ابنى نوح حكايات توتا
ابني نوح، اللي عنده 8 سنين، حرم نفسه من مصروف الغدا أسابيع كاملة عشان يشتري فستان أحمر لبنت صغيرة عندها متلازمة داون لكن اللي حصل تاني يوم الصبح، لما لقينا الحوش مليان لانش بوكسات، كان أغرب بكتير من أي حاجة توقعتها.
جارتنا هنا كانت بتربي بنتها لوسي لوحدها من وهي لسه بيبي.
لوسي اتولدت بمتلازمة داون، ومن أول ما كانت صغيرة، نوح اتعلق بيها جدًا.
كان يقعد جنبها في الجنينة يرسم لها صور، ويجمع لها ورد صغير من الجنينة، وأحيانًا يفضل يحكيلها عن يومه في المدرسة، رغم إنها كانت لسه صغيرة ومش بتتكلم كتير.
وقبل عيد ميلادها التاني بشهر، نوح شاف فستان أحمر صغير في فاترينه محل أطفال.
وقف قدامه فترة طويلة، وبعدها شد إيدي وقال
ماما شوفي! لوسي هتبقى زي الأميرة لو لبسته.
قلت له
جميل جدًا، بس هنا مش هتقدر تعمل عيد ميلاد كبير السنة دي.
هنا كانت بتصرف فلوسها كلها تقريبًا على احتياجات لوسي وجلساتها وأنشطتها.
نوح سكت.
افتكرت إنه نسي الموضوع.
لكن بعدها بدأت ألاحظ حاجات غريبة.
بقى يرفض يشتري الحلوى من المدرسة.
ولو طلبت منه أجيب له حاجة كان يقول
مش عايز يا ماما، أنا شبعت.
وبدأ يساعد بعض الجيران في ترتيب الجنينة وجمع أوراق الشجر مقابل مبالغ بسيطة.
وفي يوم، لقيته بيعد فلوسه فوق السرير.
قلت له
بتعمل إيه؟
خبّى الفلوس بسرعة وقال
ولا حاجة.
فضل الموضوع يتكرر لأسابيع.
لحد ما في يوم دخل عليّ وهو بيجري، وفتح إيده.
كان فيها المبلغ كامل تقريبًا.
ماما! كفاية أنا جمعت تمن الفستان!
اتصدمت.
إنت جمعت الفلوس دي إزاي؟
قال بمنتهى البراءة
اشتغلت شوية ومصرفتش مصروف الغدا.
قلبي وجعني.
قعدت جنبه وقلت
يا نوح، مينفعش تحرم نفسك من الأكل عشان أي حاجة.
قال
أنا مكنتش جعان.
لكن من عينيه عرفت إنه كان بيحاول يفرح لوسي بأي طريقة.
اشترينا الفستان.
وفي يوم عيد ميلاد لوسي، عملنا حفلة صغيرة في الجنينة.
ولما هنا لبستهولها، وقفت لوسي قدام المراية وبصت لنفسها.
وبعدين بدأت تلف حوالين نفسها وهي بتضحك.
نوح كان واقف بعيد ووشه منور بالفرحة.
قال لي
شايفة يا ماما؟ طلعت أميرة فعلًا.
ضحكت وقلت
أيوه يا حبيبي.
بالليل، بعد ما الكل مشي، قعدت مع نوح وقلت له
أنا فخورة بيك، بس أوعدني إنك عمرك ما تمنع عن نفسك الأكل عشان توفر فلوس.
هز راسه.
وعد.
دخل ينام.
وأنا افتكرت إن الحكاية انتهت عند اللحظة دي.
لكن الساعة ستة ونص الصبح، سمعت صوت نوح بيصرخ
ماماااا!
جريت على أوضته.
كان واقف عند الشباك ووشه مليان دهشة.
إيه اللي حصل؟
شدني من إيدي ناحية الشباك.
بصيت لتحت
واتسمرت مكاني.
الحوش كله كان مليان لانش بوكسات.
واحد عليه ديناصور.
واحد عليه كورة.
واحد عليه أبطال خارقين.
واحد وردي.
واحد أزرق.
واحد صغير جدًا.
كانوا أكتر من خمسين لانش بوكس متحطوطين في صفوف منظمة من باب البيت لحد أول الرصيف.
نوح قال
ماما دول جُم ليه؟
نزلنا بسرعة.
