ابنى نوح حكايات توتا

لمحة نيوز

يحتاج يسألك.
وبص لي بفخر.
وساعتها فهمت إن الفستان الأحمر ماكانش أغلى هدية قدمها نوح للوسي.
أغلى هدية كانت الفكرة اللي بدأت من طفل عنده 8 سنين
وانتهت بآلاف الأطفال وهم بيتعلموا إن الخير لما يبدأ من قلب صغير، ممكن يكبر لدرجة تغيّر حياة ناس كتير مرت شهور، ومشروع اللانش بوكسات كبر بشكل ماكناش نتخيله.
بقت المدرسة تستقبل كل أسبوع عشرات الوجبات، والأطفال نفسهم هم اللي بيشاركوا في تجهيزها.
لكن في يوم، وأنا راجعة من المدرسة، لقيت نوح مستنيني عند باب البيت.
كان ماسك ظرف أبيض.
قال
ماما، ده جالي النهارده.
بصيت للظرف.
كان مكتوب عليه اسمه بخط واضح
إلى نوح صاحب الفستان الأحمر.
فتحت الظرف.
جواه دعوة لحفل تكريم صغير في المدرسة.
وفي أسفل الدعوة كان مكتوب
سيتم تكريم الطفل الذي بدأ مبادرة صندوق الغدا المجاني.
نوح اتضايق وقال
أنا مش عايز أطلع على المسرح.
استغربت.
ليه؟
قال
أنا عملت ده عشان لوسي، مش عشان الناس تصفق لي.
قعدت جنبه وقلت
وده بالضبط السبب اللي يخليهم يكرموك.
لكن نوح كان مصر.
قال
لو طلعت، عايز لوسي تطلع معايا.
وفي يوم الحفل، اتملأت المدرسة بالأهالي والأطفال.
طلع مدير المدرسة على المسرح وقال
من شهور، طفل صغير اشترى فستانًا لطفلة جارتهم، لأنه آمن إن كل طفل يستحق يفرح.
الجمهور صفق.
ثم قال
ومن الفكرة الصغيرة دي، بدأ مشروع ساعد مئات الأطفال.
طلع نوح على المسرح.
ولوسي كانت واقفة جنبه.
المدير سأله
تحب تقول إيه للناس؟
نوح مسك الميكروفون وقال
أنا مش عملت حاجة كبيرة.
القاعة سكتت.
أنا بس شفت بنت محتاجة تفرح وحبيت أفرحها.
ثم أشار إلى اللانش بوكسات الموجودة في جانب المسرح.
وبعدين فهمت إن في أطفال تانية ممكن تكون محتاجة حاجة بسيطة فعملنا صندوق الغدا.
ضحك قليلًا وقال
بس أهم حاجة محدش ياخد حاجة ويحس إنه فقير.
القاعة كلها صمتت لحظة.
ثم بدأ التصفيق.
بعد الحفل، جاء عم سالم لنوح.
وأعطاه اللانش بوكس المعدني القديم.
قال له
ده بقى بتاعك.
نوح استغرب
ليه؟
لأن آدم صاحب الفكرة الأولى كتب إنه يتمنى إن كل جيل يسلّم الفكرة للجيل اللي بعده.
نوح بص للانش بوكس وقال
يعني أنا أحتفظ بيه؟
أيوه لحد ما تلاقي طفل تاني يكمل بعدك.
مرت السنوات.
كبر نوح.
وكبرت لوسي.
والمشروع الصغير بقى جمعية كبيرة بتساعد الأطفال المحتاجين في أكتر من مدرسة.
أما الفستان الأحمر
فكان لسه موجود.
هنا احتفظت بيه في صندوق صغير، لأن لوسي كانت بتحبه جدًا.
وفي يوم، بعد سنوات طويلة، رجع نوح من الجامعة.
دخل البيت وهو ماسك لانش بوكس جديد.
قلت له
إيه ده؟
ابتسم.
فاكرة اللانش بوكس القديم؟
طبعًا.
قال
أنا لقيت طفل في المدرسة بيعمل نفس اللي عملته أنا زمان.
ضحكت وقلت
وبتعمل إيه؟
حط اللانش بوكس على الترابيزة.
بجهز له صندوق جديد.
فتحته.
كان جواه فستان أحمر صغير.
نظرت له وأنا مش مصدقة.
قال
لقيته في محل أطفال.
ثم ابتسم
قلت يمكن الحكاية تبدأ من جديد.
وبصيت للانش بوكس القديم المعلق على الحائط.
وقتها فهمت معنى كل اللي حصل.
الفستان الأحمر ماكانش مجرد هدية.
كان أول خطوة في سلسلة طويلة من الخير.
