رميت حاجات امك من البلكونة

لمحة نيوز

رميتُ حاجات أمك من البلكونة قالتها مريم بهدوء غريب في آخر اليوم.
لكن قبل ما نوصل للحظة دي، لازم نرجع أربع أيام للوراء...
كانت مريم لسه بتحاول تنوّم ابنها الصغير ياسين قرب العصر.
الطفل كان بدأ يهدى بالعافية، وعينيه نص مقفولة، ومريم قاعدة جنبه بعد يوم طويل من التعب.
وفجأة...
جرس الباب رن.
مرة.
ثم مرة تانية، بسرعة.
مريم قامت وهي بتعدل شعرها الأشقر الفاتح، وراحت تفتح.
أول ما فتحت الباب، لقت حماتها وداد واقفة قدامها بشنطتين كبار.
أهلًا يا مريم.
أهلًا يا طنط... خير؟
وداد دخلت وهي بتقول
أحمد كلّمني وقال عنده شغل كتير الفترة دي، وأنا قلت أجي أقعد معاكم كام يوم وأساعدك في ياسين.
مريم اتفاجئت.
أحمد ما قالهاش حاجة.
لكنها ابتسمت وقالت
البيت بيتك.
دخلت وداد الصالة، وبصت حواليها.
ثم وقفت فجأة.
إيه ده؟
إيه؟
شعرك بقى أشقر؟
ابتسمت مريم
أيوه. حبيت أغيّر.
وداد هزت رأسها.
كان أحلى وهو غامق.
مريم حاولت تضحك.
يمكن عشان متعودة عليه.
وداد بصت على إيديها.
وضوافر كمان؟
عملتهم من يومين.
أحمر قوي.
عاجبني.
وداد ما ردتش.
لكن ملامحها قالت إن الموضوع مش عاجبها.
ومريم وقتها ما كانتش تعرف إن تغيير لون شعرها ولون ضوافرها هيكون أول شرارة في مشكلة كبيرة.
مرت الأيام.
وداد بدأت تتدخل في كل حاجة.
تدخل المطبخ وتغير طريقة الطبخ.
ترتب حاجات مريم من غير ما تستأذن.
تعلق على لبسها.
وتسألها كل يوم
رايحة فين؟
الجيم.
تاني؟
أيوه.
وإنتِ عندك طفل صغير؟
مريم كانت بتحاول تعدّي الكلام.
لكن في اليوم الثالث، كانت بتلبس هدوم الرياضة، فوداد قالت
هو إنتِ مشغولة بنفسك زيادة عن اللزوم؟
مريم وقفت.
يعني إيه؟
يعني شعرك، وضوافرك، والجيم... هو البيت ناقصك حاجة؟
أنا مش مقصرة في بيتي.
أنا ما قلتش إنك مقصرة.
بس كلامك بيوصل لكده.
وداد سكتت لحظة، ثم قالت
أنا بس شايفة إن الست بعد الجواز أولويتها بيتها وابنها.
مريم ردت بهدوء
وده اللي بعمله. بس ده مش معناه إني ألغي نفسي.
وداد ما اقتنعتش.
وفي المساء، مريم اشتكت لأحمد.
أحمد، أنا مش مرتاحة من طريقة كلام ماما.
أحمد كان مشغول في شغله.
معلش يا مريم، استحملي كام يوم.
الجملة دي وجعت مريم أكثر مما كان متوقع.
استحملي.
كأن راحتها شيء ثانوي.
في اليوم الرابع، رجعت مريم من الجيم.
فتحت الباب.
الشقة كانت هادية.
حطت شنطتها.
ثم لاحظت كيس أسود كبير موجود جنب دولابها.
استغربت.
فتحته.
وتجمدت مكانها.
كان جواه هدومها.
فستان بتحبه.
بلوزات.
بنطلونات.
حذاء.
حتى بعض مستحضرات التجميل.
كلها متحطوطة في أكياس.
دخلت وداد من المطبخ.
مريم رفعت الكيس.
إيه ده؟
وداد قالت بمنتهى الهدوء
الحاجات دي مش مناسبة ليكي.
يعني إيه مش مناسبة؟
لبس ضيق، وألوان مش مناسبة، وحاجات ملهاش لازمة.