بدأنا نبص على اللانش بوكسات.
كل واحد كان عليه ورقة صغيرة مكتوب عليها اسم طفل.
وفي كل ورقة جملة مختلفة
شكرًا يا نوح.
أنت علمتنا معنى المشاركة.
الغدا مش لازم يكون أغلى حاجة المهم إن حد يفتكرك.
نوح كان بيقرأ ورقة وراء التانية وهو مش فاهم.
وفجأة لاحظنا لانش بوكس مختلف عن كل الباقيين.
كان معدني، قديم، عليه خدوش كتير، ومتحطوط في منتصف الحوش.
وفوقه ورقة واحدة
ده لنوح افتحه بنفسك.
نوح بص لي.
ماما أفتحه؟
قلت
أنا جنبك.
فتح الغطا ببطء.
جواه كان فيه دفتر مدرسي قديم، وصورة لطفل صغير، ومفتاح صغير مربوط بخيط أحمر.
نوح مسك الصورة.
وبص لي.
ماما مين الولد ده؟
قبل ما أرد، سمعنا صوت هنا من خلفنا
أنا أعرفه.
لفينا كلنا.
كانت هنا واقفة عند باب الحوش، ووشها اتغير أول ما شافت الصورة.
قربت ببطء، ومسكت الدفتر.
فتحته.
وفي الصفحة الأولى كان مكتوب
إلى الشخص الذي سيجد هذا الدفتر بعد سنوات هناك شيء مهم لم يعرفه أحد.
هنا فضلت ساكتة.
قلت لها
إيه اللي مكتوب؟
رفعت عينيها وقالت
المفتاح ده مفتاح صندوق موجود في مدرسة قديمة.
نوح سأل
وصندوق إيه؟
هنا بصت للدفتر مرة تانية.
مش عارفة بس واضح إن اللي ساب اللانش بوكس ده كان عايز نوح هو اللي يلاقيه.
وفي اللحظة دي، رن جرس البيت.
خرجنا كلنا.
كان واقف قدام الباب رجل مسن، ماسك ملف كبير.
قال
أنا آسف إني جيت من غير موعد لكن لازم أقابل نوح.
نوح استخبى ورايا من الخوف.
الرجل ابتسم وقال
متخافش يا بني أنا مش جاي أطلب منك حاجة.
ثم أشار إلى اللانش بوكسات الموجودة في الحوش.
أنا جاي أقول لك إن اللي عملته مع لوسي وصل لناس أكتر مما تتخيل.
وأخرج من الملف ورقة.
لكن فيه شخص واحد من كل الناس دي قرر يبعث لك اللانش بوكس القديم.
سألته
مين؟
نظر إلى نوح وقال
الشخص اللي كان محتاج مساعدة من طفل زيك من زمان جدًا.
ثم وضع الورقة في يد نوح.
وكان مكتوبًا عليها
يا نوح لو عايز تعرف ليه أنت بالذات، روح بكرة الساعة عشرة على المدرسة القديمة، وخد المفتاح معاك.
نوح بص لي.
ولأول مرة من يوم ما بدأت الحكاية، حسيت إن الفستان الأحمر ماكانش مجرد هدية.
كان بداية سر كبير
لكن سر مفيهوش شر ولا خيانة، وإنما حكاية إنسانية قديمة هتغيّر حياة أكتر من شخص تاني يوم، الساعة عشرة إلا ربع، كنت واقفة أنا ونوح وهنا قدام المدرسة القديمة.
المكان كان مهجور من سنين.
الشبابيك مكسورة، والباب الحديد عليه صدأ، وفيه شجرة كبيرة طالعة من جنب السور.
نوح كان ماسك المفتاح الصغير في إيده.
قال
ماما هو إحنا متأكدين إن ده مش غلط؟
قلت له
إحنا مش هنفتح أي حاجة من نفسنا. هنستنى الراجل اللي ادانا الورقة.
وفعلًا، بعد دقائق وصلت عربية الرجل المسن.
نزل منها ومعاه الملف الأزرق.
قال
اسمي عم سالم. كنت مدير المدرسة دي من زمان.
وبص للمفتاح.
المفتاح ده كان عند طالب اسمه آدم.
نوح سأل
والولد اللي في الصورة؟
عم سالم هز راسه.
أيوه.
فتح الملف وأخرج شهادة مدرسية قديمة.