أما اللانش بوكس الغامض
فماكانش جواه سر مرعب.
كان جواه وعد
إن الخير اللي يبدأه طفل واحد، ممكن يفضل عايش حتى بعد ما الطفل يكبر.
ومن يومها، كل ما حد يسألني
إيه أغلى حاجة عملها ابنك؟
ما بقولش الفستان.
ولا اللانش بوكس.
بقول
علّم ناس كتير إن مساعدة غيرك مش محتاجة تكون غني أحيانًا كل اللي تحتاجه قلب صغير شايف إن فرحة غيره تستاهل.
النهاية بعد خمس سنين، كنت فاكرة إن حكاية الفستان الأحمر واللانش بوكس انتهت خلاص.
لكن في صباح يوم جمعة، لقيت نوح واقف قدام باب البيت ومعاه بنت صغيرة اسمها سلمى.
سلمى كانت في التاسعة من عمرها، وكانت بتدرس في نفس المدرسة اللي بدأ فيها مشروع اللانش بوكس.
نوح قال لي
ماما، سلمى عندها فكرة.
بصيت للبنت.
كانت ماسكة كراسة صغيرة ومكتوب على غلافها
مشروع الفستان الأحمر.
ضحكت وقلت
إيه ده؟
فتحت الكراسة وقالت
أنا عايزة كل طفل في المدرسة يكون عنده حاجة يفرح بيها في يوم ميلاده.
قلبي اتأثر.
قالت
مش لازم فستان ممكن شنطة، كتاب، لعبة، حذاء، أو حتى كراسة رسم.
نوح بص لي وقال
هي سمعت حكاية لوسي، وقالت عايزة تكملها.
سلمى فتحت صفحة تانية.
كانت عاملة جدول بأسماء الأطفال.
جنب كل اسم، الحاجة اللي بيحبوها.
واحد بيحب الرسم.
واحدة بتحب القصص.
طفل بيحب كرة القدم.
وبنت صغيرة كانت كاتبة
نفسي في فستان أحمر.
سلمى قالت
أنا عايزة أوفر لها الفستان.
سألتها
وهتجيبي الفلوس منين؟
ابتسمت.
مش لوحدي.
وفعلًا، في الأسبوع التالي، بدأ الأطفال يجمعوا حاجات بسيطة.
طفل جاب كتابين.
طفلة جابت ألوان.
أسرة جابت شنطة.
وشخص تبرع بمبلغ صغير.
ومع الوقت، بقى عندهم غرفة كاملة مليانة هدايا.
وفي أول يوم توزيع، دخلت البنت الصغيرة صاحبة الفستان الأحمر.
كانت واقفة في الباب ومش مصدقة.
سلمى أخدت الفستان وقالت
ده بتاعك.
البنت بصت للفستان، وبعدين سألت
بجد؟
قالت سلمى
بجد.
بعدها حصل شيء غريب.
مديرة المدرسة دخلت وهي ماسكة صندوق خشبي قديم.
قالت
لقيت الصندوق ده في مخزن المدرسة.
حطته قدام نوح.
كان عليه نفس العلامة الموجودة على اللانش بوكس القديم.
نوح فتحه.
جواه دفتر.
لكن الدفتر المرة دي كان أحدث.
فتح أول صفحة.
وكان مكتوب
إلى نوح لو وصلت الرسالة دي ليك، يبقى المشروع كبر أكتر مما كنت أتمنى.
نوح رفع عينيه باستغراب.
مين كتبها؟
قلب الصفحة.
في آخر الدفتر كان اسم واحد
آدم.
نفس صاحب الفكرة القديمة.
لكن المفاجأة إن الرسالة كانت مؤرخة من شهر واحد فقط.
قرأ نوح
أنا كنت فاكر إن الفكرة ماتت لما كبرت وابتعدت عن المدرسة، لكن لما سمعت عن طفل صغير اشترى فستانًا أحمر من مصروفه، عرفت إنها لسه عايشة.
ثم في آخر الصفحة
أنا مش عايز أشكرك يا نوح أنا عايز أطلب منك حاجة.
نوح أكمل القراءة.
خلّي المشروع يكبر خارج المدرسة.
سأل نوح
يعني إيه؟
وفي نفس اللحظة، دخل رجل إلى الغرفة.
كان في منتصف العمر.
ابتسم وقال
يعني نفتح أول مركز حقيقي للمبادرة.
نوح بص له.
حضرتك آدم؟
الرجل هز رأسه.
أيوه.
ثم أخرج من جيبه مفتاحًا.
ووضعه أمام نوح.
وده مفتاح المكان الجديد.
نوح مسك المفتاح، وبص لينا.