ومين اداكي الحق تفتشي دولابي؟
أنا كنت برتب.
ترتيب إنك تحدديلي ألبس إيه وما ألبسش إيه؟
وداد ردت
أنا بحاول أحافظ على بيت ابني.
مريم اتوجعت من الجملة.
وأنا مش خراب البيت يا طنط.
دخلت أوضتها، وقفلت الباب.
وبعد دقائق اتصلت بأحمد.
أمك شالت هدومي وحطتها في أكياس.
أحمد سكت.
أحمد، رد عليا.
مريم، أنا فعلًا مضغوط.
وأنا كرامتي مش مهمة؟
هكلمها.
إمتى؟
لما أخلص.
قفلت مريم المكالمة.
وقعدت على طرف السرير.
بصت لياسين النائم.
وقالت لنفسها
أنا مش هسيب حد يهدم بيتي... بس كمان مش هسمح لحد يهدم شخصيتي.
وفي المساء، لما وداد دخلت أوضتها، لقت أكياس هدومها هي كمان متجهزة.
بصت لمريم بصدمة.
إيه ده؟
مريم قالت بهدوء
حاجتك.
حاجتي؟!
أيوه.
إنتِ بتطرديني؟
لا. بس زي ما حضرتك قررتي إن حاجاتي مش مناسبة في بيتي، أنا كمان قررت إن كل واحدة تلتزم بحدودها.
وداد اتعصبت
أحمد لازم يعرف!
مريم ردت
فعلًا. المرة دي مش هطلب منه يستحملني. هطلب منه يحل المشكلة.
وبالفعل...
بعد دقائق، وصل أحمد.
فتح الباب، وبص للأكياس.
ثم بص لأمه.
ثم لمريم.
وسأل
ممكن أفهم حصل إيه؟
مريم قالت
المرة دي يا أحمد، مش هتكلم بدالك.
وسكتت.
لأنها كانت عارفة إن اللحظة دي هتحدد شكل حياتهم بعد كده...
هل أحمد هيقف متفرج كالعادة؟
ولا لأول مرة...
هيحط حدود واضحة بين بيته وأي تدخل من الخارج؟أحمد فضل واقف عند باب الصالة، وعينيه بين الأكياس وبين أمه.
ماما... إيه اللي حصل؟
وداد ردت بسرعة
مراتك بتطردني من بيت ابني!
مريم ما قاطعتهاش.
كانت ساكتة تمامًا.
أحمد بص لها
مريم؟
قالت بهدوء
اسأل ماما الأول.
وداد بدأت تحكي بطريقتها، وتقول إن مريم اتغيرت، وإنها بقت تهتم بشكلها أكتر من بيتها، وإنها كانت بتحاول تساعدها.
لكن أحمد سأل سؤالًا واحدًا
هل دخلتي أوضة مريم وفتحتي دولابها؟
سكتت وداد.
أيوه.
وهل حطيتي هدومها في أكياس؟
أيوه، بس عشان
قاطعها
من غير ما تستأذنيها؟
وداد سكتت.
أحمد أخد نفس طويل.
ماما، إنتِ غلطتي.
الجملة نزلت على وداد كأنها صدمة.
أنا غلطانة؟ بعد كل اللي عملته عشانكم؟
مساعدتك لينا على راسي، لكن ده مش معناه إنك تدخلي في خصوصيات مريم.
مريم بصت لأحمد، لكنها ما اتكلمتش.
وداد قالت بانفعال
وأنا؟! دي مراتك، لكن أنا أمك!
أحمد رد
وعشان إنتِ أمي، أنا مش عايز الخلاف يكبر بينكم.
ثم بص لمريم
وإنتِ كمان غلطتي.
رفعت عينيها له.
عشان رميت حاجاتها؟
أيوه. كان ممكن تتصرفي بطريقة أهدى.
هزت مريم رأسها.
عندك حق.
ثم قالت
بس كنت محتاجة تحس إن اللي عملته مش مقبول.
أحمد قرب من الأكياس وقال
خلاص. محدش هيرمي حاجة تخص حد تاني من النهارده.
وداد ظلت صامتة.
ثم قالت
يعني عايزني أمشي؟
أحمد رد بهدوء
عايزك ترجعي بيتك النهارده، ونبدأ نتعامل مع الموضوع من غير عصبية.
