفوقهما مكتوب
شكرًا لأنكم علمتونا إن الخير بيبدأ بحاجة صغيرة.
نوح ظل ينظر إلى الرسمة طويلًا.
ثم وضعها بجانب الفستان واللانش بوكس.
وأدرك أن الحكاية لن يكون لها نهاية فعلية.
لأن كل طفل يساعد طفلًا آخر
كان يكتب فصلًا جديدًا.
وهكذا بقي الفستان الأحمر واللانش بوكس القديم في المركز، ليس كذكرى فقط
بل كرسالة لكل من يدخل المكان
ابدأ بما تستطيع وسيكمل غيرك الطريق.
النهاية بعد افتتاح غرفة البدايات بشهور، حصل شيء ماكنش في الحسبان.
في صباح يوم هادئ، دخل موظف الاستقبال على نوح وقال
فيه سيدة كبيرة في السن مستنياك بره.
نوح خرج.
كانت ست كبيرة ماسكة حقيبة قماش قديمة، وبتبص للمكان من بعيد.
قالت
إنت نوح؟
أيوه.
فتحت الحقيبة وأخرجت منها لانش بوكس معدني صغير.
نوح اتجمد.
كان نفس شكل اللانش بوكس القديم، لكن أصغر.
قال
ده إيه؟
السيدة ردت
ده كان بتاع ابني.
سألها نوح
ابنك مين؟
قالت
اسمه كريم.
ثم أضافت
كان في المدرسة القديمة مع آدم.
جلست وبدأت تحكي.
كريم كان طفلًا هادئًا جدًا.
في أحد الأيام، لاحظ زميلًا له لا يملك طعامًا.
فكان يقتسم معه وجبته كل يوم.
وفي آخر السنة، كتب في دفتره
نفسي لما أكبر أعمل مكان محدش فيه يحس إنه أقل من غيره.
لكن كريم لم يستطع تنفيذ حلمه.
فاحتفظت والدته باللانش بوكس سنوات طويلة.
قالت
لما سمعت عن المركز، حسيت إن ابني أخيرًا حقق حلمه.
نوح أخذ اللانش بوكس منها.
هنحطه في غرفة البدايات.
هزت رأسها.
بس بشرط.
إيه؟
قالت
ما تكتبوش اسمه لوحده.
استغرب نوح.
ليه؟
ابتسمت.
اكتبوا أسماء كل الأطفال اللي ساعدوا بعض.
وفعلًا، وضعوا اللانش بوكس في الغرفة.
وتحته لوحة كبيرة.
كل طفل يشارك في المبادرة يكتب اسمه عليها.
وبمرور الوقت، امتلأت اللوحة بالأسماء.
لكن في يوم، دخل نوح غرفة البدايات، ولاحظ أن أحد الأطفال كتب اسمه ثم شطبه.
كان اسمه عمر.
ذهب نوح إليه.
ليه شطبت اسمك؟
عمر قال
أنا مش ساعدت حد.
ليه بتقول كده؟
أخرج عمر ورقة من جيبه.
كنت عايز أتبرع بحاجة، بس ماما قالت لي إننا مش قادرين.
نوح جلس بجانبه.
مين قال إن المساعدة لازم تكون فلوس؟
عمر سكت.
نوح أعطاه ورقة.
اكتب حاجة تقدر تعملها.
فكر عمر طويلًا.
ثم كتب
أقدر أشرح الواجب لزميلي اللي مش فاهم.
نوح ابتسم.
دي مساعدة.
ومن اليوم التالي، بدأ عمر يساعد زملاءه في المذاكرة.
بعد فترة، أصبح عند المركز مشروع جديد
ساعة من وقتك.
كل طفل يقدر يشارك بساعة أسبوعيًا في شيء يجيده.
واحد يشرح الحساب.
واحدة تقرأ القصص للأطفال.
طفل يساعد في ترتيب الكتب.
وبنت تعلم الرسم.
وأصبح المركز مكانًا يتبادل فيه الأطفال مهاراتهم بدلًا من مجرد استلام الأشياء.
وفي مساء أحد الأيام، دخل نوح غرفة البدايات.
وجد لوسي جالسة أمام اللوحة.
قال
بتعملي إيه؟
قالت
بعدّ الأسماء.
وصلتي لكام؟
ابتسمت.
أكتر من عشرة آلاف.
نوح سكت.
ثم نظر إلى الفستان الأحمر.
وتذكر نفسه وهو طفل صغير، واقف أمام فاترينه محل الملابس، وبيفكر إزاي يشتري فستانًا لطفلة يحبها كصديقة.
قال
تفتكري لو رجعنا بالزمن، نوح الصغير كان يتخيل إن الموضوع هيوصل لكده؟
لوسي ضحكت.
أكيد لأ.
ثم أشارت إلى باب الغرفة.
كان هناك طفل صغير واقف، ماسك ورقة.
قال
ممكن أضيف اسمي؟
نوح ابتسم.
طبعًا.
دخل الطفل وكتب اسمه.
ثم وضع بجانبه جملة
أنا مش عندي حاجات كتير بس عندي وقت.
نوح قرأ الجملة.
ولم يستطع منع ابتسامته.
لأنها كانت نفس الفكرة التي بدأت بها الحكاية كلها
مش لازم يكون عندك كتير عشان تعمل فرق.
وفي تلك الليلة، اتخذ نوح قرارًا جديدًا.
لن يكون هدف المركز أن يساعد ألف طفل
ولا عشرة آلاف.
سيكون هدفه أن يعلم كل طفل مرّ من هنا كيف يساعد طفلًا آخر.
لأن الخير الحقيقي، في النهاية، مش عدد الناس اللي ساعدتهم.
الخير الحقيقي هو عدد القلوب اللي علمتها تساعد غيرها. مرت عشر سنوات.
كبر نوح، وكبرت لوسي، لكن المركز فضل مفتوح.
وفي يوم، وصل للمركز ظرف بني قديم.
الغريب إن الظرف كان مكتوب عليه
إلى نوح لا تفتحه إلا عندما يصبح المركز قادرًا على مساعدة ألف طفل.
نوح حسب عدد الأطفال اللي ساعدهم المركز.
كان العدد بالفعل تجاوز الألف.
فتح الظرف.
وجد بداخله مفتاحًا صغيرًا وورقة.
قرأ
لو وصلت للرسالة دي، يبقى أنت وفيت بوعدك.
المفتاح ده هيفتح غرفة في مبنى المدرسة القديمة.
لكن قبل ما تفتحها، اسأل نفسك سؤال واحد
هل أنت مستعد تعرف لماذا بدأت الحكاية أصلًا؟
نوح اتصل بعم سالم فورًا.
لكن عم سالم لم يرد.
حاول مرة أخرى.
لا رد.
ذهب نوح إلى منزله.
وجد الباب مغلقًا.
وبعد البحث، عرف أن عم سالم انتقل للعيش مع أسرته في مدينة أخرى منذ فترة.
ترك نوح رسالة عند أحد الجيران.
وفي اليوم التالي، وصلته مكالمة من رقم مجهول.
أنا آدم.
نوح سكت لحظة.
إنت فين؟
بعيد، لكن كنت مستني اليوم ده.
ليه؟
آدم قال
لأن الوقت جه تعرف الحقيقة الكاملة.
ذهب نوح إلى المدرسة القديمة ومعه لوسي.
فتحا الغرفة بالمفتاح.
كانت مليئة بصناديق قديمة.
لكن لم يكن فيها أي شيء مخيف.
كانت
متابعة القراءة