قال
بس المكان ده هيكون لمين؟
آدم رد
لكل طفل محتاج فرصة مش شفقة.
وهنا ابتسم نوح.
لأنه فهم أخيرًا إن اللانش بوكس اللي ظهر قدام بيتنا من سنين، ماكانش مجرد لغز.
كان بداية طريق طويل.
طريق بدأ بفستان أحمر صغير
وانتهى بحلم كبير اسمه
مفيش طفل لازم يحس إنه أقل من غيره.
وفي اليوم التالي، اتعلقت أول لافتة على باب المركز
هنا لا نسأل ماذا ينقصك؟
هنا نسأل ماذا تحب أن تحلم به؟
وكان أول اسم اتكتب في دفتر المركز
لوسي.
أما آخر اسم، فكان
نوح.
وبين أول اسم وآخر اسم
كانت حكايات مئات الأطفال.
وكل حكاية بدأت بحاجة صغيرة جدًا
طفل قرر يعمل خير مرت سنتان على افتتاح المركز.
المكان بقى معروف في المدينة، والأطفال يدخلوا منه وهم عارفين إن محدش هيبص لهم بنظرة شفقة.
كل طفل كان له حق يختار حاجة يحبها.
كتاب، لعبة، ملابس، أدوات رسم، أو حتى نشاط يتعلمه.
أما نوح، فكان كل يوم جمعة يقعد في المكتب الصغير آخر المركز ويراجع الدفاتر.
وفي يوم، دخلت عليه لوسي وهي ماسكة ورقة.
بقت أكبر، واتعلمت تقرأ وتكتب بشكل أفضل.
قالت
نوح، أنا عندي فكرة.
ابتسم وقال
قولي.
وضعت الورقة قدامه.
كانت رسمة لطفل جالس وحده على مقعد المدرسة، وبجانبه لانش بوكس.
وفوق الرسم كتبت
كل طفل له مكان.
نوح سكت شوية.
ثم قال
دي مش مجرد رسمة.
لوسي ابتسمت.
أنا عايزة أشتغل في المركز.
من اليوم ده، بدأت لوسي تساعد الأطفال الجدد.
كانت تستقبلهم، وتعرفهم بالمكان، وتساعدهم يختاروا الكتب والألعاب.
والأغرب أن الأطفال كانوا يرتاحوا لها بسرعة.
لأنها لم تكن تتعامل معهم كأنهم مختلفون.
كانت تتعامل معهم كأنهم أصدقاء.
وفي نهاية كل شهر، كنا نعمل اجتماع صغير.
وفي أحد الاجتماعات، وقف نوح وقال
عندي اقتراح.
كل الناس بصت له.
قال
إحنا بنساعد الأطفال وقت احتياجهم لكن لازم نساعدهم كمان يكتشفوا هما شاطرين في إيه.
وبدأت الفكرة الجديدة.
ورشة المواهب.
طفل يتعلم الرسم.
آخر يتعلم النجارة.
بنت تتعلم الخياطة.
طفل يحب الكمبيوتر يبدأ يتعلم البرمجة.
وبعد فترة، بعض الأطفال بدأوا يبيعوا منتجاتهم في معرض صغير أقامه المركز.
وفي يوم المعرض، وقفت أمامنا بنت صغيرة اسمها مريم.
كانت ماسكة فستان أحمر صنعته بنفسها.
قلت لها
إنتِ اللي عملتيه؟
قالت بفخر
أيوه.
سألتها
ليه اخترتي اللون الأحمر؟
ابتسمت وقالت
عشان سمعت حكاية الفستان الأحمر القديم.
بصيت لنوح.
هو كمان كان متأثر.
مريم كملت
بس أنا مش عايزة حد يشتريه لحد محتاج.
استغربنا.
أمال عايزة تعملي بيه إيه؟
قالت
عايزة أبيعه، وأستخدم الفلوس عشان أشتري قماش وأعمل فساتين تانية.
نوح ابتسم.
يبقى إنتِ فهمتي الفكرة.
مريم هزت رأسها.
الخير مش إنك تدي الحاجة وتخلص الخير إنك تخلي الحاجة تكمل.
في تلك اللحظة، دخل عم سالم.
كان ماسك اللانش بوكس المعدني القديم.
قال
نوح حان وقت تسليمه.
نوح اتفاجئ.
لمين؟
عم سالم أشار إلى مريم.
لها.
مريم مسكت اللانش بوكس بحذر.
قالت
ليه أنا؟
رد عم سالم
لأنك أثبتِ إنك فهمتي رسالته.
نوح ابتسم.
ثم قال لها
خليه معاكِ لحد ما تلاقي شخص تاني يستحق
تم نسخ الرابط