آدم كان طالب هادي جدًا، لكنه كان مختلف عن باقي الأطفال. كان بيحب يساعد زملاءه، خصوصًا الأطفال اللي كانوا بيتعرضوا للتنمر أو بيتعذر عليهم يجيبوا أدوات المدرسة.
هنا قالت
طيب إيه علاقة ده بلانش بوكسات نوح؟
ابتسم عم سالم.
استني القصة لسه ما بدأتش.
دخلنا المدرسة.
وصلنا لفصل قديم في آخر الممر.
عم سالم أشار إلى دولاب خشبي صغير.
آدم كان بيحط فيه حاجات للأطفال اللي ظروفهم صعبة.
فتحنا الدولاب.
كان فاضي تقريبًا.
لكن في آخره صندوق خشبي صغير.
نوح أدخل المفتاح.
تك.
الصندوق اتفتح.
جواه عشرات الأوراق الصغيرة.
كل ورقة عليها اسم طفل.
وفي آخر الصندوق كان فيه جواب طويل.
فتحه نوح.
وكان مكتوب
أنا آدم، وعندي 11 سنة. يمكن لما حد يلاقي الرسالة دي أكون كبرت، ويمكن أكون بعيد عن المدرسة، لكن أتمنى حاجة واحدة محدش في المدرسة يحس إنه أقل من غيره عشان معاه أكل قليل أو لبس قديم.
نوح فضل ساكت.
وبعدين قال
هو كان بيعمل زيي؟
عم سالم ابتسم.
بالضبط.
قلبنا باقي الورقة.
وكان فيه اقتراح كتبه آدم
كل طفل يقدر، يحط جزء بسيط من غداه في صندوق مشترك، واللي محتاج ياخد منه من غير ما حد يسأله.
نوح ابتسم.
دي فكرة حلوة.
هنا قالت
بس ليه رجعت الحكاية دلوقتي؟
عم سالم رد
لأن آدم كبر، واشتغل في مؤسسة بتساعد الأطفال، ولما عرف حكاية نوح ولوسي قرر يرجع يكمل الفكرة.
ثم فتح باب الفصل.
وفوجئنا بمجموعة كبيرة من الأهالي والأطفال واقفين بره.
كل طفل ماسك لانش بوكس.
واحد منهم قال
إحنا عايزين نعمل صندوق غدا خيري في المدرسة.
طفل تاني قال
كل واحد يحط حاجة زيادة.
وثالث قال
واللي محتاج ياخد من غير ما يتكسف.
نوح بص لي بعيون واسعة.
ماما يعني اللانش بوكسات دي كلها عشان الفكرة؟
ابتسمت.
أيوه.
لكن عم سالم أشار للانش بوكس المعدني القديم.
لسه فيه حاجة.
رجعنا له.
كان فيه ظرف صغير في القاع.
نوح فتحه.
جواه ورقة واحدة فقط.
مكتوب فيها
يا نوح، أنت بدأت بفستان أحمر عشان تفرّح طفلة. إحنا مش عايزينك توقف هنا. عايزين نخلي الخير عادة، مش موقف.
نوح قرأ الجملة مرتين.
وبعدين رفع رأسه وقال
أنا موافق.
ومن اليوم ده، بدأنا مشروع صغير في الحي.
كل أسرة تحط لانش بوكس إضافي مرة في الأسبوع.
من غير أسماء.
من غير تصوير.
ومن غير ما حد يعرف مين ساعد ومين احتاج.
وبعد شهور، المشروع كبر جدًا.
المدرسة نفسها شاركت.
وبقى فيه أطفال كتير بيلاقوا وجبة محترمة في يومهم من غير ما يشعروا إنهم مختلفين عن باقي زمايلهم.
أما لوسي
فكان ليها دور خاص.
هنا عملت لها صندوق صغير للألوان والألعاب، وكل طفل كان بيحط فيه حاجة بسيطة عشان يستخدموها مع بعض.
وفي يوم، لقيت نوح بيكتب ورقة ويحطها جوه اللانش بوكس القديم.
سألته
بتكتب إيه؟
ابتسم وقال
رسالة للي هيلاقيه بعدنا.
قلت
مكتوب فيها إيه؟
قال
لسه بفكر.
وبعد دقيقة كتب
متستناش حد يطلب منك الخير اعمله قبل ما حد