وداد لمّت حاجتها.
وقبل ما تخرج، قالت لمريم
واضح إنك أخدتي ابني مني.
مريم ردت فورًا
لا يا طنط. أنا عمري ما طلبت منه يبعد عنك. أنا بس طلبت منه يحمينا إحنا الاتنين من المشاكل.
أحمد فتح الباب لوالدته.
ماما، إنتِ مكانك محفوظ. بس بيتي له خصوصيته.
خرجت وداد.
وأول ما الباب اتقفل، مريم قعدت على الكنبة.
أحمد جلس أمامها.
أنا آسف.
عارف إنت بتعتذر عن إيه؟
إني كنت كل مرة أقولك استحملي.
سكتت.
أنا كنت فاكر إن المشاكل الصغيرة لما نتجاهلها هتنتهي لوحدها. بس اكتشفت إنها بتكبر.
مريم قالت
أنا مش عايزاك تختار بيني وبين أمك.
عارف.
عايزاك بس لما يحصل تجاوز، توقفه.
وعد.
وفي اللحظة دي، خرج ياسين من أوضته وهو بيبكي.
مريم قامت بسرعة، لكن أحمد قال
أنا هجيبه.
دخل الأوضة، وبعد دقيقة رجع بالطفل.
مريم أخذته وبدأت تهديه.
أحمد بص لابنه وقال
عايز أربيه في بيت هادي يا مريم.
وأنا كمان.
يبقى من النهارده أي مشكلة بيننا تتحل بالكلام.
ابتسمت مريم.
اتفقنا.
لكن في نفس الليلة...
رن تليفون أحمد.
بص للشاشة.
كانت أمه.
رد
أيوه يا ماما؟
جاءه صوتها متوترًا
أحمد، لازم تيجي عندي حالًا.
في إيه؟
لقيت حاجة قديمة في دولابك... ومش عارفة أعمل فيها إيه.
أحمد اتعدل في جلسته.
حاجة إيه؟
وداد سكتت ثواني.
ثم قالت
أوراق تخص والدك... وفيها اسم مريم.
أحمد بص لمريم.
وشه اتغير.
اسم مريم؟!
أيوه.
إيه علاقتها بأبويا؟
وداد قالت
معرفش... بس التاريخ المكتوب عليها قبل ما تتجوزوا بسنين.
أحمد أنهى المكالمة، وظل ساكتًا.
مريم لاحظت تغير ملامحه.
في إيه؟
أحمد لم يجب فورًا.
ثم قال
ماما لقت أوراق قديمة... واسمك مكتوب فيها.
مريم اتفاجئت.
اسمي؟ أنا؟
أيوه.
وإيه علاقتي بأبوك؟
أحمد قال
مش عارف.
سكت الاثنان.
وفي صباح اليوم التالي، ذهب أحمد إلى بيت والدته.
وضعت وداد أمامه ملفًا قديمًا.
فتح أول ورقة.
ثم الثانية.
وفي الصفحة الأخيرة...
وجد جملة جعلته يرفع عينيه بدهشة
يُسلَّم هذا الملف إلى مريم عبد الرحمن في حالة حدوث أي خلاف عائلي...
أحمد همس
إيه ده؟
وداد قالت
أنا نفسي مش فاهمة.
لكن خلف الورقة كانت هناك صورة قديمة...
صورة لمريم وهي طفلة، واقفة بجانب رجل لم تره في حياتها.
وعلى ظهر الصورة مكتوب
البداية كانت من هنا...نكمل 
أحمد فضل ماسك الصورة وهو مش قادر يستوعب.
ماما... إنتِ متأكدة إن الصورة دي لمريم؟
وداد قربت منها.
أيوه. أنا فاكرة شكلها وهي صغيرة.
والرجل ده مين؟
وداد هزت رأسها.
مش عارفة.
قلب أحمد الورقة اللي بعدها، فوجد شهادة ميلاد قديمة وصورة من عقد ملكية.
ظل يقرأ في صمت.
ثم قال
دي مش أوراق عادية.
عشان كده اتصلت بيك.
الورق ده كان عند بابا؟
أيوه. لقيته في درج مقفول من زمان.
أحمد سألها
وليه مكتوب اسم مريم؟
وداد

تم نسخ الرابط